الثقوب السوداء لا تنتج فقط من انهيار النجوم.. ثالث رصد لموجات الجاذبية يتوافق مع نظرية غريبة

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

يبدو أن موجات الجاذبية بدأت تكشف لنا عن طبيعة مختلفة للكون لم نكن نعرفها من قبل. فقد كشفت لنا ثالث عملية رصد لهذه الموجات عن معلومات جديدة تتعلق بطبيعة الثقوب السوداء وكيف أنها أجسام بسيطة، طبقاً لما أوضحته صحيفة الإندبندنت البريطانية.

ويعتقد العلماء أن هذا الرصد الأخير يُقدِّم أدلةً تتعلَّق باتجاهاتِ دورانِ الثقوب السوداء.

ففي حين يدور أي زوجٍ من الثقوب السوداء حول بعضهما باتجاه الداخل نحو التصادم مباشرةً، فإن كلاً منهما يدور حول محوره أيضاً.

وتشير الملاحظات الجديدة إلى أن هذا الدوران منحرف، مما قد يدل على أن زوج الثقوب السوداء ذاك لم يتكوَّن من انفجارِ نجمٍ ثنائي، وإنما من نجمين كون كل منهما ثقباً أسود مستقلاً، ثم تقاربا عشوائياً خلال عنقودٍ كثيف من النجوم الأولية.

وتمكَّن العلماء من رصد ثالث حالة تموجات، وهي تمدُّدات وانكماشات للفضاء، في نسيج الزمكان ناجمة عن اندماج كارثي لثقبين أسودين حدث قبل ثلاثة مليارات عام.

هذا الرصد الذي استُخدِمَ فيه جهاز مقياس تداخل موجات الجاذبية الليزري، المسمى "ليجو"، نتجت عنه ملاحظاتٌ مثيرةٌ للاهتمام تتعلَّق بطبيعة الثقوب السوداء، وربما المادة السوداء.

الأثر الخافت الذي التقطته معدات "ليجو"، في 4 يناير/كانون الثاني الماضي، قد يرجع إلى تصادمٍ عنيفٍ وقع قبل ثلاثة مليارات عام لثقبين أسودين تبلغ كتلة أحدهما 31 ضعف كتلة الشمس، بينما تبلغ كتلة الآخر 19 ضعف كتلتها. وقد نتج عن اندماجهما ثقب أسود جديد تبلغ كتلته أقل بقليل من 49 ضعف كتلة الشمس، أما باقي الكتلة فقد تحوَّل إلى طاقةٍ قُذِفَت، في صورة تشوُّهات (موجات)، خارج التصادم، وانتشرت عبر نسيج الزمكان على سطح بركة مياه.


الثقوب السوداء والمادة السوداء


المثير للاهتمام أن الملاحظات تتوافق مع أحد أغرب التفاسير حول طبيعة المادة السوداء، والذي يطرح أن هالات المادة السوداء التي رُصِدَت تحيط بالمجرات هي عبارة عن ثقوب سوداء صغيرة مبعثرة.

إن صحَّت النظرية، فهذا يعني أن تلك الثقوب السوداء لابد أن تكون قد تكوَّنت في وقتٍ مبكرٍ من عمر الكون، من مقاديرٍ مُبعثَرَةٍ من المادة، وليس من نجوم تنهار على نفسها، وهذا الرصد الأخير يكشف عن إمكانية وجود ثقوب سوداء متكونة من "حيزٍ من الكتلة" أصغر من المُتوقَّع من كتل النجوم، ما يتوافق مع النظرية. وعلى أية حال، فإن النظرية مازالت غريبةً بعض الشيء كما يقول بيري.

وبهذا الاكتشاف توضع نظرية آينشتاين أمام اختبارٍ مرةً أخرى، فالباحثون كانوا يترصدون تأثيراً يسمى التشتت، وهو ما يحدث للضوء حال انتقاله عبر وسط مادي، كالزجاج مثلاً، إذ تسافر موجات الضوء فيه بسرعات تختلف باختلاف الطول الموجي لها، هذا ما يجعل المنشور الزجاجي يُخرِج ألوان قوس قزح.

وترفض النظرية النسبية العامة لآينشتاين أن يحدث ذلك التأثير لموجات الجاذبية فيما تبث من مصدرها إلى الأرض، و"ليجو" لم يجد أثراً لهذا التأثير.

تقول لورا غادوناتي، من معهد جورجيا التقني والعالمة بالمشروع، لصحيفة الغارديان: "يبدو أن آينشتاين كان محقاً، حتى فيما يخص هذا الحدث، والذي يعد أبعد بمرتين عن الرصد الأول، نحن لم نستطع أن نجد أي انحراف عما توقعته النظرية النسبية العامة، وهذه المسافة الأكبر ساعدتنا في إعلان هذا التصريح بثقة أكبر".

وكان علماء "ليجو" قد قاموا برصدٍ تاريخي لموجات الجاذبية للمرة الأولى في سبتمبر/أيلول 2015، مستخدمين زوجاً من الأنابيب المتوازية البالغ طولها 4 كيلومترات، وُضِعَ أحدهما بمدينة هانفورد بولاية واشنطن، بينما وُضِعَ الآخر في بلدة ليفينغستون بولاية لويزيانا، بعد ذلك بثلاثة شهور كان الرصد الثاني.

وبهذا الرصد الثالث، يقترب العلماء من هدفهم المُتمثِّل في استخدام موجات الجاذبية كوسيلة لرصد أحداث قديمة لا يمكن رصدها باستخدام التليسكوبات البصرية أو الصوتية.

ويقول كريستوفر بيري من جامعة بيرمنجهام الإنكليزية، والباحث في المشروع: "نحن لسنا بصدد الكشف عن موجات الجاذبية فقط، إنما في الواقع نحن نمارس نوعاً جديداً من علم الفلك".

وتستطيع أجهزة الرصد تقصّي اضطراب يبلغ حجمه واحداً بالألف من قطر البروتون في شعاع الليزر المُرسل عبر أنابيب "ليجو"، بل ويمكنها أيضاً إعادة تخليق ديناميكية التصادم.

نُشِرَ البحثُ في مجلة Physical Review Letters.