الخروج الكبير لـ"جهاديي داعش" من سوريا.. مقاتلون أجانب يغادرون "الخلافة" فهل هدفهم الأمان أم الانتقام؟

تم النشر: تم التحديث:
SYRIA ISIS
Stringer . / Reuters

هل اقتربت نهاية داعش أم أن التنظيم سيتحول إلى شكل جديد أكثر خطورة؟ فقد كشفت صحيفة الغارديان البريطانية أن أعداداً كبيرة من المقاتلين الأجانب من مؤيدي داعش، تتجه نحو الحدود التركية في محاولة للفرار من "الخلافة الإسلامية" المزعومة.

وحسب هذا التقرير الحصري الذي نشرته الغارديان البريطانية، الخميس 27 أبريل/نيسان 2017، فإن من هؤلاء المقاتلين بريطانيَّين ومواطناً أميركياً على الأقل يفرون في هروب جماعي جفف ينابيع صفوف التنظيم الإرهابي التي خلت من المجندين والمقاتلين.

الأسبوع الماضي، استسلم لشرطة الحدود التركية كلٌ من ستيفان أريستيدو البريطاني (من إنفيلد بشمال لندن) مع زوجته البريطانية، وكيري بول كليمان (من فلوريدا الأميركية)، وذلك بعد أكثر من عامين أمضاهما الثلاثة داخل مناطق سيطرة داعش، حسبما أكدت المصادر لـ"الغارديان" البريطانية.

وكانت الأسابيع الأخيرة قد شهدت فرار العشرات من المقاتلين الأجانب الذين ألقي القبض على معظمهم في أثناء عبورهم الحدود التركية، فيما تتهاوى "الخلافة" الداعشية وتنهار سيطرتها على الأراضي في سوريا والعراق. لكن عدداً غير معروف منهم يُعتَقدُ أنهم تمكنوا من الإفلات من أعين خفر الحدود والعبور إلى الداخل التركي.

قصة البريطاني والأميركي

استسلام البريطاني أريستيدو (وهو في أواسط العشرينات من العمر)، وزوجته البريطانية (وهي من أصل بنغالي) مع الأميركي كليمان ذي الـ46 عاماً، كان في مدينة كِلِس التركية الجنوبية الحدودية؛ وأفاد المسؤولون الأتراك بأن الأميركي كان قد وصل الحدود مع زوجة سورية له وامرأتين مصريتين قُتِل زوجاهما في سوريا أو بالعراق.

وقال أريستيدو إنه كان قد سافر إلى سوريا بغرض الاستقرار فيها، لا القتال؛ وأضاف المسؤولون أنه اعترف باتخاذه مدينتي الرقة والباب مسكناً له، حيث معروفٌ أن كلتا المدينتين كانت من معاقل تنظيم داعش حتى سقوط مدينة الباب في وقت سابق من هذا العام على يد قوات معارضة سورية مدعومة تركيّاً.

واختفى أريستيدو في أبريل/نيسان 2015 بعدما استقل طائرة إلى لارنكا القبرصية؛ وتحدث جيرانه إلى الغارديان قائلين إنه تحول إلى ارتداء الأزياء "الإسلامية" قبيل مغادرته إلى قبرص بوقت قصير.

وقالت متحدثة باسم مكتب الخارجية والكومنولث البريطانيين: "إننا على اتصال بالسلطات التركية، نتابع توقيف رجل بريطاني على الحدود السورية-التركية".

ويبدو أن السلطات التركية أطلقت سراح المرأة البريطانية رغم إمكانية توجيه تهم لها، حيث يسعى مدّعون عامون في البلاد إلى إنزال عقوبة حبس تتراوح بين 7.5 و15 عاماً للرجل البريطاني والمواطن الأميركي إن ثبتت عليهما التهم.

كذلك، تنتظر البريطانيَّ تهمٌ أخرى في بلده بريطانيا إن تم تسليمه لها، حيث ينص قانون الإرهاب في المملكة المتحدة على معاقبة أي مواطن بريطاني من مقاتلي داعش يلقى القبض عليه بعقوبات قد تصل للسجن مدى الحياة حداً أقصى؛ حيث تحال قضايا وملفات العائدين من سوريا أو العراق بشكل مباشر إلى الشرطة؛ من أجل الفحص وتقييم مدى الخطورة والتهديدات التي قد يشكلها هؤلاء العائدون مع النظر في جرائمهم التي ارتكبوها.

وكان كليمان قد اعتنق الإسلام بعد طلاقه من زوجته الأولى حسبما روت والدته، ثم انتقل إلى مصر عام 2011 ليتزوج هناك مصرية؛ ثم بعدما انهار زواجه الثاني أيضاً انتقل إلى دبي وتزوج زوجته الحالية التي هي سورية، ورُزقا بـ3 أطفال، وعمل كليمان في قسم التقنية المعلوماتية بمدرسة.

وقالت عائلة كليمان يوم الأربعاء، إنه وأسرتَه سافروا إلى سوريا صيف عام 2015 من أجل الاشتراك في المساعدات الإنسانية؛ لكنه بعد وصوله إلى سوريا أدرك أن المعلومات التي قادته إلى هناك لم تكن سوى "أكذوبة كاملة"، حسبما قالت والدته. وسرعان ما شاب الغموضُ والحيرةُ وضعَه في عين عائلته بأميركا، حيث قالوا إنه كان مؤخراً على اتصال بالمسؤولين الأميركيين في تركيا وإأنه كان ينوي الوصول إلى السفارة الأميركية هناك؛ بغية العودة إلى الولايات المتحدة.

وأفاد أقرباؤه بأنهم أخطروا مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي الـ(إف بي آي) منذ 18 شهراً، أن كليمان قد يكون في خطر، فردّ عليهم عميلٌ في المكتب بأن الـ"إف بي آي" بحاجة أولاً للتحقق من أن كليمان لم يتورط في أعمال خاطئة، حسبما ذكرت أخته بريندا كمينغز، التي قالت إنها "أيدت تماماً" حذرَ رجالِ المباحث الفيدرالية.

زراعة الشعر

وكانت جريدة "الصن" البريطانية قد كشفت، حسبما نقل عنها موقع قناة "العربية"، أن مقاتلي تنظيم داعش يلجأون إلى طريقة جديدة، من أجل تغيير أشكالهم والتخفي عن أعين أجهزة الأمن وتتمثل بزراعة الشعر في عيادات طبية بتركيا تستقطب زبائنها يومياً من مختلف أنحاء العالم.

وانكشفت هذه الحيلة أخيراً، بعد أن تمكنت أجهزة الأمن التركية من إلقاء القبض على اثنين من مقاتلي "داعش" كانا ضمن المطلوبين، الذين عبروا الحدود إلى الأراضي التركية قادمين من سوريا بغرض زراعة الشعر، تمهيداً لتغيير أشكالهم والتنكر بشكل كامل بما يُبعد أعين أجهزة الأمن عنهم.

وتبين أن الاثنين اللذين تم اعتقالهما خلال عملية لزراعة الشعر في تركيا يحملان الجنسية الألمانية، وهما عدنان سوتكوفيك وزولهاجرات سيديني

ووجهت لهما الشرطة في تركيا تهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية، وتزوير وثائق رسمية، إلا أنهما نفيا التهم الموجهة لهما بالكامل، وزعما أنهما لا يعرفان شيئاً عن تنظيم داعش، ولم يسمعا به إلا من خلال وسائل الإعلام.

واكتفى الرجلان بالقول أمام الشرطة إنهما "ذهبا إلى سوريا من أجل تقديم المساعدة للناس هناك"، وذلك على الرغم من أن سوتكوفيك كان قد ظهر في تسجيل فيديو دعائي بثه تنظيم داعش قبل فترة، كما ظهر حاملاً عَلم التنظيم في الفيديو.

تقلُّص وأمل في العودة

من جهة أخرى، أكدت مصادر داخلية في تنظيم داعش، مِن آخر معاقله السورية، لـ"الغارديان"، أن صفوف التنظيم تعاني تقلصاً سريعاً في أعقابِ تقدّم الهجمة البرية نحو أعتاب الرقة والطبقة شمال شرقي البلاد، حيث كانت المنطقتان مرتعاً يعجّ بالمجنّدين والمقاتلين الأجانب طيلة السنوات الـ4 الأخيرة.

ويقول المسؤولون في تركيا وأوروبا إن عدداً متزايداً من عملاء داعش الذين انضموا إليها منذ 2013 قد أجروا اتصالات بسفارات بلدانهم أملاً في العودة، لكن من المعتقد أن آخرينَ باقينَ على أيديولوجية التنظيم المتطرفة سوف يستخدمون موجة العودة هذه للتسلل إلى تركيا والعبور منها إلى أوروبا؛ لأخذ الثأر والانتقام للخلافة المتهاوية؛ ما يزيد من مخاوف تجدد الهجمات في القارة الأوروبية.

وحسب ظنّ وكالات الاستخبارات الغربية، فإن من بين هؤلاء أعضاء بارزين ينتمون إلى ذراع عمليات التنظيم الخارجية، حيث كان هؤلاء انضموا إلى داعش من عدة بلدان أوروبية؛ منها بريطانيا وفرنسا وبلجيكا، إضافة إلى أستراليا. ويُعتقد أن نحو 250 على الأقل من معتنقي الفكر التطرفي الأجانب قد جرى تهريبهم إلى داخل أوروبا بين أواخر 2014 وحتى منتصف 2016، معظمهم شق طريق عودته عبر تركيا بعد تخطي الحدود التي باتت أكثر تشديداً وتضييقاً الآن.

وقالت الشرطة التركية إنها أجرت سلسلة اعتقالات في وقت سابق من هذا العام 2017، نتج عنها قطع طرق تهريب اعتاد المسير بها المهربون عبر اليونان وبلغاريا؛ لكن مع ذلك يرى مسؤولو المخابرات في المنطقة أن ثمة طرقات ومنافذ أخرى للتهريب ما تزال سالكة رغم كل الجهود لسدها في وجه المهربين والمتسللين.

يقول شيراز ماهر، نائب مدير المركز الدولي لدراسة الراديكالية في جامعة كينغز كوليدج البريطانية: "على أوروبا أن تُبقيَ على حذرها، فالخطر داهمٌ وقد يشتد أكثر في الأشهر والسنوات المقبلة مع تزايد وطأة الضغط على تنظيم داعش".

حرب جديدة

أما مسرور بارزاني، المستشار الأمني لحكومة إقليم كردستان بشمال العراق، فقال: "إن طبيعة القتال ضد داعش سوف تتغير إلى حرب استخباراتية. هزيمة داعش العسكرية تسلبهم الأرض وتحول دون اجتذابهم وتجنيدهم المزيد من المقاتلين الأجانب، وهذا من ثم سيثني ويفتّ حماسة المقاتلين الأجانب عن البقاء في هذه الخلافة المزعومة، فيحاولون في النهاية الهربَ أو الاستسلام".

لكنه تابع قائلاً: "مع ذلك، ينبغي عدم الاستهانة بالخطر الذي قد يشكله المقاتلون الأجانب لدى عودتهم إلى بلدانهم".

ففي أواخر العام الماضي 2016، أُلقي القبض على عضو بارز في تنظيم داعش، أستراليٌ يدعى نيل براكاش، داخل الحدود التركية بعدما استعان بمهربٍ للعبور من سوريا؛ وفي بيان ادعائي حصلت عليه الغارديان، اعترف براكاش بأنه كان قد انضم إلى تنظيم داعش وقاتل في صفوفه في مدينة كوباني (عين العرب) السورية الكردية حيث أصيب فيها، حسبما قال. لكنه نفى أن يكون قد اضطلع بدور أكبر وأعمَّ ضمن التنظيم، وزعم أنه كان قد حصل على إذنٍ من قادة داعش في الرقة لمغادرة التنظيم والتوجه إلى إدلب.

وترى الحكومة الأسترالية في براكاش واحداً من أهم مواطنيها وأبرزِهِم في صفوف المجموعة الإرهابية، وأنه قد تكون له صلة ببرنامجها للطيران دون طيار، وأنه عبر إلى تركيا بنية التسلل إلى أوروبا.

ومع اشتداد وطأة الهجوم على داعش حول مَعقِليها الأساسيين في المنطقة، مدينتي الرقة السورية والموصل العراقية، فقد لجأت المجموعة الإرهابية أكثر فأكثر إلى استخدام الطائرات دون طيار من أجل المراقبة والاستكشاف ومن أجل إلقاء القنابل المحمولة جواً على طلائع الجنود المتقدمين باتجاهها؛ فالطائرات من دون طيار والمزودة بالسلاح باتت سِمةً من سمات الدفاع الداعشي عن مدينة الطبقة (غرب الرقة)، في معركة يبدو أن خسارتها باتت وشيكة لصالح الجنود الأكراد المدعومين أميركياً.

في هذه الأثناء، وصل القتال غرب الموصل بقيادة القوات العراقية إلى طريقٍ مسدود، حيث تمكن داعش من استعادة بعض المناطق التي كان فقدها في الأسابيع الأخيرة؛ حيث بقي التنظيم متحصناً شمال غربي المدينة ومحصوراً في الأراضي الواقعة بين الموصل والرقة، فيما يُعتقد على الأرجح أن قيادة التنظيم انسحبت من تلك المناطق لتتمركز في مدينتي دير الزور والميادين المجاورتين.

30 ألف مقاتل أجنبي

ويُعتقد أن ثمة 30 ألف مقاتل أجنبي قد عبروا إلى سوريا للانضمام إلى القتال في صفوف داعش، وفي تقدير الحكومة الأميركية أن عدداً يبلغ 25 ألفاً منهم قد لقي حتفه. وإلى جانب داعش، فقد انضم نحو 850 مقاتلاً بريطانياً؛ إما إلى التنظيم وإما إلى مجموعات "جهادية" أخرى كـ"جبهة النصرة"، فضلاً عن المشاركة في بعض الحالات في الحرب الدائرة ضد الحكومة السورية ورئيسِها بشار الأسد؛ لكن من المعتقد أن نصف هؤلاء قد عاد إلى بريطانيا وأن 200 قُتِلوا.

يقول شيراز ماهر إن إلحاق الهزيمة العسكرية بتنظيم داعش سيشلّ قدرة التنظيم على التجنيد؛ "فتنظيم داعش اعتمد روايةً من الزخم والنجاح، شعارهم فيها (باقية وتتمدد) الذي صدقه وغُرّرَ ببريقِه كثيرٌ من الشباب اليافعين. الآن مع بداية انهيار (الخلافة) لم يعد لذاك البريق إياه أي أثر، فقدْ فقدَ كلَّ مضائه ومعناه".

وختم قائلاً: "ما ستشهدونه الآن، هو تراجع أعتى أعضاء التنظيم وأشدهم ولاءً له نحو الصحراء فيما تتأهب (الدولة الإسلامية) لمرحلتها المقبلة في هجمة شرسة داخل سوريا والعراق. لكن عدداً كبيراً من مجنّديهم الآتين من أوروبا والغرب سوف يفقدون ثقتهم بالتنظيم وينشقّون عنه أو يسلّمون أنفسهم".