لدعم الدولة أم لمساندة المسيحيين؟.. أقباط مصر يكشفون الهدف من وراء زيارة بابا الفاتيكان للقاهرة

تم النشر: تم التحديث:
POPE FRANCIS
Tony Gentile / Reuters

"أتمنى أن تكون هذه الزيارة بمثابة عناق تعزية وتشجيع لمسيحيي الشرق الأوسط ورسالة صداقة لجميع سكان مصر".. هكذا تحدث البابا فرانسيس عن زيارته المرتقبة لمصر، الجمعة 28 أبريل/نيسان 2017، والتي تستغرق يومين، في زيارة محفوفة بالتعقيدات السياسية والأمنية بمصر، وهو الأمر الذي يطرح تساؤلات عن حجم آمال وتوقعات أقباط مصر لتلك الزيارة.


الزيارة للدولة وليس للأقباط


وعن إيجابيات الزيارة للشعب القبطي بمصر، قال الأب رفيق جريش، المتحدث باسم الكنيسة الكاثوليكية في مصر، إن زيارة البابا فرانسيس ليست من أجل الشعب القبطي، ولكنها زيارة من أجل الدولة المصرية، ودعمها في مواجهة الإرهاب وتقديم التعازي في ضحاياه.

وأوضح أن زيارة البابا لمصر لا تهدف إلا لدعم الدولة فقط، حتى مؤتمر الأديان الذي أعلنته مؤسسة الأزهر تم ترتيبها على شرف زيارة البابا، والتي تم إعلانها قبل إعلان هذا المؤتمر.

جريش ذكر لـ"هاف بوست عربي"، أن وجود قائد كبير وروحي مثل البابا وموافقته على الوجود بمصر في ظل تلك المخاطر الأمنية- رسالة للعالم بدعم الدولة المصرية، وليس الأقباط فقط، والكنيسة الكاثوليكية التي يرأسها البابا فرنسيس لا تمثل سوى 1% من أقباط مصر، فلا مجال عن زيارة تخص ديانة أو طائفة بعينها؛ بل إنها زيارة سلام.

واستبعد المتحدث باسم الكنيسة الكاثوليكية في مصر وجود أي مساعدات مالية لضحايا التفجيرات يتم منحها من البابا، مشيراً إلى أن الدولة المصرية ليست بحاجة لهذا الأمر.


زيارة إلى ساحة الحرب على المسيحيين


وقبل الزيارة بـ24 ساعة، وصفت جريدة الغارديان البريطانية، في تقريرها عن الزيارة، الاعتداءات التي تتعرض لها الكنائس المصرية بأنها حرب على المسيحية، وأن الأقباط يعيشون في حالة نفسية سيئة بمصر وصفتها بأنها "مزاج قاتم".

وعن واقع الأقباط بمصر قبل الزيارة، رصد التقرير ظاهرة التهجير القسري لأقباط مدينة العريش الساحلية في شمال سيناء، بعد استهدافهم من تنظيم "الدولة الإسلامية"، وسرد رامي ياسر لبيب ما حدث مع صديقه وائل يوسف، أول ضحية لسلسلة من الهجمات على المسيحيين الأقباط من قبل داعش هذا العام، حيث كان في المنزل عندما سمع طلقات نارية في الشارع، وخرج ليكتشف أن صديقه قد استهدفه مسلحون من تنظيم "الدولة الإسلامية" بـ3 رصاصات قتلته أمام زوجته وابنه في الشارع.

ما حدث ليوسف دفع لبيب ومئات الأشخاص الآخرين إلى مغادرة مدينتهم بحثاً عن سلامتهم، ودفعهم الخوف إلى الهرب بالملابس التي كانوا يرتدونها فقط كما جاء بـ"الغارديان"، زاد من حجم النازحين فيديو داعش في فبراير/شباط الماضي وتعهُّده بشن حرب طائفية على غرار ما يحدث بالعراق وسوريا.

وعن تفاصيل الحرب، رصدت الغارديان الاستهدافات المتلاحقة على الأقباط خلال الأشهر الأربعة الماضية وإعلان داعش مسؤوليته عن تلك الهجومات؛ بداية من تفجير كنيسة بالقاهرة في ديسمبر/كانون الأول الماضي أسفر عن مقتل 29 شخصاً، وصولاً إلى اعتداءين في 9 أبريل/نيسان، واستهدف منفذان انتحاريان كنيستين قبطيتين في الإسكندرية وطنطا، ومقتل 45 شخصاً، واصبح شعور المسيحيين بأنهم يتعرضون لحرب كما جاء على لسان والد صبي يبلغ من العمر 16 عاماً، وهو جمال غابرييل الذي قتل ببشاعة في إحدى قرى مصر.


مشاركته وجدانية فقط.. والمساعدة من الرب فقط


"المشاركة الوجدانية تخفف آلامي، وهكذا أشعر مع وجود بابا الفاتيكان بيننا.. ولكن الرب وحده هو القادر على إرجاع شعوري بالأمان في بلدي".. هكذا تحدثت مريم رمسيس في بداية العقد الثاني من عمرها، والتي فقدت خطيبها ووالدها في تفجير كنيسة مارجرجس في مدينة طنطا شمال القاهرة.

مريم، ذكرت لـ"هاف بوست عربي" أنها فقدت الثقة بالجميع، والآن تبحث عن شعور الأمان في تعاملها مع المجتمع، وليس لديها ثقة باستمرار الاستنفار الأمني الذي يحدث عقب التفجير ولا يستمر بعد ذلك، مشيرة إلى أنها ليس لديها ما تطلبه من بابا الفاتيكان، قائلة "لن أطلب شيئاُ من أحد سوى الرب وهو هيتصرف".

ووفقاً لما صرح به المتحدث باسم الفاتيكان، فإنه "من المقرر خلال الزيارة أن يتوجه البابا فرانسيس بصحبة بابا الأرثوذكس تواضروس الثاني لزيارة كنيسة القديس بطرس وسانت بول التي استهدفت في ديسمبر/كانون الأول، وذلك من إقامة الصلاة على أرواح جميع ضحايا هذه السنوات والشهور الماضية والصلاة من أجل قتل المسيحيين".


فرانسيس يبتعد عن السياسة وزار دولاً شمولية أخرى قبل مصر


رامي كامل رئيس مؤسسة اتحاد ماسبيرو للتنمية وحقوق الانسان، يوضح أن الزيارة ليس لها أي بعد سياسي، واستفادة الأقباط ستكون في صلاة البابا من أجلهم فقط، والدولة المصرية هي المستفيد الأكبر من تلك الزيارة في ظل وجود مليار و300 مليون كاثوليكي حول العالم يتابعون وجود الراعي الديني لهم في مصر.

كامل أوضح في حديثه مع "هاف بوست عربي"، أن البابا فرنسيس يتجنب البعد السياسي في تحركاته على عكس من سبقه على كرسي الباباوية، والدليل أن المتابع لتحركاته بين الدول منذ توليه منصبه يجد أن الكثير من زياراته شملت دولاً خاضعة للحكم الشمولي مثل مصر.


الزيارة دعم للدكتاتورية


ولكن هناك من يختلف مع رأي رامي كامل، وداخل تقرير الغارديان كان هناك إشارة إلى هذا البعد السياسي ودعم الزيارة السياسي للرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث ذكر التقرير أن السيسي قدم نفسه كمدافع عن الطائفة المسيحية في مصر، لكن العديد من الأقباط لهم رأي مختلف، حيث يتحدثون عن أنه رغم وجود عسكري كثيف، فإن المستوى الأمني في الواقع غالباً ما يكون متراخياً، والتحقيقات في التفجيرات خاطئة والملاحقات القضائية نادرة، والحكومة المصرية تفشل في حمايتهم.

ونقلت الغارديان عن الكاهن الكاثوليكي ألكسندر لوسي سميث، قوله إن السيسي لديه المزيد من المكاسب من اجتماعه مع البابا مثل كل ديكتاتور آخر، والجنرال السيسي يستفيد من الشرعية البابوية التي توفر الشرعية الأخلاقية بطريقة لا يستطيع أي رئيس دولة زائر آخر أن يفعلها.

وأشار التقرير إلى أنه في السنوات الأربع الماضية التي حكم فيها السيسي مصر، ارتفعت مصر من 25 إلى 21 في الترتيب الدوري للدول التي يواجه المسيحيون فيها الاضطهاد، وفقاً لما رصدته جمعية الأبواب الخيرية المفتوحة.


دعم السيسي من دعم الأقباط


"استهداف الأقباط في مصر ليس لسبب طائفي، ولكنه استهداف سياسي لإبعاده عن معسكر 30 يونيو/حزيران".. هكذا تحدث المفكر القبطي كمال زاخر، عن أهمية زيارة البابا ودعمها السياسي للرئيس عبد الفتاح السيسي.

زاخر قال لـ"هاف بوست عربي"، إن التفجيرات الثلاثة التي حدثت منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي واستهداف كنائس مصرية- كانت تهدف إلى منع حدوث تلك الزيارة، وهو ما يشير إلى إدراك الجهات التي تقف خلفه عن أهميتها ودعمها للسيسي والأقباط في ظل المصداقية التي يتمتع بها بابا الفاتيكان في العالم.

"كنت في جولة بمحافظة المنيا جنوب القاهرة، وكان لدى شباب الأقباط تطلعات إلى أن تستمر جهود التقارب بين الكاثوليك الذين يمثلهم البابا فرنسيس، والأرثوذكس ويمثلهم بابا الإسكندرية؛ من أجل توحيد روحي للمسيحيين في العالم، وهي محادثات بدأها البابا شنودة لتقريب المسافات بين الكنيستين والوصول إلى وحدة مسيحية في يوم من الأيام حتى ولو على المستوى الروحي فقط".


الزيارة ستنتهي والواقع لن يتغير


لبيب، أنهى حديثه مع الغارديان خلال وجوده وعائلته مع الأقباط النازحين من سيناء حيث يعيشون في مدينة الإسماعيلية، بعدم تأكده أن الزيارة ستسهم في العودة إلى ديارهم بالعريش، قائلاً: "الواقع أن شقتي المؤقتة الآن تطل على بحيرة ضخمة من مياه الصرف الصحي، ولكن لا أستطيع أن أشكو وأنا لا أمتلكها؛ فقد أعطيت لي كتعويض".

وأعرب لبيب عن أمله أن تزيد زيارة البابا من التبرعات الخيرية لمساعدة الأسر النازحة، لكنه شكك في حدوث تغيير جوهري مع وجود البابا فرنسيس بمصر قائلاً: "زيارة البابا لن يكون لها أي تأثير محلياً؛ بل إنها رسالة سياسية دولية بأن مصر آمنة، المشاكل لدينا محلية جداً، وهذا لن يغير شيئاً".