تحت شعار "أنتم مافيا ولستم حكومة".. الريف المغربي يعود للتظاهر من جديد ضد سياسة الرباط

تم النشر: تم التحديث:
B
ب

بعد مرور 6 أشهر على انطلاق الاحتجاجات في الحسيمة، بعد وفاة بائع السمك محسن فكري، ثار الريف مجدداً ضد حكومة الرباط والقصر الملكي يوم الخميس الماضي. وأمام هذه التطورات أرسلت المملكة المغربية تعزيزات كبيرة من شرطة مكافحة الشغب وعناصر الجيش.

وعلى إثر هذه الأحداث، قدرت السلطات عدد المحتجين المتظاهرين في الشوارع بحوالي 3500 شخص. في المقابل، أعلنت العديد من المنظمات أن هذا العدد أكبر بكثير إذ يقدر بحوالي 70 ألف متظاهر.

بدأت مظاهرات الأمس بإضراب عام في منطقة الحسيمة. وفي مرحلة متقدمة دعا زعيم الحركات الاحتجاجية في المغرب، ناصر الزفزافي، يوم الاثنين إلى إقامة إضراب عام فضلاً عن مظاهرات حاشدة في الحسيمة. وقد جاءت هذه الدعوة رداً على بيان الحكومة المتكوّنة من ائتلاف 6 أحزاب، وصف فيه الذين يدعون إلى تنظيم احتجاجات للمطالبة بحقوقهم بـ"الانفصاليّين"، وفق ما ذكرت تقرير لصحيفة elconfidencial الإسبانية.

وفي هذا الصدد، أطلقت التشكيلات المكونة للحكومة المغربية برئاسة الحزب الإسلامي، حزب العدالة والتنمية، عبارات حادة تجاه المتظاهرين في المغرب، معتبرة أنهم "تعدوا الخطوط الحمراء". كما اعتبرت الحكومة المغربية أن مطالب المحتجين ذات طابع "انفصالي" وأن جهات خارجية هي التي تحرك وتأجج هذه التحركات.

من جهته، أجاب الزفزافي عن هذه الاتهامات على طريقته الخاصة، ودعا في اليوم الموالي إلى المشاركة في إضراب عام، واحتجاجات لم يسبق لها مثيل في البلاد.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاحتجاجات الأخيرة تضاف إلى سلسلة التحركات الشعبية التي لم يهدأ لها ساكن في الحسيمة منذ وفاة بائع السمك محسن فكري بطريقة بشعة على يد القوات المغربية. وفي الحقيقة، توفي فكري داخل شاحنة نفايات عندما كان يحاول استرجاع السلع التي صودرت منه.

وفي وقت لاحق، نأت عائلة محسن فكري بنفسها عن الاحتجاجات وقالت إنها تثق بعدالة القضاء. وقد أصدرت إحدى المحاكم المغربية أحكاماً بالسجن تتراوح ما بين 5 و8 أشهر على 7 أشخاص متورطين في القضية، وفق ما ذكر تقرير سابق لهاف بوست عربي.

أما الآن، فقد بات الحكم، الذي لم يشف غليل الناشطين في الحسيمة، موضوعاً ثانوياً للمطالبات الشعبية. وعلى وجه الخصوص، يطالب منظمو الاحتجاجات مؤخراً بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في هذه المنطقة المهمشة.

وخلال حوار صحيفة "البايس" الإسبانية مع أحد الناشطين، كشف الريفي الذي لم يرد الإفصاح عن هويته أن "السكان يطالبون الحكومة المغربية منذ سنة ونصف ببناء مستشفى مختص في علاج أمراض السرطان، وبناء مؤسسة جامعية، إلى جانب إلغاء مرسوم سنة 1958 الذي يصنف الحسيمة كمنطقة عسكرية". وواصل الناشط قائلاً: "لقد استجابت حكومة الرباط لمطالب المحتجين عبر إرسال آلاف الجنود إلى الحسيمة".


"أنتم مافيا، ولستم حكومة"


في الأثناء، بدأ المتظاهرون يحتجون في الحسيمة منادين بشعار "أنتم مافيا، ولستم حكومة". وذكر نفس الناشط أن "هذه العبارات هي نفسها، التي كانت بمثابة شعار لقائدهم الريفي، عبدالكريم، عندما اتهم حكومة الرباط بأنها مافيا". وأضاف الناشط متسائلاً: "كيف للحكومة أن تتهمنا بأننا انفصاليون دون أن يكون لها أدلة قاطعة حول هذا الأمر؟".

من جهة أخرى، يتمثل الدافع الأساسي لهذه الاحتجاجات المتعاقبة على منطقة الحسيمة الواقعة في قلب الريف المغربي، في التهميش الذي سئم السكان من استفحاله في منطقتهم. وقد لاقى الإضراب العام الذي سبق هذه الاحتجاجات دعماً واسعاً من سكان هذه المنطقة الساحلية والجبلية في شمال المغرب، التي يستقر فيها 10% من ريفيّي البلاد.

بالإضافة إلى ذلك، أجج استياء الريف المغربي المتنامي على نحو متزايد منذ أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تصريحات الحكومة المغربية. وفي التصريحات التي أصدرتها حكومة الرباط، اتُّهمت حركات الريف الاحتجاجية "بتعزيز الأفكار التي تقوض أمن المنطقة وتزرع الفتنة فيها".

علاوة على ذلك، اعتبرت الرباط أن الذين يقفون وراء هذه الاحتجاجات "يستغلون مطالب سكان الحسيمة ويوظّفونها من أجل تعزيز النزعة الانفصالية والإساءة إلى الوحدة الترابية للمملكة المغربية". وفي ختام البيان الحكومي نوّهت عديد العبارات بأن "عناصر أجنبية" هي المسؤولة على التحريض على هذه الاحتجاجات.

من جهته، اعتبر الزعيم الذي يتمتع بكاريزما عالية، ناصر الزفزافي، الذي برزت صورته في المغرب منذ 7 أشهر تقريباً، أن بيان الحكومة المغربية عمد إلى "استفزاز" سكان منطقة الريف. وفي مقطع فيديو نشره الناشط على فيسبوك، قال الزفزافي: "نحن لسنا انفصاليين. نحن لدينا مطالب مشروعة".

وعلى العموم، تعد جميع مطالب الريف ذات طابع اجتماعي. في المقابل، تنادي هذه المطالب أيضاً بإلغاء الظهير الملكي، الذي أبرم سنة 1958، الذي يقضي بعسْكرة منطقة الريف. كما يساعد هذا المرسوم الحكومة المغربية وجيشها على خنق الانتفاضة والتمرد في منطقة الريف على إثر خروج المستعمر الإسباني منها.

من جانب آخر، وعلى الرغم من تصريح الزفزافي الذي يفيد بأن هذه الاحتجاجات لا تدعو إلى الانفصال، وأن قادتها ليسوا انفصاليين، فإنه لم يلاحظ خلال المواكب والاجتماعات التي يرأسها أي وجود للعلم المغربي.

وفي المقابل، لُوحظ في بعض الاجتماعات وجود علم إسباني، إلى جانب انتشار اللافتات التي كتبت عليها شعارات أمازيغية. بالإضافة إلى ذلك، رفرفت خلال هذا اللقاء بقيادة الزفزافي الأعلام الحمراء والبيضاء التي يزينها هلال في الوسط. وفي واقع الأمر، يعود هذا العلم إلى فترة جمهورية الريف (1921-1926)، برئاسة عبدالكريم الخطابي.

ولم تجد تصريحات الأحزاب السياسية المغربية، "ربما التائبة"، أي صدى رغم اعترافها بمدى شرعية الاحتجاجات في الريف. بالإضافة إلى ذلك، لم تُهدئ هذه النصوص التي نشرتها جهات مختلفة، من غضب المحتجين الذين نزلوا إلى الشوارع، بأعداد غفيرة لم يسبق لها مثيل في البلاد والتي تنامت وتيرتها منذ حادثة مقتل بائع السمك في الريف.

من جهة أخرى، كشف البيان الضاري وحاد اللهجة عن الانشقاقات فضلاً عن عدم التوافق الذي يجمع بين قوى الحكومة المغربي، حيث يظهر ذلك بمجرد اتخاذ قرارات تتطلب التصويت بالإجماع. وفي الواقع، لا يزال هذا الشبح يلاحق الحكومة الجديدة بقيادة حزب العدالة والتنمية الإسلامي، نظرياً. وقد تجلى ذلك من خلال تنديد بعض العناصر المكونة للحكومة الجديدة، على رأسهم نبيل أندلسي، النائب الإسلامي عن منطقة الحسيمة، بالقرارات الحكومية الأخيرة.


إحياء شرارة المطالب


وانطلاقاً من مقعده في البرلمان، أكد نبيل أندلسي أن "هذا النهج القمعي لن يحل المشكلة الحالية، بل على العكس، سيزيد الأمر سوءاً". كما علقت نائبة رئيس مجلس النواب المغربي، أمينة ماء العينين، على حسابها على فيسبوك أن هذه القرارات ستُسهم في "إحياء" شرارة المطالب والاحتجاجات في منطقة الريف.

ومن الواضح أن القطرة التي أفاضت الكأس وأجّجت غضب الريفيين، هي إرسال الحكومة لعدد مهول من شرطة مكافحة الشغب والدرك وجنود القوات المسلحة الملكية إلى محافظة الحسيمة. وباستثناء الصحراء الغربية، تعد هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها المغرب الجيش للحفاظ على النظام في أحد مدنها، منذ أحداث سبتة ومليلة التي جدّت خلال سنة 2005.

في هذا السياق، أكد ناشطون ريفيون أن السلطات المغربية نشرت مؤخراً حوالي 25 ألف عنصر من قوات الأمن في المنطقة، أي بمعدل جندي لكل 12 مواطناً بالغاً. ويعد هذا الرقم ضخماً للغاية ومن دون مبرر، إذ إنه لم تسجل الاحتجاجات المطالبة بالحد من التهميش إلى حد الآن أية حوادث.

من جهة أخرى، وعلى الرغم من صعوبة التأكد من هذه الأرقام، فإن هناك بيانات تشد الانتباه في الأيام القليلة الماضية. ومن بين هذه المعطيات نذكر أن السلطات المغربية عمدت إلى تركيز مخيمات في أحياء مناطق الريفية على غرار ميرادور، أو صباديا. كما تم تثبيت مركبات مستشفيات عسكرية على مشارف الحسيمة.

ولاقى استعراض القوة العسكرية والأمنية في هذه الأيام الأخيرة انتقاداً من قبل حتى اثنين من الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي، وهي حزب العدالة والتنمية الإسلامي، والحزب الاشتراكي المعارض.

ولم تحاول قوات الأمن منع الإضراب، بل عمدت إلى منع سكان قرى منطقة الريف من الوصول إلى العاصمة، الحسيمة، للمشاركة في المظاهرات المقررة في مساء يوم الأمس. وفي الحواجز الأمنية التي نصبت على الطرقات، أجبرت القوات الأمنية المتساكنين على العودة إلى الوراء. في المقابل، لم تمنعهم هذه الإجراءات من الالتحاق بالمظاهرات، إذ اختار البعض الآخر سلك طرق ريفية فرعية بغية الوصول إلى العاصمة.

وفي هذا السياق، لم توضح وزارة الداخلية أسباب هذا العرض العسكري المثير للإعجاب. لكن، كشف عبدالله بوصوف، الذي يرأس هيئة حكومية (مجلس الجالية المغربية بالخارج) ويحمل رتبة وزير، الأسباب التي تقف وراء انتشار قوات الأمن في الحسيمة لوسائل إعلام أجنبية.

وفي تصريح له على قناة "فرانس 24" يوم الأربعاء الماضي، برّر المسؤول الحكومي وجود هذا العدد الكبير من القوات النظامية في الحسيمة "بوقوع هذه المنطقة بين المدينتين المحتلتين سبتة ومليلة". كما اعتبر أن هذه الإجراءات "أمر عادي للغاية". في المقابل، أشعلت هذه العبارات موجة من التهكم والاستهزاء على مواقع التواصل الاجتماعي.


نقلة نوعية في النضال


من جانب آخر، قرر الريفيون إحداث نقلة نوعية في نضالهم. وبادر الشباب الريفي بقيادة العديد من الخطوات من أجل حشد دعم دولي لمطالبهم. وفي هذا السياق، أكد بيير فيرميرن، أستاذ التاريخ المغاربي في باريس، أنه "يعيش داخل الأراضي الريفية حوالي مليوني شخص من أصول ريفية".

وتجدر الإشارة إلى أن شباب الريف المغربي قد أنشأ في أوروبا حوالي 20 لجنة لدعم حركة الريف المغربي. بالإضافة إلى ذلك، كشف أحد الريفيين المقيمين في إسبانيا أنه سيجْتمع بعدد منهم خلال نهاية هذا الأسبوع في العاصمة الإسبانية، مدريد، من أجل "مناقشة سبل دعم نضال إخوانهم الريفيين، انطلاقاً من البلدان الأوروبية التي يقيمون فيها".

وبالتزامن مع ذلك، سينظم الريفيون المقيمون في أوروبا احتجاجات أمام قنصليات وسفارات المغرب في 8 بلدان أوروبية.

بالإضافة إلى ذلك، يحاول الناشطون الريفيون في إسبانيا إقامة علاقات مع العديد من القوى السياسية في البلاد من أجل التعريف بمطالبهم في الريف المغربي، التي لطالما قوبلت بالرفض والصدّ من قبل حكومة الرباط.

علاوة على ذلك ترغب هذه المجموعة في الحصول على الدعم السياسي والدبلوماسي، على غرار ذلك الذي تحظى به جبهة البوليساريو التي تنادي باستقلال الصحراء الغربية عن المغرب.

وحتى هذا الوقت، أظهر حزب "ترشيح الوحدة الشعبية" الإسباني تعاطفه مع قضية القوميين الريفيين، أكثر من أي تشكيل سياسي آخر في إسبانيا. وفي كثير من المناسبات، رافق عدد من قادة هذا الحزب الريفيين في تجمعاتهم أمام قنصلية المغرب في برشلونة. كما قاموا بالتعريف بتحرّكاتهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه ستشارك منسقة اللجنة الكتالونية لمساندة الريف، أسماء أوتاه، يوم السبت القادم في تظاهرة ينظمها الانفصاليون الكتلان.