"الوزيعة".. عادةٌ أمازيغية جزائرية تعود في رمضان

تم النشر: تم التحديث:
S
http://www.altahrironline.com الصورة مصدرها موقع | s

سجلت عادة "الوزيعة"، التي تجسد التكافل الاجتماعي، عودة قوية مع حلول شهر رمضان بمحافظات يقطنها أمازيغ الجزائر خاصة منطقة القبائل شرق العاصمة.

وتعتبر "الوزيعة" أو "ثيمشراط" (وفق الأمازيغية)، تقليداً اجتماعياً تشتهر به منطقة القبائل الكبرى والصغرى التي تضم محافظات شرق العاصمة الجزائر، وبينها "تيزي وزو"، "بجاية"، "سطيف"، "برج بوعريريج"، منطقة الأوراس بشرق البلاد، و"بني منيزاب" بالجنوب.

وتنظم "الوزيعة" في الأعياد الدينية مثل "عيد الفطر"، "عاشوراء" (العاشر من محرم)، "المولد النبوي الشريف"، "شهر رمضان" وأحياناً في رأس السنة الأمازيغية، التي تصادف 12 يناير/كانون الثاني من كل عام، وغيرها من المناسبات الدينية والوطنية.

ومع حلول شهر رمضان هذه السنة عادت "الوزيعة" إلى الواجهة بعدة مناطق، كما تنقل وسائل إعلام محلية يومياً، من أجل إعانة الفقراء ومحدودي الدخل على تحمل نفقات هذا الشهر.

العادة يقوم خلالها أعيان وكبار المنطقة بجمع مبلغ من المال، بمشاركة الجميع من خلال مساهمة تكون محددة مسبقاً لكل عائلة، ليتم شراء بقرة أو ثور أو أكثر (سعر الواحدة ألف دولار في المتوسط)، ويتم نحرها وتوزيع لحومها على كل الأسر بالتساوي، مع تخصيص حصص إضافية للعائلات الفقيرة التي لم تتمكن من المساهمة بالمال.

وتبدأ العملية بتسجيل الراغبين في الاشتراك، وهم عادة كل عائلات القرية، وبحسب القائمة يحدد عدد الرؤوس التي يتعين نحرها وقيمة اشتراك كل عائلة، وكلما زاد العدد كانت القيمة أقل.

وبعد جمع المال من المشتركين، تتوجه مجموعة خبراء بشؤون الماشية إلى السوق لشراء الثيران أو الأبقار، ويجتمع السكان في انتظار عودتهم في أجواء احتفالية بهيجة يشارك فيها الصغار والكبار على السواء.

كما تتم عملية النحر في احتفالية تحضرها نساء القرية، وبمشاركة جمع كبير من السكان، ليجلس بعدها الجميع في حلقة واسعة يجري وسطها توزيع اللحوم.

وتوضع قطع اللحم واحدة واحدة ومصطفة بدقّة، حتى تشكل أكواماً بعدد العائلات المعنية، كما يمكن للعائلات كثيرة العدد مضاعفة حصصها بمضاعفة الاشتراك.

يقول "العربي غزالي"، أربعيني ويقطن بمحافظة تيزي وزو، إنّ "الوزيعة" ترمز إلى الثقافة الجزائرية الأمازيغية، وتقليد له طعم خاص يجعل الشخص يشعرُ بالمحبة والإخاء مع أفراد قريته.

ويضيف، للأناضول،: "أعمل خارج محافظة (تيزي وزو)، التي أسكن فيها، لكن أحرص دائماً على حضور (الوزيعة)، التي يقيمها أهل قريتي في مناسبات مثل عاشوراء، المولد النبوي الشريف"، ورمضان".

ويشير العربيفي إلى أنّ ثمة أموراً تغيرت بهذا الخصوص نتيجة تغير عقليات الناس وذهنياتهم، لذلك يخشى أن تندثر تلك العادة يوماً ماً.

وتحدثت وسائل إعلام محلية عن تراجع تلك العادة بشكل ملحوظ خلال السنوات الماضية، قبل أن تعود هذا العام بقوة، مع ارتفاع الأسعار، والحاجة إلى التلاحم الاجتماعي.

ودعا أهل قريته والفاعلين في مجال التراث إلى "حماية هذه الوليمة من الضياع والحفاظ على عادات وتقاليد منطقة القبائل المتنوعة".

** تقليد للحفاظ على تماسك المجتمع

ويقول "هلال يحي"، المتخصص في التاريخ والتراث الجزائري،: "الوزيعة" تقليد عريق وعادة حميدة متوارثة أباً عن جد في محافظته البويرة (شرق الجزائر) وكافة منطقة القبائل.

ويشير إلى أن "الوزيعة" تنتشر في منطقتة (البويرة) بصورة كبيرة، وهدفها لمّ شمل أهالي القرى والسكان بصفة عامة تحت مظلة الأخوة والوحدة.

ويضيف "يحي"، في حديث للأناضول، أن "الوزيعة" بقدر ما هي عادة متوارثة، فهي تعتبر عملية اجتماعية تضامنية وتعاطفية بين سكان القرية الواحدة.

ويشير إلى أن جميع السكان يستفيدون من الذبيحة لتكون الوليمة والفرحة في كل بيت وفي ليلة واحدة سواء في رمضان أو في مناسبة دينية أخرى.

كما يلفت المتخصص في التراث الجزائري إلى أنّ تنظيم الوزيعة يشهد بعض الاستثناءات كاللجوء إليها في المواسم الفلاحية تقرباً إلى الله بهدف طلب نزول الغيث.

وكذلك قد يلجأ إليها السكان سعياً إلى خلق جو إنساني أخوي وعائلي، فيقومون بشراء الذبائح لتوزع على العائلات، وقد يتولى سداد قيمة الذبائح أحد المتبرعين أو المساهمين تقرباً إلى الله.

و"الأمازيغ" هم مجموعة تسكن المنطقة الممتدة من واحة سيوة (غربي مصر) شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، ومن البحر الأبيض المتوسط شمالاً إلى الصحراء الكبرى.