ماكينة بوتين الإعلامية.. نظرة من داخل العالم السري لـ"روسيا اليوم"

تم النشر: تم التحديث:
H
ه

بدا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غير مرتاح خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الفرنسي المنتخب حديثاً إيمانويل ماكرون في فرساي، وهو مكان تم اختياره للتأكيد على بزوغ فجر عصر جديد للعلاقات الفرنسية الروسية، حينما قام مراسل وكالة "روسيا اليوم"، المدعومة من الدولة الروسية، بطرح سؤال صعب: لماذا منع ماكرون الصحفيين الروس من المشاركة في تغطيته الإعلامية المشتركة؟

وكان ماكرون قد اتهم كل من وكالة "سبوتنيك" وشبكة "روسيا اليوم" بننشر الأكاذيب حول شخصيته وحملته الانتخابية. وقال خلال مؤتمره المشترك مع بوتين رداً على سؤال لصحافية روسية، حول قراره بمنع ممثلي وسيلتين اعلاميتين روسيتين ناطقتين بالفرنسية هما RT وسبوتنك من دخول مقر حملته الانتخابية قبل فوزه، علّق ماكرون : "سنقول الامور كما هي: في الحقيقة فإن روسيا اليوم وسبوتنيك لم تتصرفا كوسيلتي إعلام، بل كأجهزة ضغط ودعاية كاذبة". وأضاف: "عندما تقوم وسائل اعلام بنشر معلومات كاذبة مشينة لا يمكن الكلام عن صحافيين بل عن أجهزة ضغط".

وسارعت "روسيا اليوم" للرد على هذه الادعاءات، فزعمت رئيسة التحرير، مارغريتا سيمونيان، أن القناة تحاول تحقيق "توازن" في البيئة الإعلامية الفرنسية التي كانت مؤيدة بشدة لماكرون، بينما انتقد أحد كُتاب روسيا اليوم الأساسيين ماكرون معتبراً تعليقاته "ضربة قاسية للصحافة".

وفي الواقع يُعد تقييم ماكرون غير جديد، فهو يعكس إجماعاً متنامياً في كثير من الدوائر الرسمية والأكاديمية الغربية - بل والروسية أيضاً - حول طبيعة المنظمة الإعلامية ودورها في دعم الخطاب السياسي المناهض للمؤسسة، لكن كيف تؤثر "روسيا اليوم" في الواقع؟ قامت صحيفة موسكو تايمز بنظرة داخلية عن قرب حول عمل هذه المنظمة السرية سيئة السمعة.

b


الظل الطويل


تأسست "روسيا اليوم" عام 2005، وكان المقصود من الشبكة إعطاء الجمهور الغربي "المنظور الروسي" للأحداث، وفي عام 2009 تمت إعادة تقديمها بالصيغة "TR"، وعلى حد تعبير سيمونيان فإن ذلك تم "حتى لا يخيف الجمهور".

وتزامنت إعادة التسمية على نطاق واسع مع تحوّل في التركيز من دعم روايات الأخبار الروسية باللغة الإنكليزية لتقويض تلك الغربية، وتقديمها كوجهات نظر بديلة عن التيار السائد في الإعلام الغربي و"تغطية القصص التي تغفل عنها وسائل الإعلام الرئيسية للمشاهدين المتعلمين الذين يرغبون في المزيد من الأسئلة"، كما تقول القناة عن نفسها.

لكن بعض النقاد يشيرون إلى سجل انحيازات "روسيا اليوم"، حيث يقول الباحث بن نيمو من مركز أبحاث مجلس الأطلنطي إن روسيا اليوم "تتفاعل مع الجهل الإعلامي، فهي تدعي أنها نزيهة، لكن العديد من برامجها تثبت إدانتها بالانحياز أكثر من أي وسيلة إعلام أخرى في المملكة المتحدة منذ عام 2014، حسب هيئة الإعلام في المملكة المتحدة أوفكوم".

ويفترض المهتمون بروسيا اليوم أنها قوة إعلامية، لكن العديد من موظفيها السابقين قالوا خلاف ذلك، مشيرين لعدم التنظيم داخل غرفة الأخبار، وكثير من الصحفيين والمنتجين الحاليين فيها هم من الشباب الذين ليس لديهم خبرة كافية، بحسب قول بعض العاملين السابقين.


طنجرة الضغط


ظلت المشكلات داخل "روسيا اليوم" غير معلنة إلى حد كبير؛ لأن الموظفين يشعرون بالتوتر حينما يتكلمون مع الصحفيين، ورغم أن موسكو تايمز - وهي رغم أنها وسيلة إعلامية روسية فهي تنتقد بشدة أداء "روسيا اليوم" - تحدث مع عدد كبير من الموظفين الحاليين والسابقين فإن معظمهم رفض الإفصاح عن أي صفة مستشهدين باتفاقيات عدم الإفصاح، وأبدى كلهم تقريباً شعوراً بالخوف عندما تعلق الأمر بمناقشة RT خارج العمل!

وأفادت المصادر بأنه طلب من موظفيها التوقيع على وثائق عام 2014 للضغط عليهم أثناء الأزمة مع أوكرانيا، ورأت صحيفة موسكو تايمز إحدى هذه الوثائق التي تسمى "عدم الإخلال"، وتنص على أن الموظفين سيواجهون غرامة قدرها 50 ألف دولار حال انتقد القناة في أي وقت، وحدث هذا بعد إسقاط طائرة الخطوط الماليزية MH17 فوق شرق أوكرانيا واستقالة الصحفية البريطانية سارة فيرث.

وقال الذين تحدثوا للصحيفة إن بيئة العمل في القناة الروسية مجهدة بشكل غير عادي، ووصف أحد المصادر مكتب التحرير بأنه طنجرة ضغط مليئة بالإجهاد المستمر والصراخ، ومعدل تناقص الموظفين مرتفع جداً، وتركز القناة بشكل كبير على مقاييس وسائل التواصل الاجتماعي التي تطرد الصحفيين الجادين بعيداً.

ولا شك أن القناة تعمل على تعزيز "وجهة نظر روسيا" فعندما احتج موظفون أجانب على تغطيتها لأوكرانيا، تقول المصادر إن حل الإدارة كان بسيطاً أن نقلوا مسؤولية تغطية أوكرانيا من الموظفين الأجانب وسلموها للموظفين الروس.

وحسب المصادر فإن معظم الموظفين الروس غير سياسيين ودون خبرة سابقة في الصحافة، وفي كثير من الأحيان يكونون أبناء دبلوماسيين روس يعرفون الإنكليزية بطلاقة لا أكثر، بالإضافة ليساريين غربيين يجدون في القناة منصة لتأييد وجهة نظرهم المناهضة للغرب.

وقالت المصادر إن الموظفين يمنحون استقلالية محدودة في التعبير عن رسالة القناة، لكنْ هناك قصص لا يمكن المساس بها تأتي دائماً من أعلى، ويقول موظفون حاليون إن بإمكان المحررين النقاش، لكن القرار يتخذه المديرون حصرياً.

b


تساؤلات أكثر


وقالت معظم المصادر إن الصراع في أوكرانيا، وتحديداً ضم شبه جزيرة القرم، شهد تحولاً واضحاً في نهج "روسيا اليوم"، ويقول البروفيسور آن كوبر الذي يدير مشروعاً لمراقبة القناة في جامعة كولومبيا: "عندما تم إنشاء القناة لأول مرة تم تقديمها كمحاولة لعرض الأخبار من منظور روسي".

لكنه يكمل: "يبدو الآن أن الهدف أصبح تعزيز نظريات المؤامرة"، فبعض محتوى "روسيا اليوم" الأكثر غرابة يضم الأجسام الغريبة وقصص 11/9، ومشاهير هوليود يقدمون كخبراء مثل أندرسون الذي ظهر على القناة في فبراير للدفاع عن جوليان أسانغ محرر ويكيليكس من تهمة الاغتصاب.

ومنذ عام 2014 استقال العديد من الصحفيين البارزين لأسباب إيديولوجية وتحدث بعضهم علناً عن قراراتهم بعد يوم من ضم القرم، وأعلنت مرساة ليز التي استقالت خلال بث مباشر أنها "لا يمكن أن تكون جزءاً من شبكة تمولها الحكومة الروسية لتبييض أعمال بوتين".


روسيا غداً


يقول أحد المصادر داخل "روسيا اليوم" إن منتجي البرامج يبذلون جهداً للحصول على ضيوف جيدين، لكن يكون أمامهم خيارات محدودة فقط هي المطروحة، ويبدو أن هذه المشكلة مستمرة ففي أعقاب تفجير 22 مايو/أيار في مانشستر بإنكلترا دعت القناة العديد ممن تسميهم "الخبراء" للتعليق على الهجوم الإرهابي، بينهم صحفيون غربيون غير معروفين وضيف مدافع دائم عن الرئيس السوري بشار الأسد، وقد ألقوا جميعاً باللوم على السياسة الخارجية الغربية في الشرق الأوسط.

وتقول مصادر عدة إن أوجه القصور التي تعاني منها القناة تعرقل قدرة المنظمة على أداء مهمتها وتتناقض بشكل صارخ مع الادعاءات الرسمية بنجاحها الصارخ، ووجد تحقيق أجرته مجلة "ديلي بيت" الإخبارية في عام 2015 أن لقطات الفيديو الـ100 الأكثر مشاهدة في السنوات الخمس الماضية اشتملت على ما نسبته 81% عن الطقس والحوادث والجرائم وكثير من هذا المحتوى لم يكن أصلياً بل تم شراؤه من قبل RT من موزعين ومنتجين آخرين.

وقد ترك العديد من الأصوات المعارضة المؤسسة منذ عام 2015 بعد أن أدركوا أن سلوك القناة "غير قابلٍ للتغيير" كما قال موظف سابق، مضيفاً أنها يمكن أن تنجح كوسيلة دعاية لكنها لن تكون أكثر مهنية وموضوعية ولن تكون ناجحة أيضاً بسبب مزيج اللامبالاة وعدم الاحتراف وندرة المواهب الحقيقية.