بعد دعم واشنطن للأكراد.. تركيا تتقارب مع الصين.. وهذه نقطة الخلاف الوحيدة بينهما

تم النشر: تم التحديث:
S
s

يتواجد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في واشنطن للقاء الرئيس ترامب، في وقتٍ تشهد فيه العلاقات الأميركية التركية بعض التعقيدات.

وبينما تحدَّث أردوغان عن ترامب بنبرةٍ إيجابية قبل بضعة أشهُرٍ فقط، يبدو أنَّ البلدين يتباعدان عن بعضهما في عددٍ من القضايا السياسية الرئيسية، حسب تقرير لصحيفة "واشنطن بوست".

لكن بغض النظر عن مدى أهمية اللقاء بين الرئيسين في البيت الأبيض، لن تكون أميركا هي الحليف الوحيد الذي يُفكِّر فيه أردوغان، وفقاً لواشنطن بوست.


طريق الحرير


وكان أردوغان قد ذهب إلى بكين في عطلة نهاية الأسبوع الماضي لحضور "منتدى الحزام والطريق" الذي استمر ليومين تلبيةً لدعوة الرئيس الصيني شي جين بينغ.

وفي يوم الإثنين، 15 مايو/أيار 2017، أي قبل يومٍ واحد فقط من زيارته إلى البيت الأبيض، كتب الرئيس التركي سلسلةً من التغريدات، باللغتين الإنكليزية والتركية، كال فيها المديح لخطة التنمية والبنية التحتية الدولية الجديدة التي يرعاها شي جين بينغ.

وقال أردوغان في إحدى تغريداته: "أعتقد أنَّ منتدى الحزام والطريق، والذي سيعيد إحياء طريق الحرير القديم، سيترك بصمته على المستقبل عبر ربط القارات بعضها ببعض".

وكان المنتدى يهدف إلى الترويج للخطة التي تقودها بكين، والتي أُشير إليها بسلسلةٍ من بعض العناوين التي لم تخلُ من المبالغة في بعض الأحيان، حسب تعبير الواشنطن بوست مثل: "حزام طريق الحرير الاقتصادي، وطريق الحرير البحري في القرن الحادي والعشرين"، أو "مبادرة الحزام والطريق"، أو بمنتهى البساطة "حزامٌ واحد، طريقٌ واحد".

وكما توحي الأسماء، فإنَّ الخطة مُستلهمة من طريق الحرير القديم الذي كان يتكون من شبكةٍ من الطرق التجارية، لكن مع إضفاء لمسةٍ عصرية (إذ يُروَّج للخطة أيضاً تحت اسم "العولمة 2.0 أو النسخة الثانية من العولمة"). وتتلخص فكرة هذه الخطة ببساطة في أنَّ الصين تسعى إلى استثمار مئات المليارات من الدولارات لبناء مشروعات بنيةٍ تحتية مثل الموانئ ومحطات توليد الطاقة في كافة أنحاء العالم.

ويبدو نطاق الخطة هائلاً. فوفقاً لبعض التقديرات، فإنَّ حجم الاستثمار الذي ستضخه بكين سيجعل إجمالي استثمارات الولايات المتحدة في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية بموجب خطة مارشال في غاية الضآلة.


28 رئيساً


ولم يكن أردوغان هو السياسي الوحيد الذي مكث في بكين طوال عطلة نهاية الأسبوع. إذ بلغ عدد الرؤساء العالميين الذين كانوا هناك 28 رئيساً، من بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ولم يحضر ترامب المنتدى، إذ لم يقرر سوى في اللحظة الأخيرة إيفاد مُمثِّل رفيع المستوى، وهو ماثيو بوتنغر، وهو أحد المسؤولين المخضرمين في مجلس الأمن الوطني، والخبير في الشؤون الصينية.

ويرى البعض أنَّ حضور أردوغان المنتدى كان إشارةً على أنَّ رفض ترامب بعض اتفاقيات التجارة الدولية، مثل الشراكة عبر المحيط الهادئ، يُضر بمصالح الولايات المتحدة في الساحة العالمية.


من يقود آسيا؟


وكتب إيلي راتنر، وهو متخصصٌ في أبحاث الشؤون الصينية بمجلس العلاقات الخارجية، تغريدةً قال فيها: "يقف شي جين بينغ في المنتصف، ويحيط به بوتين وأردوغان. هل يشعر معارضو الشراكة عبر المحيط الهادئ بالسعادة الآن وهم يرون من يقود قارة آسيا ويتحكم فيها؟".

وترى الواشنطن بوست أن، هذه الحُجَّة تحمل شيئاً من الحقيقة، إذ تسعى بكين إلى ملء الفراغات التي تركتها واشنطن.

وقال توم ميلر، مؤلف كتاب "China’s Asian Dream: Empire Building Along the New Silk Road"، في تصريحٍ لصحيفة واشنطن بوست: "لقد ترك الانسحاب من الشراكة عبر المحيط الهادئ فراغاً في قلب القيادة الاقتصادية بقارة آسيا، ويحاول شي جين بينغ القفز سريعاً لملء هذا الفراغ".

وحتى قبل انعقاد هذا المنتدى، كانت العلاقات الاقتصادية التركية مع الصين تشهد بالفعل حالة من التنامي. ففي عام 2002، حين وصل حزب العدالة والتنمية، الذي ينتمي إليه أردوغان، إلى السُلطة لأول مرة، كان حجم التجارة الثنائية بين تركيا والصين يبلغ مليار دولار فقط سنوياً وفقاً لمعهد الشرق الأوسط. لكنَّ هذا الرقم وصل حالياً إلى 27 مليار دولار. وتساعد الشركات الصينية أيضاً في بناء شبكة سكك حديدية عالية السرعة في تركيا، والتي تزعم وسائل الإعلام الحكومية في بكين أنَّها "ستساعد في تيسير التجارة العابرة للقارات"، وهو ما يشبه إلى حدٍ كبير طريق الحرير الحديث.

لكنَّ مبادرة الطريق والحزام لا تزال بعيدةً عن تحقيق نجاح مضمون. إذ تساور بعض البلدان شكوكٌ عميقة حيال هذا المشروع، وهو ما جعل الهند تعلن مقاطعتها المبادرة حتى الآن، ولا يقتصر قلق النقاد من المشروع على أنَّ الصين هي أكبر المستفيدين منه فحسب، ولكن أيضاً لأن المشروعات العملاقة ستعاني انعدام الكفاءة والفساد.


فتور تركي


وفي الواقع، عادةً ما استقبلت تركيا محاولات الصين المتواصلة منذ أمدٍ بعيد للتقرُّب إليها بفتور، وكان السبب الرئيسي في ذلك هو القمع الذي تمارسه الصين ضد أقلية الإيغور المُسلمة. وكانت هناك مخاوف أيضاً حيال مدى احتمال تأثير التقارب مع بكين على عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، أو آمالها في الانضمام للاتحاد الأوروبي.

ولكن في الوقت الحالي، قد تكون تركيا أكثر تقبُّلاً للمتوددين إليها من خارج الدول الغربية. وساهمت أحداث العام الماضي 2016 بدءاً من محاولة الانقلاب على أردوغان، والصراع المستمر في سوريا، في توتر العلاقات التركية مع حلفائها التقليديين من الدول الغربية، وقضت على تطلعاتها إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي.


الأكراد


وبدا أنَّ أردوغان كان يتمنى فتح صفحةٍ جديدة في ظل إدارة ترامب، غير أنَّ تعهُّد واشنطن بتسليح المتمردين من أكراد سوريا لشن هجومٍ على مدينة الرقَّة، عاصمة تنظيم (داعش) بحكم الأمر الواقع، قد أشعل فتيل التوترات مرةً أخرى.

ولذلك، فإنَّ الصين مستعدةٌ للانقضاض واغتنام الفرصة، ولا يقتصر ذلك على الجانب الاقتصادي. إذ أعرب السفير الصيني لدى تركيا يوم الجمعة ، 12 مايو/أيار 2017، عن استعداد بكين لمناقشة انضمام تركيا إلى منظمة شنغهاي للتعاون، وهي تكتُّل استراتيجي يمكن اعتباره نظيراً للاتحاد الأوروبي تقوده كلٌ من الصين وروسيا.


الإيغور


حتى قضية أقلية الإيغور المسلمين ذوي الأصول التركية التي تحظى بتعاطف أنقره، يبدو أنَّها خضعت لإعادة تقييم.

ولطالما زعمت الصين أنَّ أفراد الإيغور الذين يهربون إلى تركيا- - يُشكِّلون تهديداً أمنياً.
وفي الشهر الماضي، أبريل/نيسان 2017، صرَّح السفير السوري لدى الصين لوكالة رويترز بأنَّ هناك أكثر من 5 آلاف فرد من الإيغور يقاتلون في صفوف الجماعات المُسلَّحة في سوريا.

وحسب تقرير لموقع راديو "سوا" الأميركي أبلغ الرئيس الصيني شي جينبينغ نظيره التركي رجب طيب أردوغان بضرورة أن يعزز البلدان تعاونهما في مجال مكافحة الإرهاب، وسط قلق صيني من ظاهرة الجهاديين الإيغور الذين يقاتلون التنظيمات الإرهابية، بحسب ما أفادت به وكالة رويترز الأحد 14 مايو/أيار 2017.

ونقلت وزارة الخارجية الصينية عن شي قوله لأردوغان إنه "من أجل تشجيع زيادة تطوير العلاقات بين الجانبين، على كل من الصين وتركيا احترام المصالح الأساسية للطرف الآخر والاهتمام بها وتعميق التعاون في مجال الأمن ومكافحة الإرهاب"، وذلك على هامش اجتماع قمة بشأن خطة الصين المتعلقة بطريق الحرير الجديد.

والإيغور هو الاسم الذي يطلق على الأقلية المسلمة في الصين، وهي ذات أصول تركية ويقطن أفرادها في إقليم شينجيانغ، غرب الصين.

ويعاني الإيغور مما يصفونه بأنه "اضطهاد" تمارسه الحكومة الصينية عليهم، من خلال التضييق على عاداتهم وعلى حرياتهم الدينية.

وسافر المئات وربما الآلاف من أبناء الأقلية الصينية المسلمة إلى تركيا التي يرى كثيرون أنهم يرتبطون بها بعلاقات دينية وثقافية.

وكانت وكالة أسوشيتد برس قد ألقت الضوء على "الجهاديين الصينيين" في سوريا ودورهم في الحرب الأهلية المستعرة هناك منذ حوالي سبع سنوات، مشيرة إلى مخاوف الحكومة الصينية من عودتهم إلى بلادهم.

وقال التقرير إن دور المقاتلين الصينيين الذين يعملون تحت لواء "حزب تركستان الإسلامي" ولا يتحدث الكثيرون منهم العربية "غير واضح للعالم الخارجي، لكنهم منظمون ومقاتلون أشداء ولعبوا دوراً كبيراً في الهجمات البرية ضد قوات الرئيس السوري بشار الأسد في المناطق الشمالية".

وأكد التقرير أن الآلاف منهم قدموا إلى سوريا منذ بدء الحرب عام 2011 للانضمام إلى صفوف المعارضة،

وحالياً، تعمل غالبية المقاتلين الصينيين في سوريا تحت مظلة "حزب تركستان الإسلامي" الذي تتألف غالبيته العظمى من مسلمين صينيين.

في المقابل ، ذكرت تقارير أنَّ أردوغان وافق على وضع إطارٍ لتعميق تعاون تركيا مع الصين في مجال مكافحة الإرهاب، وفقاً لما جاء في "الواشنطن بوست".

وقال أردوغان في خطابٍ ألقاه يوم الأحد الماضي، 14 مايو/أيار 2017، إنَّ مبادرة الحزام والطريق "ستكون مبادرةً قادرة على استئصال كافة جذور الإرهاب تقريباً".

ولذا ليس من الغريب أن يقول تقرير لموقع ترك برس يبدو أن بكين وأنقرة تعزلان قضية الإيغور، وتسيران قدماً في التعاون الاقتصادي عبر طريق الحرير الجديد.

ويُسلِّط التآلف الجديد بين تركيا والصين الضوء على بعض التناقضات في سياسة ترامب الخارجية. فحين كان ترامب لا يزال مُرشَّحاً، كان يتباهي بقدرته على إبرام الصفقات، غير أنَّ هذه القدرة البلاغية في الخطابات عادةً ما تتعارض مع سياساته الاقتصادية الحمائية.
وربما لم تعد أميركا هي القوة الوحيدة في المنطقة، ولا يخفى ذلك على قادة دول العالم، مثل أردوغان.