أوباما اختار القاهرة وترامب فضل الرياض لمخاطبة العالم الإسلامي.. هكذا خططت إدارته شهوراً لزيارة 3 وجهات دينية

تم النشر: تم التحديث:
S
s

على مدار أشهر، خطَّط كبار مستشاري الرئيس ترامب لرحلته الخارجية الأولى على أمل أن تحظى بأهميةٍ تاريخية لزيارته أكبر ثلاث ديانات توحيدية في العالم، يُتوِّجها بخطاب يُوجِّهه من السعودية إلى العالم الإسلامي، ويكون بمثابة ردٍّ له على الخطاب الذي ألقاه الرئيس السابق أوباما في جامعة القاهرة عام 2009.

ولكن بدلاً من أن يبرز ترامب زيارة أوباما التاريخية للقاهرة، فإن سلسلةً من التسريبات الضارة بشأن علاقته بروسيا قد مزَّقت الرواية التي كان يريد البيت الأبيض نسجها، إذ سيغادر ترامب البلاد الجمعة، 19 مايو/أيار 2017، كشخصٍ يشبه الرئيسين السابقين ريتشارد نيكسون أو بيل كلينتون في أيامهما الأخيرة في الحكم، وسيغادر كرئيسٍ جريحٍ يفرّ من العواصف السياسية في بلاده صوب ترحيبٍ غير أكيدٍ في الخارج، حسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وكانت الأنباء حول طلب ترامب من مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق، جيمس كومي، عدم التحقيق مع مايكل فلين، مستشار ترامب السابق للأمن القومي، هي التطوُّر الأخير، لكن الأكثر إثارةً للصدمة في أسبوعٍ ملأته بالفعل الأسئلة حول عزله لكومي هو كشفه عن معلوماتٍ استخباراتية سرية مصدرها إسرائيل لدبلوماسيين روس زائرين.

وفي حين قال مسؤولو الإدارة إنَّهم ليسوا قلقين من إمكانية تسبُّب كشف ترامب عن معلوماتٍ سرية إلى وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في الإضرار بعلاقات التبادل الاستخباراتي الأميركية مع إسرائيل والشركاء الآخرين، فإنَّهم أقرّوا بأنَّ ذلك من شأنه أن يتسبَّب في إرباكٍ خلال رحلةٍ بها من التعقيدات الأخرى ما يكفيها.

وقال مسؤولون سابقون في الإدارة الأميركية، إن "حياة جاسوس إسرائيلي لدى تنظيم داعش باتت مهددة"، على خلفية كشف الرئيس دونالد ترامب معلومات "بالغة السرية" لروسيا الأسبوع الماضي.

كما نقلت شبكة "سي إن إن" عن داني ياتوم، الرئيس السابق للاستخبارات الإسرائيلية، قوله إن كشف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، معلومات سرية أمام وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في آخر لقاء جمعهما في البيت الأبيض "مزعج وقد يتسبب بخطر كبير".


هل يزور حائط البراق؟


ولكن ليس هذا التسريب فقط ما يقلق الدولة العبرية، فقد ذكرت نيويورك تايمز أن المسؤولين الإسرائيليين أعربوا عن قلقهم من إحجام مستشار ترامب للأمن القومي، الجنرال هربرت ماكماستر، عن التأكيد علناً على أنَّ الحائط الغربي (حائط البراق)، (الذي يُزعم أنه أحد أقدس مواقع الصلاة في الديانة اليهودية)، جزء من إسرائيل.

وجاء تصريح ماكماستر خلال مؤتمر صحفي للبيت الأبيض بشأن رحلة ترامب، أمطر الصحفيون خلاله الجنرال ماكماستر بوابلٍ من الأسئلة، كالسؤال حول ما إذا كان بإمكان الحلفاء الثقة في الولايات المتحدة بدرجةٍ كافية لمشاركة المعلومات الاستخباراتية الحساسة معها، بعد ما حدث من تسريب من قبل ترامب.

وقال ماكماستر: "لستُ قلقاً على الإطلاق"، مؤكداً أنَّ المعلومات التي أفصح عنها ترامب لوزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، والسفير الروسي لدى واشنطن، سيرغي كيسلياك، كانت "ملائمة تماماً".

غير أنَّ ماكماستر راوغ حينما سُئِل عمَّا إذا كان ترامب يعتقد الحائط الغربي جزءاً من إسرائيل. وأُثير السؤال بعد تقريرٍ نشره التلفزيون الإسرائيلي يذكر أنَّ مسؤولاً أميركياً مُنخرِطاً في عملية الإعداد للزيارة قد رفض طلباً لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، للانضمام إلى ترامب خلال زيارته للحائط الغربي لأنَّ الحائط، كما قال المسؤول، ليس جزءاً من إسرائيل.

وتنصَّل البيت الأبيض الإثنين، 15 مايو/أيار، من التصريح، قائلاً إنَّه لا يعكس رأي الرئيس. غير أنَّ الجنرال ماكماستر أكَّد عدم مصاحبة أي مسؤولٍ إسرائيلي لترامب خلال زيارته للحائط -تمشياً مع التقليد الأميركي طويل الأمد- ورفض الحديث عمَّا إذا كان ترامب يرى الحائط جزءاً من إسرائيل.

وقال: "يبدو ذلك قراراً سياسياً".

وأشارت نيويورك تايمز إلى أن السياسة الأميركية الحالية تتمثَّل في معاملة القدس الشرقية، حيث يقع الحائط، كأراضٍ تحتلها إسرائيل. واستولت القوات الإسرائيلية على المنطقة المحيطة بالحائط في 1967 خلال حرب الأيام الستة.

وزار سفير ترامب الجديد لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، الحائط كأحد أول أعماله بعد وصوله لإسرائيل.

ومن المعروف أن ترامب تعهَّد مِراراً خلال حملته الرئاسية في 2016 بأنَّه سينقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس.

وقال مارتن إنديك، السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل خلال حكم كلينتون: "إنَّه يخاطر جدياً بتفجير قضية القدس كقضيةٍ تُثير الانقسام بدلاً من وحدة الديانات الإبراهيمية. وهناك حاجة إلى التعامل مع هذا الجزء من الزيارة بحرصٍ بالغ".


السفارة مقابل الفضيحة


ويُثير كشف ترامب عن معلوماتٍ استخباراتية إسرائيلية مجموعة أخرى من القضايا. وقال مُحلِّلون إنَّ نتنياهو، الذي يُصر على إنجاح الزيارة، لن يُثير على الأرجح هذه القضية مع الرئيس. لكنَّه سيواجه ضغطاً كبيراً من أجهزته الاستخباراتية.

وقال دينيس روس، مستشار قضايا الشرق الأوسط للعديد من الرؤساء الأميركيين: "بالنسبة لهم (أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية)، إنَّها مسألةٌ تتعلَّق بكيفية الحصول على المعلومات وطريقة إدراكهم للتهديدات ضد إسرائيل. سيؤدي ذلك حتماً إلى نقاشٍ حول القواعد الأساسية".

وقال آرون ديفيد ميلر، وهو دبلوماسي آخر ذو باعٍ طويل في الشرق الأوسط: "سيؤدي ذلك على الأرجح إلى كشف وتعريض المصادر ومعلومات العمليات الأخرى ضد داعش للخطر".

لكنَّه أضاف أنَّ نتنياهو "لن يرى سبباً لمفاقمة الحادثة، وربما قد يرى بعض الفوائد السياسية في منح ترامب غطاءً والاستفادة من الشك".

وتكهَّن بعض المُحلِّلين في إسرائيل بأنَّ كشف ترامب عن معلوماتٍ استخباراتية إسرائيلية قد يرغمه على التحرُّك في قضية السفارة، لأنَّه سيكون بحاجةٍ إلى تقديم بادرة حسن نية للإسرائيليين، وفقاً لما ورد في تقرير نيويورك تايمز.

وقال آفي ديختر، الرئيس السابق لجهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، والعضو الحالي في الكنيست عن حزب الليكود، في مقابلةٍ له: "سيظهر ذلك أنَّ الرئيس الأميركي وإدارته يدركان أين تكمن الحقيقة. وهذا هو ما تعنيه القدس لدولة إسرائيل. إنَّها ليست مجرد خطوة رمزية. إنَّها أكثر عمقاً من ذلك".


هل ستواصل إسرائيل تعاونها مع ترامب؟


وقالت إسرائيل إن علاقتها مع الولايات المتحدة لم تتأثر بالتقارير الإعلامية التي أفادت بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أطلع روسيا على معلومات حساسة حصل عليها من المخابرات الإسرائيلية.

ونقل تقرير لـ"بي بي سي" عن السفير الإسرائيلي في واشنطن رون ديرمر قوله إن "إسرائيل لديها ثقة كاملة بالشراكة الاستخباراتية مع الولايات المتحدة".

وأشار عيران ليرمان، نائب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق، والذي شارك في الحوار الاستراتيجي الإسرائيلي مع الولايات المتحدة: إلى ما وصفه بـ"افتقار ترامب للقواعد الأساسية في مجال الاستخبارات". لكنَّه استدرك: "لا يمكنني أن أحكم على ما إذا كان الرئيس قد قام بالأمر الصحيح أم الخاطئ".

وقال ليرمان، الذي يُعَد باحثاً رفيعاً في مركز بيغن - السادات للدراسات الاستراتيجية في جامعة بار إيلان، إنَّ الولايات المتحدة وإسرائيل ليس أمامهما خيار سوى تبادل المعلومات الاستخباراتية، على الرغم من أنَّ إعادة كتابة بعض القواعد الأساسية الآن قد يكون ضرورياً.

وأضاف: "في نهاية المطاف، لا يمكن لمجتمع الدول متشابهة التفكير أن يتحمَّل تمزيق نسيج التعاون، لكن قد تكون هناك حاجة إلى حياكته بخيوطٍ أقوى هنا وهناك".