"وول ستريت جورنال": القاهرة والرياض تتخطيان خلافاتهما قُبيل زيارة ترامب ولا يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر

تم النشر: تم التحديث:
SAUDI EGYPT
Faisal Nasser / Reuters

تشهد العلاقات المصرية-السعودية تقلبات مستمرة منذ تنحي الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك عام 2011، فبين الفترة والأخرى تصل العلاقات بينهما إلى حد كبير لا يمكن تغافله من التوتر وبعدها تعود حالة الهدوء مرة أخرى، والأشهر الماضية كانت خير دليل على ذلك.

ففي أواخر العام الماضي، توترت العلاقات بين القاهرة والرياض بشكل كبير؛ بسبب مواقف أغضبت الرياض من القاهرة؛ منها ما هو متعلق بالسعودية مباشرة أو بموقفها من قضايا إقليمية

وتقول صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية: "من وقتٍ لآخر، تتفجر هذه التوترات لتخرج إلى العلن. لكن لهذه الخلافات حدودٌ لا تتجاوزها: فمهما كان حجم الإحباط المتبادل، لا تستطيع أكثر بلدان العالم العربي اكتظاظاً بالسكان، مصر، وأقوى دولةٍ عربية من الناحية الاقتصادية، السعودية، أن يتحمَّلا تكاليف عدم التكاتف فيما بينهما".

وبدأت آخر دورات الخلاف، تلك التي أعقبتها مصالحةٌ في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، عندما دعمت مصر -وحدها من بين الدول الإسلامية الأعضاء في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة- مشروع قرارٍ مقترحٍ برعايةٍ روسيةٍ لحل الأزمة السورية. وهو الأمر الذي أغضب المملكة العربية السعودية، التي تدعم المعارضة السورية المستهدفة من قِبل الضربات الجوية الروسية.

وكان مشروع القرار الروسي يدعو إلى الاسترشاد بالاتفاق الأميركي-الروسي لإيصال المساعدات إلى المناطق المحاصرة، ويحث الأطراف على وقف الأعمال العدائية فوراً، وتأكيد التحقق من فصل قوات المعارضة السورية المعتدلة عن "جبهة فتح الشام" (النصرة سابقاً) كأولوية رئيسية.
لكن هذا الموقف ازعج السعودية التي تدعم المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري.

وتراجعت التوترات في الأسابيع الأخيرة، في الوقت الذي تودَّد فيه دونالد ترامب للقاهرة والرياض. وتسعى حكومة ترامب لتشكيل ائتلافٍ جديد مع الدول العربية المعتدلة المعادية لإيران والمستعدة للتعاون مع إسرائيل، ويعتمد هذا التحالف بشكلٍ رئيس على التحالف بين السعودية ومصر.

ويبدأ ترامب رحلته الخارجية الأولى كرئيسٍ للولايات المتحدة بقمة الدول العربية والإسلامية التي تجري نهاية هذا الأسبوع ويستضيفها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود في الرياض، ويحضرها أيضاً الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وعدد من القادة العرب والمسلمين.

ومنذ شهورٍ قليلة، انقطع التواصل بين مصر والسعودية بشكلٍ شبه كامل. وكانت الرياض قد منحت شريان الحياة المالي للسيسي بعد إطاحته بالرئيس محمد مرسي، المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، عام 2013. لكن في المقابل، لم تشارك مصر السعوديين عداءهم للنظام السوري، ولم تقدم سوى دعمٍ فاترٍ لحرب السعودية ضد الميليشيات المؤيدة لإيران في اليمن. وبعد تصويت مصر في الأمم المتحدة، أوضحت الرياض استياءها بتعليق إمدادات النفط المُدعَّمة لمصر، بحسب وول ستريت جورنال.

وفي يناير/كانون الثاني، وسط تفاقم الأزمة، حكمت محكمةٌ مصريةٌ بوقف صفقةٍ وافق بموجبها السيسي على نقل ملكية جزيرتي تيران وصنافير غير المأهولتين إلى السيطرة السعودية.

وشكك المسؤولون السعوديون في قيام المحكمة باتخاذ مثل هذا الإجراء دون موافقةٍ ضمنيةٍ من السيسي، واستمرت العلاقات المصرية-السعودية في التدهور منذ ذلك الحين إلى أن اتفق الرئيس المصري والملك سلمان بن عبد العزيز أخيراً خلال قمةٍ للجامعة العربية بالأردن في مارس/آذار. وعادت بعدها إمدادات الوقود من جديد، وتلقى السيسي ترحيباً حارّاً خلال زيارته للرياض الشهر الماضي (أبريل/نيسان)، بحسب ما ذكره وزير البترول المصري طارق الملا.

وفي الوقت الذي استُنزِفَت فيه سوريا وليبيا واليمن والعراق تحت وطأة الحروب، يرى نبيل فهمي، الذي شغل منصب وزير الخارجية في حكومة السيسي 2013-2014، لصحيفة وول ستريت جورنال، أنَّ الخلاف بين القاهرة والرياض يُعَد ترفاً لا يُمكن للبلدين تحمّله.

وأضاف فهمي، الذي يعمل حالياً أستاذاً في الجامعة الأميركية بالقاهرة: "سيكون هناك نقاط اتفاقٍ ونقاط اختلاف، لكنَّنا بحاجةٍ إلى إدارتها من كلا الجانبين؛ إذ إنَّ هناك خطراً يتمثل في انهيار منظومة الدول القومية العربية بالكامل، وهو ما سيكون له عواقبٌ وخيمةٌ على الجميع. وهو خطرٌ أكبر كثيراً من مجرد اختلافٍ في وجهات النظر حول بعض الجُزر".

ووافق السيسي العام الماضي على أنَّ ملكية الجزيرتين –تيران وصنافير اللتين تقعان عند رأس مضيق تيران الذي يحرس المدخل البحري المؤدي إلى موانئ إسرائيل والأردن- تعود للمملكة العربية السعودية. وبموجب اتفاقٍ جرى توقيعه بين البلدين عام 1950، سمحت المملكة العربية السعودية لمصر –التي كانت آنذاك تُعَد قوةً عسكريةً أكثر قوة- بتولّي السيطرة على الجزيرتين كجزءٍ من المواجهة مع إسرائيل.

لكنَّ هذه الحقيقة لم تكن معروفةً على نطاقٍ واسع في مصر، ولذا أثار قرار نقل ملكية الجزيرتين غضباً شعبياً وتظاهراتٍ نادرة الحدوث في الشارع ضد السيسي.

وقال عضو مجلس النواب السابق أنور السادات، ابن شقيق الرئيس المصري الراحل وأحد منتقدي الحكومة: "لا يهمني ما إذا كانت الجزر مملوكة لمصر أو السعودية، لكنَّ الطريقة التي قُدم بها القرار للعامة كانت خاطئة. وهو ما أصاب الناس بنوعٍ من الصدمة؛ إذ يعتقد المصريون تاريخياً أنَّ هذه الجزر هي جزءٌ من أرضنا".

ودعم هذه الاحتجاجات شعورٌ –يتشاركه العديد من المصريين- بأنَّ مصر، التي كانت يوماً زعيمة العالم العربي دون منازعٍ، خسرت مكانتها لصالح المملكة العربية السعودية. وبينما يخوض قرار الجزيرتين طريقه بين المحاكم المصرية والبرلمان، يرى المسؤولون في القاهرة أنَّ التسليم الفعلي للجزيرتين لن يحدث قريباً؛ لأنَّ السيسي لا يرغب في إشعال المزيد من التظاهرات في خضم الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد.

وفي الرياض، يُفضل المسؤولون عدم مناقشة هذه التفصيلة الصغيرة أمام الرأي العام. لكنَّ صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي ولي عهد المملكة، صرَّح خلال لقاءٍ تلفزيونيٍ نادرٍ مع قناة العربية مع الإعلامي تركي الدخيل، بأنَّه لا يساوره أي شكٍ في حل مسألة الجزيرتين في الوقت المناسب قبيل بدء السعودية في تنفيذ أحد مشروعات البنية التحتية الضخمة في المملكة– جسر الملك سلمان، الذي سيربط بين مصر والسعودية ويمر عبر الجزيرتين المتنازع عليهما والذي من المقرر البدء فيه عام 2020.

وأضاف أنَّ إيران والإخوان المسلمين فقط هم من لهم مصلحةٌ في إثارة الخلافات بين القاهرة والرياض. وقال: "العلاقات السعودية-المصرية صلبة وقوية ولا تتأثر بأي شكلٍ من الأشكال. وتاريخياً، مصر والسعودية دائماً ما يقف بعضهما مع بعض في كل الظروف والأوقات، ولن يتغير هذا الشيء".

وحذَّر عبد المنعم أبو الفتوح، السياسي الإسلامي الذي ترشَّح في الانتخابات الرئاسية عام 2012: "ستكشف لنا الشهور القليلة المقبلة إلى أي مدى سيظل الوضع على ما هو عليه، طالما بقيت مواطن الخلافات الرئيسية دون حل –وتحديداً قضية الجزيرتين ومطالبة السعودية بدورٍ أكبر لمصر في حرب اليمن. أسباب النزاع ما زالت قائمة؛ لذلك فإن التقارب الحالي ليس مبنياً على أسسٍ متينة".