الغارديان: ليس هناك سوى حل لأزمة الشرق الأوسط.. هذا ما عليكم فعله مع إسرائيل

تم النشر: تم التحديث:
BENJAMIN NETANYAHU MAHMOUD ABBAS
POOL New / Reuters

لماذا فشلت كل المبادرات الرامية إلى تحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، عشرات الأجوبة يمكن أن تقدَّم من قِبل المحللين والدبلوماسيين المشاركين في المفاوضات.

ولكن ناثان ثرال، الكاتب والمحلل السياسي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بمجموعة الأزمات الدولية، قدم إجابة بسيطة في مقال مطول وجريء بصحيفة الغارديان البريطانية، عرض فيه المبادرات والتجارب الفاشلة السابقة وأكد فيه أن الأزمة لن تُحل إذا استمر الوضع الحالي قائماً.

يقول الكاتب: "كان انهيار المبادرات السابقة مُتوقَّعاً بالقدر نفسه من الثقة التي أطلق بها الرؤساء الأميركيون المبادرات الأخرى الجديدة الرامية إلى تحقيق السلام، وإدارة ترامب الحالية ليست استثناءً من ذلك".

خلال فترة ربع القرن التي مضت منذ بدأ الفلسطينيون والإسرائيليون أول مفاوضاتٍ بينهما برعاية الولايات المتحدة عام 1991، كانت التبريرات لفشل المبادرات حاضرةً دائماً في خطابات الرؤساء، وتقارير مراكز الأبحاث، ومذكِّرات المسؤولين السابقين، وكذلك المفاوضين: التوقيت السيئ، والتوقيتات النهائية الزائفة، وعدم كفاية التحضيرات، وضعف اهتمام الرئيس الأميركي، والرغبة في دعم الدول الإقليمية، وعدم كفاية تدابير بناء الثقة، وسياسات التحالف، وافتقار القادة إلى الشجاعة.

ومن بين المبررات، وجود الشك بين الطرفين إلى حدٍ يُصعِّب التفاهم، أو غياب الكيمياء بين المفاوضين، ويعتبره الكاتب (التفسير الأكثر هزلاً بالنسبة لأي شخصٍ شهد الألفة الدافئة بين المفاوضين الفلسطينيين والإسرائيليين حال اجتماعهم في الفنادق الفارهة، واستعادتهم ذكريات النكات القديمة والرفاق السابقين على موائد الإفطار وفي أثناء لقاءات ما بعد الاجتماعات)، حسب قوله.

ويشير إلى أن الجميع يتفقون تقريباً على أنَّ كلا المجتمَعين الإسرائيلي والفلسطيني يرغبان في تحقيق حل الدولتين، ومن ثم، لا يحتاجان أكثر من توفير الظروف الصحيحة، بالإضافة إلى شيءٍ من بذل الجهد، وبناء الثقة، وربما توفير مزيدٍ من المحفزات الإيجابية، لاتخاذ الخطوة النهائية.
ولكن هذا حقيقي؟

هل يتحمل الفلسطينيون المسؤولية؟

يقول ناثان ثرال إن الفلسطينيين التزموا في مطالبهم بالحد الأدنى الذي يدعمه القانون الدولي ومعظم دول العالم.

ويضيف: "لسنواتٍ أيد هذا المنظور الإجماعي تأسيس دولةٍ فلسطينية على حدود ما قبل 1967، مع قطعٍ صغيرةٍ مساويةٍ من الأرض من شأنها أن تسمح لإسرائيل بإلحاق بعض المستوطنات بالأرض التي سيطرت عليها؛ وأن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية القدس الشرقية، مع إقرار السيادة الفلسطينية على البقعة المقدسة التي تُعرَف لدى اليهود بجبل الهيكل ولدى المسلمين بالحرم القدسي، وكذلك على الأراضي الممتدة بالقرب من سائر الدولة الفلسطينية؛ وانسحاب إسرائيل من الضفة الغربية، وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين".

أما بالنسبة للاجئين الفلسطينيين، فسيُعرض عليهم تعويض، مع إقرار حقهم بالعودة، ليس إلى بيوتهم، ولكن إلى وطنهم في دولة فلسطين؛ والإقرار بمسؤولية إسرائيل الجزئية عن أزمة اللاجئين، والسماح بعودة بعض اللاجئين، على نطاقٍ لا يؤثر بقدرٍ ملموس على ديموغرافية إسرائيل، إلى أراضيهم ومنازلهم التي كانت مملوكةً لهم قبل عام 1948، حسب الكاتب.

وعلى الرغم من أن سنوات العنف والقمع، فإن الفلسطينيين لم ينبذوا التسوية، ولا يزال يحدوهم أملٌ أنَّ دعم الدول الكبرى لخطة تسترشد بتلك الخطوط سينتج عنه في النهاية التوصل إلى اتفاقية.

وفي غضون ذلك، أصبح الوضع الراهن أكثر احتمالاً بفضل مهندسي عملية السلام، الذين أنفقوا المليارات لمساندة الحكومة الفلسطينية، وهيأوا ظروف الازدهار لصنّاع القرار في رام الله، وكذلك أثنوا السكان عن مواجهة قوات الاحتلال، حسب قوله.

لماذا اختارت إسرائيل الجمود؟

يقول ثرال: "أما إسرائيل، من جانبها، فلطالما اختارت الجمود على التوصل إلى اتفاقيةٍ من النوع المذكور أعلاه. والسبب واضح: تكلفة التوصل إلى اتفاقيةٍ (اتفاقية سلام)، تفوق تكلفة بقاء الوضع على ما هو عليه".

فقبول اتفاقيةٍ كهذه من شأنه أن يُكبِّد إسرائيل خسائر هائلة، ربما من بينها قيام أكبر ثورة سياسية في تاريخ البلاد، واندلاع تظاهراتٍ ضد السيادة الفلسطينية على القدس وجبل الهيكل/الحرم القدسي الشريف، في ظل احتمال رفضها من جانب الأغلبية، والتمرد العنيف من جانب بعض المستوطنين اليهود ومن يدعمهم.

كما يمكن أن يؤدي الإخلاء القسري لمستوطنات الضفة إلى سفك الدماء، وإلى حدوث شقاق داخل الهيئة المنفذة لإجراءاته، أي الجيش الإٍسرائيلي، الذي تفوق حصة ضباط المشاة المُتديِّنين فيه في الوقت الراهن الثلث.

كما سيؤدي اتفاقٌ كهذا إلى خسارة إسرائيل السيطرة على الضفة الغربية، بما ينتج عنه تحقيق جمعٍ أقل للمعلومات، وتقليص فرص المناورة في الحروب المستقبلية، وتقليص الوقت المتاح للرد على أي هجومٍ مفاجئ.

وسيؤدي أيضاً إلى زيادة المخاطر الأمنية من الممر الفاصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، على نحوٍ يسمح للمسلحين، والأفكار الأيديولوجية، وأساليب إنتاج السلاح بالانتشار من معسكرات التدريب في غزة إلى تلال الضفة الغربية المطلة على مطار إسرائيل.

كما لن تعود لأجهزة المخابرات الإسرائيلية سيطرة على هوية الداخلين إلى الأراضي المحتلة والخارجين منها.

ولن تعود لدى إسرائيل فرصة الاقتطاع من موارد الضفة، وضمن ذلك المياه، وستخسر ما تجنيه من إدارة الجمارك والتجارة الفلسطينية، وتدفع ثمناً سياسياً واقتصادياً باهظاً نظير إعادة توطين عشرات الآلاف من المستوطنين.

مزايا الاتفاق بالنسبة لإسرائيل

ولا يمكن لمزايا أي اتفاق سلام أن تُعوِّض إلا عن جزءٍ يسير من تلك التكلفة. غير أن أبرز تلك المزايا المحتملة سيكون الضربة التي تُسدَّد إلى جهود نزع الشرعية عن إسرائيل، وتطبيع العلاقات مع دولٍ أخرى في المنطقة.

وستكون الشركات الإسرائيلية حينها قادرةً على العمل بشكلٍ أكثر انفتاحاً في الدول العربية، وسيخرج إلى العلن حينها التعاون مع حكومات بعض الدول بعد أن كان مستتراً.

ومن خلال إبرام اتفاقيةٍ مع الفلسطينيين، سيكون بوسع إسرائيل نقل كل سفارات الدول لديها من تل أبيب إلى القدس، وتلقِّي المزيد من المزايا المالية والأمنية من الولايات المتحدة وأوروبا. غير أن كل ما سلف ذكره مجتمعاً لا يدنو حتى من أن يفوق تكلفة إبرام الاتفاق.

التكلفة الأخلاقية

الكاتب تناول كذلك ما يُعرف بالتكلفة الأخلاقية للاحتلال على المجتمع الإسرائيلي، مشيراً إلى أنها لم تكن مرتفعةً بما يكفي لتغيير الحسابات. فإنهاء الخزي الدولي الناجم عن الاحتلال يُعَدُّ أمراً بالغ الأهمية لنخبة البلاد، وفي ظل تزايد نبذهم عالمياً، تزداد دوافع انسحابهم من الأراضي المحتلة. غير أنَّه، حتى الآن، برهنت إسرائيل على أنَّ لديها ما يكفي من القدرة للتعايش مع وصمةٍ امتدت عقوداً بأنَّها دولة "منبوذة"، ومع وصمة بأنها دولة احتلال، وما يصحب ذلك من أثر على التناغم داخل كيان الدولة، وفي العلاقات مع يهود الشتات.

وتطرق إلى ما أُثِيرَ مؤخراً حول تقليص دعم اليهود الأميركيين لإسرائيل، لافتاً إلى أن ما يُقال اليوم لا يختلف كثيراً عما قيل في عهد أولى حكومات حزب الليكود قبل عقود.

والأمر ذاته ينطبق على ما أُثيرَ حول أنَّ الاحتلال ينزع الشرعية عن الصهيونية، ويسبب شقاقاً داخل إسرائيل. وقبل نحو 30 عاماً، كتب نائب عمدة القدس السابق، ميرون بنفنستي، عن الأعداد المتنامية للإسرائيليين ممن تنتابهم الشكوك حول الصهيونية، والتي "يُعبِّرون عنها في صورة الشعور بالاغتراب، والهجرة المعاكسة للشباب، وظهور يهود عنصريين، وتفشِّي العنف في المجتمع، والفجوة المتزايدة بين إسرائيل ويهود الشتات، والشعور العام بالقصور". ومع ذلك، تتزايد قدرة الإسرائيليين على غض الطرف عن تلك الانتقادات.

لماذا تكلفة الاحتلال أقل؟

ولطالما كان -وسيظل- من غير المعقول أن تتحمل إسرائيل تكلفة التوصل إلى اتفاق في حين أنَّ تكلفة البديل أقل بكثير بالمقارنة. فليس ثمة ما يشكل خطراً تقريباً في تبعات اختيار استمرار الوضع على ما هو عليه (استمرار الاحتلال): تبادل التهم حول استمرار حالة الجمود، ثم جولاتٌ جديدة من المفاوضات، والإبقاء على السيطرة على الضفة الغربية كافة من الداخل ومعظم غزة من الخارج.

وفي غضون ذلك، تواصل إسرائيل تلقي مساعداتٍ عسكرية أمريكية سنوية تفوق ما يُقدَّم إلى سائر دول العالم مجتمعة، وتُبقِي على اقتصادٍ متنامٍ، وترفع مستويات المعيشة فيها، وينعم سكانها بما يرِد في التقارير من أنَّهم من بين أعلى مستويات الرفاهية الشخصية على مستوى العالم. وستواصل إسرائيل تحمّل التكاليف المزعجة والمقبولة حتى الآن للشكاوى المُقدَّمة من سياسات الاستيطان.

كما أنَّها ستشهد اعتراف المزيد من الدول رمزياً بالدولة الفلسطينية، وزيادة يسيرة في عدد المصوتين بالسلب في الجامعات ومجالس الطلاب غير ذات الشأن، والدعوات المحدودة لمقاطعة بضائع الاستيطان، واندلاع أحداث عنف من آنٍ لآخر لن يستطيع حتى أكثر الفلسطينيين قوةً التعايش معها. ومن ثم، لا مجال للحيرة بين الخيارين.

لماذا لا تخشى إسرائيل تبعات احتلالها أراضي الفلسطينيين؟
لا يكمن التفسير الحقيقي لفشل مفاوضات السلام خلال العقود الماضية في التكتيكات الخاطئة أو الظروف غير المواتية، ولكن في أنَّه ليس ثمة استراتيجية يمكنها النجاح إذا ما انبنت على التصرفات الإسرائيلية غير العقلانية.

فمعظم الحجج المُقدَّمة لإسرائيل للموافقة على خيار التقسيم تُفِيد بأنَّ تنفيذ هذا الخيار أفضل من مستقبلٍ خياليٍ مُرعِب تفقد فيه الدولة ديمقراطيتها، أو يهوديتها، أو كلا الأمرين.

وتُوجَّه التحذيرات بشكلٍ مستمر إلى إسرائيل من أنَّها إن لم تقرر سريعاً منح الفلسطينيين المواطنة أو السيادة، فإنَّها ستصبح، في وقتٍ ما في المستقبل، دولة فصل عنصري. غير أنَّ تلك التوكيدات تحمل في طياتها إقراراً بأنَّه من غير المنطقي أن تبرم إسرائيل اتفاقاً اليوم وأن الأفضل لها أن تنتظر لترى ما إذا كانت تلك التهديدات المتخيلة ستتحقق بالفعل مستقبلاً أم لا. فلو تحققت، حينها يمكن لإسرائيل أن تبرم الاتفاق.

ويرى الكاتب أنه من وجهة نظر إسرائيلية فإنه حتى ذلك الحين، ربما تؤدي قسوة حياة الفلسطينيين إلى خروجهم من البلاد بالقدر الذي يسمح لإسرائيل بضم الضفة الغربية دون التخلي عن الأغلبية اليهودية للدولة. أو ربما يبتلع الأردن الضفة الغربية، وتُلحَق غزة بمصر، وهو خيارٌ أفضل من قيام دولة فلسطينية في نظر العديد من المسؤولين الإسرائيليين.

لهذا السبب تنتظر إسرائيل

هل امتناع إسرائيل عن إبرام اتفاقٍ في الوقت الحاضر يزيد احتمال أن يكون الاتفاق المستقبلي أكثر سوءاً؟

يرى الكاتب أنه من الصعب الدفاع عن هذه الحجة لإقناع إسرائيل بسرعة إبرام اتفاق سلام.

والسبب أن المجتمع الدولي والسلطة الفلسطينية حددا بالفعل سقف مطالبهم، غير أنَّهم لم يكونوا على القدر ذاته من الوضوح في تحديد الحد الأدنى لها، والذي يمكن أن تحاول إسرائيل خفضه (أي تحصل على مزيد من المكاسب).

ويُشِير التاريخ إلى أنَّ اتباع استراتيجية الانتظار يصُب في صالح إسرائيل؛ إذ تمنح كل مبادرةٍ تأسيسية أقرتها القوى العظمى، بدءاً من خطة التقسيم التي أقرتها لجنة بيل التابعة للحكومة البريطانية عام 1937 وقرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947، ووصولاً إلى قرار مجلس الأمن رقم 242 واتفاقيات أوسلو، للجالية اليهودية في فلسطين أكثر مما منحته سابقتها.

وحتى وإن علم رئيس وزراء إسرائيل يوماً ما أنَّ دول العالم ستفرِض عقوباتٍ على إسرائيل إن لم تقبل باتفاقيةٍ قائمة على حل الدولتين، فسيظل من غير المنطقي إبرام اتفاقٍ في الوقت الراهن؛ بل يمكن لإسرائيل حينها أن تنتظر حلول ذلك اليوم (يوم فرض العقوبات)، ومن ثم تتمتع بالمزيد من الأعوام من السيطرة على الضفة الغربية والمزايا الأمنية المصاحبة لذلك.

لماذا لن يتحقق خيار الدولة الواحدة؟

وأشار الكاتب إلى أنه تم توجيه النصح كثيراً إلى إسرائيل لتقبل بالسلام للحيلولة دون قيام دولة فلسطينية واحدة تحكم كل الأرض من نهر الأردن وحتى البحر المتوسط.

غير أنَّ هذا التهديد لا يحظى بمصداقيةٍ كبيرة في الوقت الذي تُمسِك فيه إسرائيل بزمام القوى كاملاً، ومن ثم يظل في يدها قرار ضم الأراضي وتقديم الجنسيات للقاطنين كافة فيها من عدمه.

وشدد على أن خيار قيام دولة واحدة لن يتحقق إلا إذا رغب أغلبية الإسرائيليين في ذلك، وحتى اللحظة يلقى هذا الخيار رفضاً قاطعاً من جانبهم.

ولا يعود إحجام إسرائيل عن ضم الضفة الغربية وغزة بأراضيها إلى الخوف من أن تضرب القوى الدولية على أيديها، ولكن بسبب تفضيل أغلب مواطني الدولة أن يكون وطنهم ذا أغلبيةٍ يهودية، الأمر الذي يُعَدُّ علة وجود الصهيونية. وفي حال وجدت إسرائيل نفسها في مواجهة تهديد قيام دولة واحدة، فيمكنها حينها أن تُطبِّق الانسحاب من جانبٍ واحد، وستحظى في هذا الصدد بدعم القوى العظمى. بيد أنَّ هذا التهديد لا يزال بعيداً.

شبه الدولة الفلسطينيّة

وفي الواقع، يُعَدُّ الفلسطينيون والإسرائيليون شديدي البعد عن قيام دولةٍ واحدة أكثر مما كانوا عليه في أي وقتٍ منذ بدء الاحتلال عام 1967. وتفصل الجدران والأسوار إسرائيل عن غزة وأكثر من 90% من الضفة الغربية. ولدى الفلسطينيين شبه دولة في الأراضي المحتلة، لها برلمانها ومحاكمهما وأجهزة مخابراتها ووزارة خارجيتها.

ولم يعد الإسرائيليون يتسوقون في نابلس وغزة كما كانوا قبل اتفاقيات أوسلو، وكذلك لم يعد الفلسطينيون يسافرون بحريةٍ إلى تل أبيب. والسبب المزعوم للادِّعاء في معظم الأحيان بأنَّ التقسيم شبه مستحيل، وهو صعوبة إعادة التوطين المحتملة لأكثر من 150 ألف مستوطن- يحظى إجمالاً بقدرٍ من المبالغة: ففي تسعينات القرن العشرين، استوعبت إسرائيل أضعاف هذا العدد بكثير من المهاجرين الروس؛ ممن كان إدماج معظمهم أكثر صعوبةً بكثير من المستوطنين، الذين يملكون بالفعل وظائف في إسرائيل، وشبكات مكتملة من الدعم الأسري، ويتقنون العبرية.

ولفت الكاتب إلى أنه طالما ظلت الحكومة الفلسطينية ونظام أوسلو قائمين، فلن تطالب دول العالم إسرائيل بمنح الجنسية للفلسطينيين. وفي الواقع، لدى إسرائيل أغلبية غير يهودية في الأراضي التي تسيطر عليها منذ سنواتٍ عدة. ولكن، حتى في أكثر تحذيراتها صرامة، تشير الحكومات الغربية على الدوام إلى قيام دولة غير ديمقراطية في إسرائيل باعتبارها مجرد فرضية.

وسترفض معظم دول العالم أن تصف سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية بأنَّها صورةٌ من صور الفصل العنصري، الذي تُعرِّفه المحكمة الجنائية الدولية بأنَّه نظام من القمع الممنهج وهيمنة مجموعة عرقية بعينها بهدف الحفاظ على ذاك النظام، طالما وجدت فرصةٌ، حتى ولو ضعيفة، بأن تظل أوسلو مرحلةً انتقالية نحو الوصول إلى دولةٍ فلسطينية مستقلة.

ما الحل بعد كل هذا التشاؤم ؟

يقول الكاتب إنه بخلاف ما أكده كلُ وسيطٍ أميركي تقريباً، فالأمر ليس أنَّ إسرائيل ترغب في تحقيق اتفاق سلام مع امتلاكها خيار التراجع عنه؛ بل العكس هو الصحيح؛ إذ تفضل إسرائيل بقاء الوضع كما هو على الوصول إلى اتفاق سلام.

ولا يمكن لأي قدرٍ من الدهاء التكتيكي في المفاوضات، ولا في تحضير الخبراء لها، ولا تهيئة الظروف أن يتغلب على هذا العائق. ولكن هناك أمرين فقط بوسعهما تحقيق ذلك: وجود اتفاقية أكثر جذباً، أو أن يكون التراجع عن الاتفاقية أقل جذباً.

أما الخيار الأول، فقد جرت تجربته بشكلٍ مكثف، بدءاً من عرض تطبيع العلاقات الكامل بين إسرائيل ومعظم الدول العربية والإسلامية، ووصولاً إلى رفع مستوى العلاقات مع أوروبا، وتقديم ضماناتٍ أميركية، وزيادة المساعدات المالية والعسكرية. وبالنسبة لإسرائيل، فإنَّ تلك المحفزات تبدو باهتةً مقارنةً بالتكلفة المتصورة للسلام .

أمَّا الخيار الثاني، فهو جعل تراجع عملية السلام ذي نتائج أكثر سوءاً لإسرائيل. وهذا هو ما فعله الرئيس الأميركي أيزنهاور عقب أزمة السويس عام 1956، حين هدَّد بفرض عقوباتٍ اقتصادية لإجبار إسرائيل على الانسحاب من سيناء وغزة.

وهو ما فعله أيضاً الرئيس فورد عام 1975 حين أعاد تقييم العلاقات الأميركية مع إسرائيل، بعد أن رفض تزويدها بمزيدٍ من صفقات السلاح حتى توافق على تنفيذ انسحابٍ ثانٍ من سيناء. وكذلك فعل الرئيس كارتر حين لوَّح بإنهاء المساعدات العسكرية الأميركية إذا لم تُخلِ إسرائيل لبنان على الفور عام 1977، وهو ما فعله كارتر أيضاً حين وضَّح لجانبي التفاوض في كامب ديفيد أنَّ خيار منع المساعدات الأميركية وخفض مستوى العلاقات مطروح إن لم يوقعا الاتفاقية.

وهو أيضاً ما فعله وزير الخارجية جيمس بيكر عام 1991، حين أرغم رئيس الوزراء الإسرائيلي المتردد إسحاق شامير على حضور مفاوضات مدريد من خلال منع ضمان قرض بـ10 مليارات دولار كانت إسرائيل في حاجة إليه لاستيعاب هجرة اليهود السوفييت. وكانت هذه هي المرة الأولى التي أخضعت فيها الولايات المتحدة إسرائيل لهذا النوع من الضغط.

محاولة فاشلة للفلسطينيين

وقد سعى الفلسطينيون أيضاً إلى جعل خيار تراجع إسرائيل أقل جذباً من خلال الانتفاضتين الفلسطينيتين وغيرهما من نوبات العنف الأخرى. غير أنَّ الثمن الهائل الذي دفعوه برهن على أنَّ مثل هذا المسار غير قابل للاستمرار، وأنَّهم إجمالاً أكثر ضعفاً من أن يجعلوا عرقلة إسرائيل لعملية السلام أمراً أكثر سوءاً لأمدٍ طويل.

ونتيجةً لذلك، لم يكن بوسع الفلسطينيين الفوز بأي شيء من إسرائيل أكثر من مجرد تنازلات تكتيكية، في خطواتٍ قُصِدَ بها تقليل الاحتكاك بين السكان، ليس بهدف إنهاء الاحتلال، وإنَّما بهدف تخفيف وطأته وخفض كلفته.

إجبار إسرائيل على تقديم تنازلاتٍ أكبر بهدف إنهاء الصراع، يتطلب جعل خيار عرقلة عملية السلام بالنسبة لها أمراً لا يحظى بأي استحسانٍ على الإطلاق إلى حدٍ يدفعها إلى الموافقة على اتفاقية السلام للهروب من وضعٍ أسوأ.

ولكن من يملكون القوة الكافية للقيام بذلك فلم يتحمسوا أبداً لاستخدامها.

ومنذ أوسلو، في الواقع، قامت الولايات المتحدة بما يناقض ذلك تماماً، إذ عملت على إبقاء الكلفة المنخفضة المقترنة بخيار عرقلة العملية لدى إسرائيل.

ومولت الإدارات الأميركية المتعاقبة الحكومة الفلسطينية، ودرَّبت قوات الأمن التابعة لها التي تسحق أي مقاومة فلسطينية، وضغطت على السلطة الفلسطينية لمنع أي مواجهة مع إسرائيل في المحافل الدولية، واستخدمت الفيتو ضد أي قرار في مجلس الأمن لم يحظِ باستحسان إسرائيل، وحصَّنت ترسانة الدولة العبرية من دعوات إخلاء الشرق الأوسط من السلاح النووي، وضمنت تفوق إسرائيل العسكري على جيرانها، وزودتها بأكثر من 3 مليارات دولار كمساعداتٍ كل عام، ومارست تأثيرها للدفاع عن إسرائيل ضد أي نقد.

لماذا تؤدي سياسة مقاطعة منتجات المستوطنات لتعزيز الاحتلال؟ ويرى الكاتب أن سياسة مقاطعة منتجات المستوطنات أو تمييزها عن المنتجات الإسرائيلية تعزز الاحتلال والاستيطان.

إذ أن هذه السياسة توهِم بأنَّ الولايات المتحدة تؤدب إسرائيل، ولكنَّها في الواقع تحميها من دفع ثمن تصرفاتها في الولايات المتحدة، بضمان أنَّ تبعات الانتهاكات المستمرة للقانون الدولي لن تتحملها سوى المستوطنات، وليس الحكومات التي أنشأتها.
وبذلك يوجه المعارضون للمستوطنات والاحتلال، الذين لولا الإجراءات الأميركية كانوا سيدعون إلى تحميل إسرائيل بأسرها تبعات هذه الانتهاكات، طاقتهم في اتجاه مُشتَّت عن الغاية الأصلية، تُبرِزُه عناوين الصحف لحجمه، لكنَّه لا يمكنه تغيير سلوك إسرائيل. وبهذا المعنى لا تُسهِم سياسة التمييز، التي يفخر بها ليبراليو أوروبا والولايات المتحدة أيَّما فخر، في الضغط على إسرائيل بقدر ما تعمل على إيجاد بديلٍ له، وبالتالي تساعد في إطالة أمد احتلالٍ يفترض بها أن تضع نهايةً له.

وينتشر الدعم لسياسة التمييز هذه في أوساط الحكومات والليبراليين الصهاينة المستقلين، والجماعات الحقوقية الأميركية مثل جماعة جيه استريت، التي تُصنِّف نفسها بأنَّها أقرب لأحزاب الوسط والوسط اليساري في إسرائيل، والهيئة التحريرية لجريدة نيويورك تايمز. فالتمييز يسمح لهم بالجمع بين موالاة إسرائيل ومناهضة الاحتلال، وهي الرؤية التي تحظى بالقبول في المجتمعات الحريصة على المجاملة.
وبالفعل ثمة رؤى متنوعة بين خصوم المستوطنات، ولكنَّهم جميعاً يتفقون على أنَّ المنتجات الإسرائيلية التي جرى إعدادها في الضفة الغربية ينبغي أن تُعامل معاملةً مختلفة، سواءٌ من خلال وضع علامة عليها تميزها، أو حتى بمقاطعتها بقدرٍ ما.

وفي المقابل فما من جماعة أو حكومة من بين تلك الجماعات والحكومات تدعو إلى تجريم المؤسسات المالية، والشركات العقارية، وشركات الإنشاء والاتصالات، والأهم من ذلك الوزارات الحكومية الإسرائيلية، التي تتربَّح من العمليات التي تجري في الأراضي المحتلة دون أن تكون مقراتها فيها.
فمن شأن فرض عقوبات على تلك المؤسسات أن يغير السياسة الإسرائيلية بين عشيةٍ وضحاها. والحقيقة، حسب الكاتب أنَّ منتقدي الاحتلال روجوا بدلاً منها لبديلٍ غير فعَّال.

يُحاجج مؤيدو التمييز بأنَّه في حين أنَّ اتخاذ إجراءاتٍ تفوق مجرد وضع علامة على منتجات مستوطنات الضفة الغربية له ما يبرره، فإنَّه من غير المتصور أن يجري فرض عقوباتٍ على الحكومة المنتخبة ديمقراطياً رغم إن هذه الحكومة هي التي أنشأت المستوطنات، وشرعنت البؤر الاستيطانية، وصادرت الأراضي الفلسطينية، وقدمت لمواطني المستوطنات الحوافز المالية للانتقال إلى الأراضي المحتلة، وأمدت المنازل المبنية بطريقةٍ غير شرعية بالماء والكهرباء والطرق والصرف الصحي، وقدمت للمستوطنين حمايةً بالأسلحة الثقيلة.

القوة الأميركية

منذ نهاية الحرب الباردة لم تستخدم الولايات المتحدة نوع الضغط الذي دأبت عليه، وإنجازاتها طوال الـ25 سنة الماضية كانت هزيلة بسبب ذلك.
وتشهد أوساط صُنَّاع السياسات في الولايات المتحدة مناقشاتٍ حول الكيفية التي يمكن بها التأثير على إسرائيل، ولكن دون استخدام أيٍ من صور القوة التي بين أيديها، بما في ذلك فرض شروط على تقديم المساعدات تقتضي تغيير السلوك الإسرائيلي، وهي أداة يشيع استخدامها في الأوساط الدبلوماسية ولكن يعتبرها المسؤولون غير واردة في هذه الحالة.

ويشبه الاستماع إلى نقاشهم حول كيفية الوصول إلى طريقة لإنهاء الاحتلال الاستماع إلى سائق جرَّافة يتساءل حول كيفية هدم مبنى باستخدام مطرقة.
ويشير الكاتب إلى أنه ذات مرةٍ قال وزير الدفاع الإسرائيلي السابق موشيه ديان: "أصدقاؤنا الأميركيون يقدمون لنا المال، والسلاح، والنصح؛ نقبل منهم المال، وكذا السلاح، ونرفض النصح". ولم يتضح معنى هذه الكلمات إلا بعد عقودٍ من قولها.