أجهزة سيادية تطارده وزوجته تتعهد بعودته.. تعرَّف على 5 سيناريوهات لاختفاء وزير داخلية مبارك

تم النشر: تم التحديث:
HABIB ELADLY
Anadolu Agency via Getty Images

أثار هروب وزير داخلية مصر في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك صدمة في البلاد؛ إذ كيف تهرب شخصية معروفة من قبضة الأمن رغم أنه رهن الإقامة الجبرية.

وقال مصدر أمني رفيع لـ"هاف بوست عربي"، إن تكليفات صدرت لأجهزة سيادية تابعة للجيش المصري بمتابعة قضية اختفاء حبيب العادلي وزير الداخلية الأسبق.

وجاء اختفاء العادلي بعد قرار محكمة الجنايات برفض الاستشكال المقدم منه، لوقف تنفيذ الحكم الصادر في منتصف أبريل/نيسان الماضي، بسجنه 7 سنوات، في قضية "فساد الداخلية"، دون أن تحدد المصادر أسماء تلك الأجهزة.

وأضاف المصدر أن التكليفات شملت الإشراف على التحقيقات الداخلية التي تجريها وزارة الداخلية مع اللواء هشام العراقى مدير أمن الجيزة، وطاقم الحراسة الذي كان مكلفاً بحراسة العادلي في منزله وقت هروبه، حيث كان تحت الإقامة الجبرية وفقاً لقرار سابق لمحكمة مصرية.

وتأتي تلك التصريحات لتزيد من غموض القضية ولغز اختفاء وزير داخلية مبارك.

وبعيداً عن مكان تواجده أصبح السؤال الذي يشغل الرأي العام لماذا الآن اختفى حبيب العادلي، ولماذا صدر هذا الحكم ضده رغم براءته من 42 سنة سجن، كان القضاء قد أصدرها بحقه قبل تبرئته من محكمة النقض (أعلى درجة تقاضي) في جميع تلك القضايا؟


الداخلية لسنا طرفاً.. ونبحث عنه


وفي محاولة للإجابة عن تلك الأسئلة توجهنا إلى وزارة الداخلية لمعرفة ملابسات ما حدث، ولكن لم يرد اللواء طارق عطية مساعد وزير الداخلية لشؤون الإعلام على الهاتف.

وزارة الداخلية المصرية كانت قد أعلنت أنها تتعامل مع العادلي باعتباره هارباً، وأن هناك 3 مأموريات (فرق للبحث) تم تشكيلها للبحث عن العادلي، بمحافظتي القاهرة والجيزة، وذلك في الأماكن التي يقيم فيها أقاربه، وحتى الآن لم تتمكن من إلقاء القبض عليه.

ووفقاً لما نشرته جريدة الوطن القريبة من النظام الحاكم بمصر، فإن تلك المأموريات الأمنية فتَّشت عن العادلي في منزله في ضاحية 6 أكتوبر غرب القاهرة، عدة مرات، ولم تعثر عليه، ووجدت ابنه وزوجته في المنزل.

ولكن ما زالت الاتهامات موجهة للوزارة حول ملابسات هروبه، خصوصاً أن العادلي كان قيد الإقامة الجبرية، منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2016، بناء على قرار محكمة جنايات القاهرة، التي أصدرت أمراً بمنع "العادلي" وباقي المتهمين في قضية اختلاس أموال وزارة الداخلية من مغادرة منازلهم، وشمل الحكم استمرار منعهم جميعاً وزوجاتهم وأولادهم من التصرف في أموالهم، ومنعهم من السفر.

ووفقاً لما ذكرته العديد من التقارير الإعلامية المصرية، فإن الأجهزة الأمنية قامت بالتحفظ على طاقم الحراسة الذي كان يؤمن فيلا العادلي.

هذا الغموض وغياب أي تفسيرات رسمية لهذا الاختراق الأمني الكبير أدى إلى افتراض عدد من الإعلاميين والخبراء السياسيين والقانونيين لعدد من السيناريوهات حول مكان وسبب اختفائه.

إليك بعض هذه السيناريوهات بناء على ما قاله مقربون من العادلي وخبراء مهتمون بهذه القضايا.


السيناريو الأول: العادلي في مكان آمن وسيعود


هذا السيناريو تلمح له زوجة وزير الداخلية المصري الأسبق ومحاميه. فقد برر فريد الديب محامي وزير داخلية مبارك أثناء نظر إحدى القضايا المتهم بها العادلي عدم حضور موكله الإلزامي أمام المحكمة، بأنه محتجز في أحد المستشفيات لتلقي العلاج، وأنه لم يستطع الحضور بسبب حالته الصحية، في محاولة للدفع بقبول المحكمة الاستشكال (الطعن) ضد حبسه، ولكن المحكمة رفضت هذا المبرر.

وما أشار إليه الديب من أن العادلي في مكان معلوم لأسرته والمقربين منه، أكدته إلهام شرشر، زوجة وزير الداخلية الأسبق، التي قالت في تصريحات لجريدة "البوابة" القريبة من الأجهزة الأمنية المصرية، إن زوجها لا يعرف كلمة "هروب"، وإنها ستخرج بحقائق قريباً، ولكنها طلبت فرصة صمت وستعلن عن حقائق بعدها.


السيناريو الثاني: لهذا السبب الخطير العادلي في قبضة أجهزة سيادية


رغم تصريحات المصادر عن تكليف أجهزة تابعة للجيش بمتابعة القضية، إلا أن أحد الاحتمالات التي تداولت بعد اختفاء العادلي أشارت إلى إمكانية تحفظ أحد الأجهزة السيادية عليه (مصطلح يقصد به في مصر الأجهزة الأمنية العليا مثل المخابرات العامّة والحربية والأمن الوطني).

وهو السيناريو الذي عزَّزه ربط بعض الإعلاميين المقربين من النظام المصري، ومنهم الإعلامى وائل الإبراشى، اختفاء العادلي وبين ما قيل عن امتلاكه لتسجيلات لقيادات المجلس العسكري أثناء توليه الوزارة في عهد مُبَارَك.

وفي برنامجه "العاشرة مساء"، بفضائية "دريم"، مساء الإثنين 15 ‏مايو/أيار 2017، وتحت عنوان: "هل هناك علاقة بين اختفاء حبيب العادلي وتسجيل المكالمات لقادة الجيش؟"، قال الإبراشي إنه بعد الثورة (25 يناير/‏كانون الثاني 2011)، نظم المجلس العسكري عدداً من الجلسات مع بعض الإعلاميين والسياسيين، وكان الفريق السيسي وقتها مديراً للمخابرات الحربية، وقد أطلعنا على نص تسجيلات الشرطة، حيث كان حبيب العادلي يسجل للقادة العسكريين، وهذا ما كان يؤلم أعضاء المجلس العسكري جداً".

وأضاف الإبراشي خلال البرنامج "السيسي أطلعنا على نماذج بسرعة لتوضيح كيف كان يتم التسجيل لقادة الجيش من قبل وزارة الداخلية، وهذا ما سبَّب لهم آلاماً شديدة جداً، لأن التسجيل يأخذ الحياة كلها.. الخاص والعام".


السيناريو الثالث: هرب ولكن بمعرفة الدولة أو بعض أجهزتها أو قياداتها


"ملابسات خروج العادلي ليكون تحت الإقامة الجبرية، ثم اختفاؤه في اليوم الذي كان من المفترض به المثول أمام المحكمة، جميعها ترجح لدي أن النظام وأجهزته متورطة في إخفاء وزير داخلية مبارك". هكذا يرى الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

نافعة قال في اتصال هاتفي مع "هاف بوست عربي"، إن النظام الحالي لديه قناعة برفض محاكمة رموز مبارك عقب ثورة 25 يناير، وذلك في ظل اقتناع قياداته أنها لم تكن ثورة، وفي إطار تلك القناعة أصبح مبارك وجميع رموزه خارج السجن، ولكن وزير الداخلية كان له بعض الخصوصية في التعامل معه، لما يمتلكه من أسرار تتعلق بجميع الأطراف.


السيناريو الرابع: حكم مفاجئ حتَّم إخفاءه


"كل المعادلات السياسية لصراعات الأجنحة الأمنية في مصر تؤكد أن اختفاء العادلي في مصلحة كافة الأطراف، وأن غيابه عن المشهد أصبح ضرورة". هكذا يرى المحامي الحقوقي عزت غنيم، مدير التنسيقية المصرية لحقوق الإنسان.

غنيم قال لـ"هاف بوست عربي" في تصريحات عبر الهاتف، إنه بالنظر إلى جميع محاكمات رموز مبارك نجد أنها كانت تدار تحت رؤية سياسية للنظام الحاكم بمصر حالياً، وهو الأمر الذي يضع احتمالية أن العادلي لم يكن يتوقع صدور هذا الحكم، أو أن الحكم لم يكن ضمن التفاهمات السرية في مثل تلك القضايا، ومن هنا جاء قراره بعدم العودة إلى السجن.

ويضيف مدير التنسيقية المصرية لحقوق الإنسان، أنه من خلال خبرته في متابعة هذه النوعية من القضايا، أصبح المرجح لديه أن قرار حبس العادلى مرة أخرى بعد تبرئته في أحكام حبس بحوالي 42 عاماً، شكل مفاجأة للعادلي والمحيطين به جعل الجميع في ورطة، وذلك بعد قرار وزير داخلية مبارك عدم العودة للسجن، وعجزت كافة الأجنحة الأمنية في إيجاد مخرج كون الحكم واجب التنفيذ، وكان الخيار الأمثل لحين إيجاد مخرج مرضٍ للجميع هو اختفاؤه بهذا الشكل.


السيناريو ‏الخامس: هروب مؤقت حتى النقض


أحد السيناريوهات المطروحة، والتي يمكن استنتاجها من تجارب سابقة لسلوك رموز نظام مبارك في المحاكمات، هو أن العادلي قرَّر البقاء خارج السجن حتى موعد مثوله أمام محكمة النقض ضد الحكم الصادر بحبسه على أمل حصوله على البراءة.

وهذا السيناريو لجأ إليه عدد من رموز مبارك للهروب من العودة للسجن، إذ يختفون إلى حين موعد انعقاد جلسة النقض ضد الحكم، وحصل أغلب من لجأ إلى هذا الأمر على أحكام براءة في ذات الجلسات التي يحضرونها بعد العودة من رحلة الفرار.

وَعَلَى سبيل المثال، لم يحضر الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء في عهد مبارك جلسة الحكم في قضية اتهامه بالكسب غير المشروع، وذلك في 22 يوليو/تموز 2015، التي عوقب فيها بالسجن 5 سنوات، وظلَّ هارباً لمدة عام تقريباً، ثم اضطر للظهور أمام محكمة النقض، في جلسة 4 مايو/‏أيار 2016، كون حضوره واجباً من أجل النظر في الطعن الذي قدمه على الحكم الصادر ضده، وخلال الجلسة قدّم أوراق التصالح في القضية، وقضت المحكمة ببراءته ليعود إلى منزله سالماً.

ونفس السيناريو اتبعه إبراهيم سليمان وزير الإسكان الأسبق للهروب لمدة عام أيضاً من تنفيذ حكم بالسجن 3 سنوات، وذلك من سبتمبر/أيلول 2015، حتى صدور حكم ببراءته في أكتوبر/تشرين الأول 2016، وذلك بعد أن سلم نفسه لحرس قاعة المحكمة.

الرمز الثالث الذي اتبع نفس الأسلوب من نظام مبارك هو صفوت الشريف الأمين العام للحزب الوطني، إذ بعد إخلاء سبيله لانقضاء فترة الحبس الاحتياطي في 25 ديسمبر/‏‏كانون الأول 2012، توارى عن الأنظار حتى صدور حكم الجنايات في مايو/‏أيار 2016، بالسجن 5 سنوات في قضية الكسب غير المشروع، ولم يحضر الشريف جلسة الحكم، وظل هارباً إلى أن تمكن من الطعن سريعاً على الحكم من خلال محاميه.

وفي جلسة النقض في ديسمبر/‏كانون الأول من نفس العام، سلم الشريف نفسه لساعات معدودة، حتى قضت المحكمة بإلغاء الحكم وإعادة محاكمته أمام دائرة جديدة.