"إحنا بتوع التعداد".. عشرات الآلاف من الشباب في إحصاء "مصر 2017" لماذا يتهمون الحكومة بالخداع؟

تم النشر: تم التحديث:
EGYPT
huffpostarabi

البيت رقم 198 أمام زقاق عبد الظاهر بمنطقة الجمالية، إلى الغرب من مسجد الإمام الحسين. مدخل مظلم قليلاً، وسُلّم قديم تصعده إسراء، مسلحة ببطاقة تثبت أنها أحد العاملين بمشروع تعداد سكان مصر 2017.

دقت إسراء محمد الباب، وهي تشعر بالقلق الخفيف كما يحدث في كل مرة تقف فيها أمام الأبواب المجهولة؛ لتجمع المعلومات عن المصريين وبيوتهم.

تردّ سيدة مسنّة من شباك متهالك: نعم. إجابة إسراء تأتي سريعة: "إحنا بتوع التعداد".

نزلت السيدة بخطوات مثقَلة على سلالم متهالكة لا تسع سوى لفرد واحد وجلست على إحدى درجات السلم بملابس بيتية صيفية. ابتسمت وقالت: "مش جيتوا مرة قبل كدا، جايين تاني ليه؟!". ردت إسراء: "المرة الأولى سألتك عن اسمك واسم جوزك، المرة دي هسألك شوية أسئلة تانية عن البيت".

جلست إسراء على درجة سلم أسفل السيدة. كانت تشبّك شعرها الأحمر القصير بمشبك للرأس، وترتدي حذاءً رياضياً. أخرجت الجهاز اللوحي (التابلت) من حقيبتها "المارون" الكبيرة.

فتحت إسراء التابلت الذي تسلّمته عهدة من الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء؛ لتدوين بيانات السكان عليه. ظهر على الشاشة برنامج التشغيل الذي يضم مجموعات من الأسئلة بالأحمر والأصفر والأخضر، تخص المراحل الثلاث لجمع بيانات التعداد. بدأت بتدوين اسم وسن صاحب المنزل وعدد القاطنين به، ثم سألت عن الدخل الشهري، وأنواع الأدوات المنزلية الموجودة، "ثلاجة، غسالة أوتوماتيك مثلاً".

ضحكت السيدة من قلبها: "أوتوماتيك ايه اللي عندي؟! ده أنا أصلاً ما عنديش غسالة عادية، والتلفزيون خربان". قالت إسراء: "بالراحة يا حاجة علشان التابلت لسه بيحمّل، مش ملاحقة أسجل الإجابة".

تباغتها إسراء بسؤال عن قيمة أجرة البيت، وترد السيدة: "بس ما تقوليش بيت، هما غرفتين وأدفع 50 جنيهاً بالعافية فيهم".

استغرق تسجيل بيانات السيدة نحو 15 دقيقة، غادرت إسراء بعدها لتطرق باباً آخر.


عندما نبحث عن عمل مضمون في الحكومة


"الجهاز أعلن عن حاجته لباحثين ومعاونين للمشاركة في التعداد السكاني بأجر شهري 2000 جنيه، لكن الحقيقة غير ذلك".

حصلت إسراء التي انضمت إلى العاملين في التعداد السكاني منذ شهر يناير/كانون الثاني الماضي على مرتب 850 جنيهاً أول شهر، ثم في فبراير/شباط ومارس/آذار 2000 جنيه، وحتى الآن لم تحصل على مرتب شهر أبريل/نيسان الماضي والمقرر أن يكون 1260 جنيهاً، بدلاً من 2000 جنيه، وفقاً لمنشور وصل إليهم من الجهاز.

رئيس قطاع الإحصاءات السكانية بالجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء آمال نور الدين، أكدت أن ربط الراتب بحصيلة معينة من المعلومات هو النتيجة الحتمية لتكاسل فريق العمل. وأضافت لـ"هاف بوست عربي"، أن "من يريد الحصول على أجره الشهري كاملاً عليه أن يحقق المستهدف منه وهو جمع بيانات 18 أسرة يومياً على الأقل".

لماذا يغضب "شباب التعداد" من شرط الوصول إلى حد أدنى من العمل يومياً؟ ولماذا يخافون من ربط الأجر بالإنتاج؟


عندما نعمل 14 ساعة متواصلة كل يوم


أحد زملاء إسراء رفع قبل أيام شكوى باسم شباب العاملين في تعداد مصر 2017، على موقع يوتيوب؛ بسبب ربط الأجر بالإنتاج.

مصطفى الجزار، (26 سنة)، معاون بالتعداد السكاني من محافظة المنيا، يردّ بأن الجهاز في إعلانه عن حاجته لشباب للعمل في التعداد السكاني "لم يذكر أنه سيحاسبنا على عدد الأسر التي سنُدخلها، ولكن سيكون أجرنا الثابت 2000 جنيه".

مصطفى الذي قدم الفيديو السابق بصوته، حاصل على ليسانس آداب المنيا (قسم إذاعة وتلفزيون)، وعمل بأحد المنتجعات السياحية بالغردقة، قبل أن ينضم إلى التعداد منذ بداية أبريل/نيسان الماضي، على وعد بالحصول على أكثر من 2000 جنيه.

"كان قراراً خاطئاً مني، ظننت أن الحكومة قد تتعاقد معنا بشكل ثابت فيما بعد، لكن الحقيقة أنها لا تعطينا أجورنا"، كما يقول مصطفى، الذي عرف أن الحصول على المبلغ السابق يعني جمع المعلومات عن 25 أسرة يومياً. جرَّبها مصطفى مرة واحدة فقط، وعمل على مدار 14 ساعة كاملة تمكن خلالها من إدخال بيانات 30 أسرة فقط، "وهو رقم قليل جداً مقارنة بعدد الساعات التي قضيتها"، وفقاً لقوله.


عندما يتوقف "التابلت" عن العمل فجأة


الأجور ليست المشكلة الوحيدة، شباب التعداد يعاني أيضاً بطء جهاز التابلت عند إدخال البيانات، وتوقفه أحياناً. هكذا يشرح معاون باحث في التعداد حالة التابلت الذي تسلمه من جهاز الإحصاء، ووقع من أجله إقراراً بذلك عبر فيديو على فيسبوك.

ليس فقط العائد المالي القليل ومشكلات التابلت. إسراء خافت أن تصعد لأحد سكان البيت قبل أن تغادره، "أصله مش مضبوط شوية وأنا مش هطلع له البيت". هذه "المضايقات" مشكلة إضافية تعانيها بنات وسيدات يشاركن في التعداد.


عندما نشعر بالخديعة ونشكو على فيسبوك


إسراء ومصطفى يعملان في فريق يضم 40 ألف شاب وشابة على امتداد البلاد، يرفعون شكاوى يومية مباشرة إلى المسؤولين بالجهاز المركزي للإحصاء، أو عن طريق فيسبوك وواتساب.

كانت إسراء مشرفة حافلة مدرسية بإحدى المدارس الخاصة، وتركت عملها لتلتحق بالتعداد السكاني، "كنت عايزة أشتغل في الحكومة". راتب إسراء من المدرسة كان 850 جنيهاً، "غير اللي بيطلع من عائلات الطلاب. كنت في أوقات أوصل إلى 2000 جنيه"، كما تقول.

تشعر إسراء بأنها تعرضت للخداع من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وتقول: "كيف أفسر الوعد في الإعلان براتب 2000 جنيه، ولا يحدث هذا؟".


عندما يصبح الراتب نصف قيمة ما وعدونا به


في لقاء تلفزيوني منذ أيام قليلة مع قناة النيل الإخبارية المصرية، يقول رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء اللواء أبو بكر الجندي، إن أداء الباحثين والمعاونين على أرض الميدان هو ما دفعهم لتغير طريقة حساب الأجر.

"مع بداية الدخول في مرحلة حصر السكان، وجدنا أن البعض إنتاجه عالٍ والبعض إنتاجه أقل، لذلك لجأنا إلى هذه الطريقة"، وفقاً للجندي.

تشرح آمال نور الدين، رئيس قطاع الإحصاءات السكانية بجهاز الإحصاء، أن الباحثين عملوا نصف شهر فقط في أبريل/نيسان، حيث حصلوا على تدريب غير مدفوع الأجر في أوله وبدأوا العمل في منتصفه، وبنهاية مايو/أيار سيكون ما حصلوا عليه 3000 جنيه قيمة عملهم خلال مرحلة حصر السكان التي تستغرق شهراً ونصف الشهر.

يقسم الراتب على نصفين؛ أوله يصرف حالياً بقيمة 1260 جنيهاً، والباقي سيصرف بنهاية مايو/أيار وهو 1740 جنيهاً في حال انتهائهم من الحصر في موعده المحدد 26 مايو/أيار، كما تقول نور الدين.

مصطفى النجار يتذكر أن المسؤولين قالوا لهم إن التدريب الذي حصلوا عليه في أبريل/نيسان مدفوع الأجر؛ وهو ما يعني أنهم تعرضوا للخداع.


وعندما تشكونا الحكومة أيضاً وتتهمنا بـ"التباطؤ"


يعمل في التعداد 40 ألف باحث ومعاون، ومن يشتكي هم "قلة قليلة جداً، والدليل على هذا أن لدينا باحثين إنتاجهم 100% من المستهدف، وهذا يدحض ادعاءاتهم بأن التابلت المستخدم بطيء، من يشتكي هم المتباطئون"، وفقاً لآمال نور الدين.

وتضيف: "الشكوى لا تأتي إلا من شباب محافظات القاهرة الكبرى، في حين لا نسمع هذه الشكاوى من شباب محافظات الصعيد الذين يواجهون صعوبات أكبر منهم".

بالأرقام أنتجت محافظات الصعيد 60% من المستهدف منها حتى الآن في المرحلة الأولى، وهي حصر السكان، فيما حققت القاهرة 39%، وهو دليل كافٍ على عدم وجود أساس للشكوى، كما تقول نور الدين.

في يناير/كانون الثاني الماضي، أعلنت مصر البدء في التعداد للسكان، وهو حدث يقام كل 10 أعوام؛ لجمع بيانات تفصيلية دقيقة عن التفاصيل الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية.

وينظم التعداد الحالي على 3 مراحل، تم الانتهاء من المرحلة الأولى وهي حصر المباني السكنية، والمرحلة الثانية تجري الآن، وفيها يتم حصر بيانات الأفراد والظروف السكنية. ثم تأتي المرحلة الثالثة والأخيرة لحصر خصائص المنشآت الاقتصادية والتجارية والخدمية. ومن المتوقع أن يتم إعلان النتائج الكاملة في أغسطس/آب المقبل.

منذ منتصف الشهر الماضي، تذهب إسراء يومياً إلى الجمالية، حتى اعتاد أهل المنطقة رؤيتها كأنها "بنت المنطقة"، ورغم ذلك تعاني مضايقات يومية.

"إنتي رايحة فين، ما تيجي نشربك حاجة ساقعة وتاخدي بياناتي أنا كمان". كان الرجل المسنّ يناديها بينما تبتعد إسراء عن الشارع الذي يجلس فيه على أحد جوانبه مع مجموعة من أصدقائه يلعبون الطاولة. كان عليها أن ترد: "ما تخافش، هاجي آخد بياناتك بس لما ييجي دورك".

ابتسمت، واختفت في طريق يذهب في اتجاه شارع الأزهر.