اكتظاظ واعتداءات.. هذه قائمة التحديات التي تواجهها المساجد في ألمانيا

تم النشر: تم التحديث:
GERMAN MOSQUE
Wolfgang Rattay / Reuters

تشكو المساجد في العديد من المدن الألمانية من ضيق المساحة. ففي مدينة بوتسدام، على سبيل المثال، اضطر المسلمون لأداء الصلاة في حديقة بيوسفير، في حين اتخذ المسلمون في هامبورغ مرآباً للسيارات تحت الأرض مصلى لهم.

ويواجه المسلمون عناءً شديداً أثناء أدائهم لصلاة الجمعة في وسط مدينة ميونيخ. فقد كان الزحام شديداً في حين كان المصلون يواجهون صعوبة عند الركوع والسجود والقيام، بحسب تقرير صحيفة Suddeutsche Zeitung الألمانية.

فضلاً عن ذلك، كان الكثيرون يشعرون بألم في الركبة والقدمين، حيث اضطروا للجلوس على الإسفلت في الطريق أو في ساحة مرآب للسيارات أو على الدرج. في الوقت ذاته، لم يتمكن الكثير من المؤمنين من الدخول إلى قاعة الصلاة.

أما بالنسبة لمركز منتدى ميونيخ للإسلام، فقد كان باب المسجد يغلق حتى قبل بداية صلاة الجمعة. وأمام المسجد، كان بعض المصلين يصرون على طرق الباب ومحاولة فتحه، في حين أصيبوا بصدمة بليغة حيث لم يصدقوا أن باب المسجد قد تم إغلاقه فعلاً.

في الوقت الراهن، لم يعد مسجد منتدى ميونيخ الإسلامي يستقبل المصلين، حيث يعد واحداً من بين خمسة مساجد قامت السلطات في جنوب مدينة ميونيخ بإغلاقها على خلفية الاكتظاظ والمخاوف بشأن سلامة المصلين. وفي هذا الصدد، أفاد مالك المبنى أن المكان لم يعد يستجيب لشروط السلامة المتعلقة بالحماية من الحرائق ولذلك صدر قرار بوقف استغلاله. ويعزى هذا الارتفاع الواضح في عدد المصلين إلى وصول أعداد كبيرة من اللاجئين إلى ألمانيا.

في الواقع، تشكو معظم المساحات المخصصة للصلاة في العديد من المدن الألمانية من الضيق والاكتظاظ. ففي مدينة بوتسدام على سبيل المثال، لم يعد مسجد الفاروق الذي تبلغ مساحته 120 متراً مربعاً قادراً على استيعاب أعداد المصلين، خاصة مع توافد العديد من اللاجئين. وإلى حدود العام الماضي كان حوالي 200 مصلٍّ يضطرون للجلوس على جانب الطريق قبالة المسجد.

وقد أثار هذا الأمر حفيظة بعض السكان. وقد استغل حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف هذا الوضع، حيث عمد إلى تغذية مشاعر الغضب في مدينة بوتسدام كما قام بإنشاء مركز للدعاية العنصرية قرب المسجد. وفي شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، قام مجهولون بوضع رأس خنزير أمام المسجد، وهو ما دفع أغلب سكان المدينة للتضامن مع الجالية الإسلامية.

وبعد مرور ستة أيام على هذا الاعتداء، تم تقديم حل مؤقت لمشكلة ضيق المساحة. فقد سمح للمسلمين بالصلاة في وسط النباتات الاستوائية، في ساحة منتزه فولك بارك. وفي الوقت الراهن، اضطر مجلس مدينة بوتسدام إلى دفع مبلغ 1500 يورو أسبوعياً حتى يتسنى للمسلمين أداء صلاة الجمعة في هذا المكان، نظراً لأن البلدية فشلت في توفير المساحة التي يحتاجها المصلون. وفي الأثناء، قامت ولاية براندنبورغ بتقديم مبلغ 30 ألف يورو لصالح السلطات في مدينة بوتسدام من أجل وضع حد لمعاناة المسلمين مع حلول فصل الصيف.


مسجدان فقط لـ150 ألف مسلم


تضم مدينة هامبورغ حوالي 150 ألف مسلم، في حين لا يوجد سوى 50 قاعة صلاة ومسجدين اثنين. وفي هذا السياق، أورد دانيال عابدين رئيس مجلس إدارة مسجد النور، أن الأوضاع في العديد من قاعات الصلاة غير مقبولة البتة. فقد اضطرت مجموعة من المسلمين لاتخاذ مرآب للسيارات تحت الأرض قاعة لتأدية الصلاة.

وخلال صلاة الجمعة يتوافد ما لا يقل عن 2500 شخص على المكان، مما يؤدي إلى حدوث حالة من الاكتظاظ الشديد، ويضطر المصلون لوضع حقائبهم وأحذيتهم في الشارع. وبما أن الكثير من الأفراد لجأوا للصلاة على جانبي الطريق قرب المسجد، اضطرت الشرطة بدورها لغلق الشارع أمام المارة، وهو ما دفع بعض السكان للتذمر.

وفي هذا الصدد، أوضح دانيال عابدين: "أصبحنا نخشى أن تأدية الصلاة في الشارع قد تتسبب لنا في مشاكل جديدة وتغذي مشاعر الخوف في قلوب البعض من الألمان".

من جهته، قام مجلس إدارة مسجد النور بشراء مبنى كان في السابق كنيسة بروتستانتية في مدينة هامبورغ، بعد أن ظل خالياً لعشر سنوات. في البداية، بادر مستثمر بشراء الكنيسة. وقد تكلفت إعادة تهيئتها 2,5 مليون يورو، تكفلت الكويت بتأمين 40 %، في حين تم جمع باقي المبلغ من التبرعات.

وفي سنة 2013، أخذ اليمينيون المتطرفون يثيرون المشاكل كما دعوا للتظاهر، ولكن لم يحضر إلا عدد قليل لمساندتهم لم يتجاوز 600 شخص. وفي هذا الإطار، أشار عابدين إلى أن "عملية تحويل هذه الكنيسة إلى مسجد تعتبر أمراً استثنائياً. في الواقع، لا يسعى المسلمون للاستحواذ على الكنائس أو السيطرة عليها، لأن البعض قد يسيء الظن ويشكك في نواياهم".

وفي الوقت الراهن، تمر أشغال تجديد المبنى ببعض الصعوبات بسبب تأخر تحصيل التبرعات. ومن المرتقب أن يتم افتتاح هذا المسجد الجديد في سنة 2018.



german mosque crowded


المسلمون يدفعون الضرائب ولديهم حقوق


من وجهة نظر خواكيم راينيغ، المهندس المعماري المتخصص في الكنائس في مدينة هامبورغ، "تقع مسؤولية هذه المشكلة على عاتق سلطات المدينة. ففي الحقيقة، يخوض المسلمون الباحثون عن مسجد معركة حادة وغير متكافئة مع المستثمرين الذين يبحثون عن مبان لأغراض سكنية أو تجارية".

يضيف راينيغ، "ومن هذا المنطلق، ينبغي على مجلس المدينة أن يتدخل ويقوم بتخصيص بعض المباني للأغراض الدينية، وإلا لن تتمكن البلدية من القيام بأي شيء. والجدير بالذكر أن السلطات مطالبة بمراعاة احتياجات كل المواطنين، والمسلمون في النهاية يدفعون الضرائب ولديهم حقوق".

في سنة 2013، قام هذا المهندس المعماري بمعاينة حوالي 42 مكاناً مخصصاً للصلاة في مدينة هامبورغ، في إطار دراسة مولها مجلس المدينة. وكانت النتيجة صادمة، يؤدي أغلب المسلمين الصلاة في الساحات الخلفية ومواقف السيارات تحت الأرض، وفي مبان حالتها مزرية وفي فضاءات تجارية ومنازل لبعض العائلات. وعلى الرغم من استغلال كل هذه الفضاءات، إلا أنها لا تزال غير قادرة على استيعاب العدد الكبير من المصلين.


الوضع لم يتغير منذ 15سنة


ومنذ سنة 2013، لم يتغير الوضع كثيراً، حيث أكد خواكيم راينيغ أنه وإثر دراسة طبيعة التصميم المعماري لمدينة هامبورغ على امتداد 15 سنة، لم يلاحظ بوادر حل لهذه المعضلة. وأوضح راينيغ أنه من الضروري بناء مساجد تكون في مواقع بارزة لتصبح جزء من واجهة المدينة. والجدير بالذكر أنه قد تم إلغاء مشروع بناء مسجد على إثر أحداث 11 أيلول/سبتمبر، على خلفية سحب التمويل.

من جانبه، يعتقد المحامي والباحث في الشؤون الإسلامية، ماتياس روها، أن المآذن ومساجد المسلمين يجب أن لا ينظر إليها على أنها تهديد، بل من واجب المدن والبلديات الوقوف في وجه المشاعر المعادية للإسلام التي يعمل اليمين المتطرف على تأجيجها.

وفي هذا الإطار، صرح روها أن "المسلمين في ألمانيا يشكلون جزءاً من المجتمع ويرغبون في التعريف بأنفسهم من خلال مسجد يكون واجهة بارزة، مما سيمنحهم فرصة التعبير عن انتمائهم للإسلام بشكل طبيعي".

في المقابل، ووفقاً لماتياس روها، ينبغي على المسلمين أيضاً المساهمة في إنشاء بنية تحتية خاصة بهم، حيث سيخالف مجلس المدينة قانون الحياد في حال قام بتمويل المساجد بشكل خاص. ولكن يمكن للمدن والبلديات دعم الأنشطة الاجتماعية والثقافية التي تحتضنها المساجد.

ومن أبرز الأحداث التي استأثرت باهتمام الرأي العام وتصدرت أعمدة الصحف في ألمانيا خلال العام الماضي، مبادرة دانيال زيمرمان، عمدة مدينة مانهايم الواقعة في ولاية شمال الراين وستفاليا، الذي قام بتخصيص مبلغ 900 ألف يورو لبناء مسجدين في المدينة. وقد برر زيمرمان هذا القرار قائلاً: "أريد أن يخرج المسلمون من الساحات الخلفية إلى الضوء".