ثروة لا تقدَّر بمال.. بثمنٍ بخس تُباع حفريّات المغرب التي ترجع إلى ملايين السنين.. ولهذه الأسباب يسعى إليها العلماء من كلّ مكان

تم النشر: تم التحديث:
MORO
Alamy

تعد الآثار والحفريات من أهم المعالم الثقافية التي تحافظ عليها البلدان والشعوب ولا تفرط بها أبداً، لكن هذا الأمر يبدو غير ذلك في المغرب المليء بالحفريات والمعالم الجيولوجية التي تعود لملايين السنين.

وفي تقرير لصحيفة لاباس الإسبانية، رصدت تجارة الحفريات التي يعتمد عليها عدد كبير من سكان المغرب، ولكن هؤلاء المستفيدون من هذا الأمر لا يستفيدون كما ينبغي بل يفرطون في ثروة البلاد بثمن بخس.

ويقول بن عاقلة صادقي هو رجل نحيف، يداه خشنتان، وأدرد ويبدو في منتصف العقد السادس، إلا أنه يقول أن عمره 45 عاماً فقط.

هذا الرجل المغربي من مدينة أرفود، جنوبي شرق البلاد، يعمل في حفرة على عمق 5 أمتار والتي حفرها بضربات المِعول والمجرفة.

يستطيع صادقي تسلق الأنقاض برشاقة مذهلة صاعداً على الجدران.

استغرق الأمر شهراً لعمل الحفرة، ومازال عليه متابعة حفر عدة أمتار أفقية حتى يجد ما يبحث عنه.

يستمر الرجل في العمل بهذه الطريقة حتى أثناء فصل الصيف مع وصول درجة الحرارة إلى 40 درجة مئوية أثناء النهار، والسبب كما يقول بالفرنسية لمراسل El País "هذا ما عليّ عمله كي أحصل على قوت يومي".

منذ حوالي 450 مليون عام، كانت الصحراء الكبرى هي قاع المحيط في المنطقة المحيطة بالقطب الجنوبي مُكوّنة جزءاً من القارة العملاقة غوندوانا.

شواطئ مشابهة للقارة القطبية

www

كانت الشواطئ شبيهة بالقارة القطبية الجنوبية الحالية، وهناك كانت تعيش ترايلوبيت أو ثلاثية الفصوص، وهي حيوانات مفصلية الأرجل كان لها عيون كريستالية وهيكل عظمي خارجي حتى تستطيع حماية أنفسها من الحيوانات المفترسة، والرأس قدميات، ورأسيات الأرجل التي تشبه حباراً له صدَفة، والمحاريات ذات الصدفتين والتي تشبه الموجودة في عصرنا الحالي.

كل هذه الحيوانات وأكثر قد انقرضت منذ مئات الملايين من الأعوام، لكن حفرياتها لا تزال في باطن الأرض وتصل أعدادها إلى الملايين.

صادقي هو واحد من مئات الباحثين عن هذه الحفريات في المنطقة الصحراوية في جبال الأطلس الصغير في المغرب، يبحث عن الكرينويدس أو زنابق البحر، وهي حيوانات بحرية تتميز بسويقتين وكؤوس ملونة.

يقول صادقي "يعتمد السعر على حجم الحفرية، فمثلاً القطعة الجيدة يكون ثمنها حوالي 3000 درهم مغربي، ما يساوي 300 يورو".

ويضيف "أحياناً قد أقضي عدة أشهر في البحث دون العثور على أي شيء".

هؤلاء العمال هم الأيدي العاملة الرخيصة التي تعتمد عليها عمليات بيع وشراء الحفريات في السوق المغربي، والذي يعد أحد أهم الأسواق على مستوى العالم.

في مدن أرفود وألنيف وريصاني، توجد العديد من المتاجر حيث يمكن شراء ثلاثية الفصوص بحجم كف اليد مقابل 1 يورو، وتباع في صناديق مقابل 200 يورو، وهناك ألواح بها الكثير من الحفريات تباع مقابل 1000 يورو.

حتى قمم المطابخ وأحواض الغسيل مصنوعة من الحجر الجيري الكامل للحيوانات المنقرضة.

بمجرد خروج هذه الحفريات خارج البلاد، تُباع القطعة مقابل عشرات الآلاف من اليورو على الإنترنت.

كل هذا النشاط الذي يوفر مصدر رزق للعديد من الأسر، ليس منظماً؛ إذ تخرج كميات كبيرة من هذه الثروة إلى خارج البلاد دون المرور على سلطات المراقبة في أغلب الحالات.

وسط سحب الغبار الخانق، هناك عمال يغطون وجوههم وأعينهم بالمناديل والنظارات ويقومون بقطع ألواح من الحفريات لبيعها لاحقاً.

الفنيون هم الحلقة التالية في هذه السلسلة، وهم كفاءة من بينهم يستخدمون خراطة شبيهة بالتي يستخدمها أطباء الأسنان وأدوات الصقل التي تطلق رمالاً ناعمة لفصل الحفريات من الصخور دون الإضرار بهيكلها الأساسي.

بالإضافة إلى المتاجر المتاحة للعامة، هناك تجار يعملون لحسابهم الشخصي ولديهم متاجر يبيعون فيها مخالب الديناصورات مقابل 250 يورو، وفكي نوع منقرض من الحيتان مقابل 1500 يورو، وتباع الفؤوس المنحوتة من الصخر والتي استخدمها الإنسان قبل آلاف السنوات مقابل 50 يورو للواحدة.

يكون السعر في هذه المتاجر على الأقل ضعف السعر مقارنة بالسعر عند الشراء من العمال، وقد يكون أكثر من هذا.

قبلة العلماء والباحثين

sss

يتوافد العلماء والباحثون من جميع أنحاء العالم لدراسة واستكشاف هذه الآثار بالغة الأهمية.
هذه هي إحدى طرق دراسة علم المتحجرات والتي تبدأ في متاجر أو معارض أوروبا والولايات المتحدة.

يسأل الباحثون الباعة عن أصل هذه الحفريات الفقارية واللافقارية.

تقود الدروب إلى جنوب المغرب حيث العديد من المحاجر، وإذا حالفهم الحظ يكون البائع من السكان
المحليين الذي يستطيع إرشادهم إلى الموقع الذي تعود إليه الأحفورية المقصودة وقد يُسمح لهم بالحفر والتنقيب.

فقط هناك شرط واحد؛ وهو أن تدفع لهم ما يريدون من المال.

يقول خوان كارلوس غوتيريس ماركوس، الباحث في المجلس الأعلى للدراسات العلمية، إنه بفضل تجارة الحفريات تم العثور على ما يقرب من ألف نوع جديد من اللافقاريات المنقرضة.

بسيارة دفع رباعي، يذهب هذا الباحث كل عام في رحلة ذهاب وعودة من مدريد إلى المغرب لمعرفة ما إذا قد اكتُشفت أنواع جديدة من الحفريات ولشرائها، كما يقوم بالتنقيب بنفسه في الأماكن التي لم يتم استكشافها بعد.

وصف الباحث ثلاثة أنواع جديدة ومازال لديه 7 أنواع لم يقم بدراستها بعد.

في هذا الموقع من المغرب، توجد مساحات شاسعة من طبقات الصخور التي تعود إلى العصر الكامبري، الأوردوفيكي، السورلياني، والديفوني؛ وهي عصور جيولوجية قديمة تتراوح ما بين 540 مليون عام و350 مليون عام.

عدم وجود غطاء نباتي فوق هذه المنطقة من المغرب يجعلها المكان الأمثل في العالم للعثور على الحفريات.

ويقول الدكتور غوتيريس ماركوس "بالوتيرة الحالية لاستخراج الحفريات، لن ينفذ المخزون الحالي قبل عدة قرون قادمة".

أحدث الاكتشافات العلمية في المنطقة هي التي أُطلق عليها Aegirocassis benmoulae، وهي مفصليات بحرية عملاقة، طولها حوالي مترين، وربما كانت أكبر الحيوانات حجماً قبل حوالي 480 مليون عام.
هذا المكان بالإضافة إلى صخور الشيست الشهيرة في كندا وأخرى شبيهة في الصين، هذه الأماكن استثناء في العالم؛ لقدرتها على الاحتفاظ بحفريات هذه الحيوانات وغيرها من نفس النظام البيئي في حالة ممتازة.

محمد بن مولاي راعي جمال عمره 63 عاماً، تحوّل إلى باحث عن الحفريات.

عثر بن مولاي على الأنومالوكاريديديات الأولية وقام ببيعها إلى إبراهيم طاهري، واحد من أكثر تجار الحفريات ثراء في المنطقة.

قام طاهري بإطلاع بيتر فان روي وزملائه الباحثين في جامعة ييل العريقة في الولايات المتحدة على هذه الحفريات؛ واستطاعوا دراسة ونشر معلومات جديدة حول هذا النوع.

جميع الحفريات التي درسها هؤلاء الباحثون كانت من استخراج بن مولاي.

يقول فان روي "بين عامي 2009 و2014، باع مولاي أطناناً من الحفريات المستخرجة من الحجارة إلى متحف بيبودي في جامعة ييل للتاريخ الطبيعي، وصل عددها إلى 10 آلاف قطعة مقابل 210 ألف دولار أميركي".

تمت الدراسة الأهم حول هذا النوع المكتشف حديثاً بواسطة فان روي وديريك بريغس، الخبير الجيولوجي المخضرم في جامعة ييل والمدير السابق لمتحف بيبودي، ونُشرت الدراسة في مجلة Nature العلمية المرموقة.

أشار فان روي إلى أهمية نشاط مولاي التجاري والذي بدونه لم يكن فريق العلماء ليتمكن من استخراج الحفريات مثلما يفعل الرجل.

فيما بعد وافق الرجل على بيع العينات بسعر أقل للعلماء.

أطنان الحفريات

ssss

يعترف الباحث بأن هذا السعر يعد صفقة رابحة بالنظر إلى كمية العمل اللازم لاستخراج أطنان الحفريات.

ويضيف "بالإضافة إلى ييل، اشترى متحف أونتاريو الملكي (كندا) هذا النوع من الحفريات من بن مولاي، وتستعد عائلته لبيع المزيد منها للمتاحف الأوروبية".

ويرى الباحث أن هناك نوعاً من عدم المساواة بين مستخرجي الحفريات الذين يقومون بعمل شاق وبين أقطاب هذا المجال أمثال طاهري.
ويُضيف "هذا التاجر الذي يمتلك واحداً من أكبر متاجر بيع الحفريات في أرفود، لديه من المال ما يمكنه من السفر للولايات المتحدة لبيع بعض من حفرياته للهواة وجني المزيد من الأموال".

ويؤكد "في معارض البيع بالولايات المتحدة، تصل مكاسب طاهري إلى نصف مليون دولار في الأسبوع الواحد".

رفض طاهري المشاركة في هذا التقرير الذي أعدته El País.

حسناء شناوي هي عالمة جيولوجية في جامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء، والأمين العام لجمعية حماية التراث الجيولوجي في المغرب.

تقول شناوي إن عمليات استخراج الحفريات دون رقابة ليست حالات فردية.

في الشهر الماضي، بيعت حفرية لهيكل عظمي شبه كامل لبلياسور بحري طوله 9 أمتار في مزاد علني في باريس بمبلغ 350 ألف يورو.

هذه الحفرية التي يبلغ عمرها 66 مليون عام، تعود إلى مناجم خريبكة جنوب شرقي المغرب، ولا يعرف الخبراء كيف أمكن إخراجها من البلاد.

تضغط منظمة شناوي على الحكومة المغربية من أجل التدخل لوقف عمليات البيع، ولكن حتى الآن لم تعد الحفرية إلى البلاد، وفقاً لشناوي.

تقول العالمة الجيولوجية "كيف يمكن أن يكون بلد غني بهذا التراث الجيولوجي مثل المغرب لا توجد به قوانين لتنظيم الاستخراج وحماية هذه الآثار". وتضيف "بسبب عدم وجود القوانين فإن كل ما يُستخرج لا يبقى في البلاد".

منظمة حسناء شناوي لا تدعو لحظر هذه التجارة أو منع استخراج الحفريات، خاصة أن هذا المجال يمثل مصدراً للرزق لعائلات كثيرة، ولكنها تسعى لوجود دور حكومي ووضع قوانين تنظم السماح بالاستخراج والبيع، وتضمن حقوق العمال، وأيضاً من أجل إنشاء متاحف عامة والتي بدورها سوف تمثل مصدراً للجذب السياحي والتنمية المستدامة في المنطقة، وتعزيز التأهيل العلمي لسكانها، وكذلك من أجل منع بيع الحفريات التي تمثل قيمة عالية.

وفقاً لشناوي، توقف تطوير هذا القانون في الأشهر الأخيرة، والذي كان من المقرر تنظيمه من قبل وزارة الطاقة والمعادن والماء والبيئة.
وتضيف "أعتقد أن الحكومة خائفة من الضوضاء الإعلامية حول قضية بيع البلياسور، بالإضافة إلى ضغط الباعة والتجار".

حاولت الصحيفة معرفة موقف الحكومة المغربية، ولكن بلا جدوى.