تخاذل اليسار وخيانة اليمين يساعدان لوبان.. هذه السيناريوهات السوداء تنتظر المرشح الشاب ماكرون

تم النشر: تم التحديث:
MARINE LE PEN
Charles Platiau / Reuters

هل تحقق مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان مفاجأة على غرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتفوز بانتخابات الرئاسة الفرنسية، كما توقع منذ أشهر رئيس وزراء فرنسا السابق مانويل فالس.

فقد عم الابتهاج أوروبا واستعادت الأسواق ثقتها فيما أبدت المؤسسة الفرنسية من جديد ثقتها بعدم فوز مارين لوبان بالرئاسة الفرنسية.

لكن مع هذا، ما زالت الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة ترى بصيص نور قد يقودها على الطريق نحو إحراز النصر بالرئاسة في 7 مايو/أيار 2017، حسب تقرير لصحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية.

تعتزم المرشحة لوبان أن تتنازل عن منصب رئاسة الجبهة الوطنية في محاولة منها لكي تبدو أجدر بمنصب رئاسة البلاد، لكن مع ذلك سيستمر جهاز الحزب بإدارة حملتها الانتخابية.


هكذا سيكون شكل المعركة


يقول مسؤولون كبار بالجبهة الوطنية أنهم ينوون تحويل الأسبوعين المقبلين إلى "صراع للحضارات" بين الرابحين والخاسرين في العولمة؛ بين "النخبويين" الذين يدعمون مرشح الوسط المستقل إيمانويل ماكرون وبين "الوطنيين" الذين يدعمون لوبان.

و خلال كلمة لها عقب تأهلها للجولة الثانية، قالت لوبان أنه على الفرنسيين الاتجاه للتغيير الذي يضع وجوهاً جديدة فى السلطة، مردفة: "حان الوقت لتحرير الشعب الفرنسي من النخبة السياسية الحالية".

ويقول ديفيد راشلين مدير حملة الجبهة الوطنية أن أعداد الناخبين الذين تضرروا من سياسات السوق المفتوحة الموالية لأوروبا والتي ينادي بها ماكرون هي أكبر من أعداد الناخبين المستفيدين. ويقول أيضاً "إن الشعب الفرنسي ضد العولمة الماضية بلا هوادة".

بالفعل رغم فوز ماكرون بالجولة الانتخابية الأولى فإن ما مجموعه 49% من الناخبين قدموا أصواتهم دعماً لمرشحين معارضين للاتحاد الأوروبي يناصرون الوطنية الاقتصادية أكثر.

يقول راشلين "في مجال القضايا الفعلية فإن الشعب الفرنسي يؤيدنا".

لكن استطلاعات الرأي تظهر أن الجبهة الوطنية ستواجه طريقاً وعراً محفوفاً بالمطبات والمصاعب التي عليها اجتيازها، من مثل تبديد صورة الحزب التي يملؤها الحقد والعنصرية، ومثل مخاوف من أن يعمد الحزب إلى إخراج فرنسا من منطقة اليورو.

(خريطتان مصدرهما وزارة الداخلية الفرنسية توضحان القاعدة الشعبية الناخبة لكل من لوبان وماكرون بالنسب المئوية، حيث الأبيض أقل من 10%، الزهري بين 10 – أقل من 20%، البرتقالي من 20% - أقل من 30%، والأحمر أكثر من 30%)

وكان استطلاع مفاجئ للرأي أجرته مؤسسة إبسوس في وقت متأخر من الأحد قد أظهر أن ماكرون سيفوز بـ62% من الأصوات يوم الانتخاب النهائي في 7 مايو/أيار، بينما لوبان ستحصد 38%، حيث يحتشد الوسطيون وراء مرشحهم الذي عمل سابقاً في المصارف والبنوك ويبلغ من العمر 39 عاماً.

وفي هذه الأرقام إشارة إلى احتمال تكرار ما حدث في انتخاب عام 2002 عندما كان والد لوبان، المرشح آنذاك جان-ماري لوبان، قد تمكن من العبور إلى الجولة الثانية الانتخابية، بيد أنه هزم بعدما اتفق اليمين واليسار عليه.

وقتها كان لوبان قد حصد في الجولة الأولى 17% لكن لم يفلح بعد أسبوعين إلا بحصد 18%.
يقول دومينيك رينييه، أستاذ العلوم السياسية بمعهد Sciences Po للدراسات السياسية بباريس "ليس مستحيلاً على مارين لوبان أن تفوز، لكنها بحاجة إلى حدث جذري؛ فهي بحاجة لتغيير سياستها حول الخروج من اليورو، أو هي بحاجة لأن يرتكب ماكرون أخطاء فادحة. كذلك قد ينفعها شعور ناخبيه بالرضا عن النفس بشكل زائد وأن النصر بات في جيبهم" فتفتر همتهم للإقبال على الانتخاب.

وكانت المؤسسة الفرنسية السياسية منشغلة يوم الإثنين بتدعيم تقدم ماكرون حيث قامت الشخصيات من اليمين واليسار السياسيين بحض الناخبين على التصويت "لأيٍ كان إلا لوبان."

فمرشح الحزب الاشتراكي بونوا آمون ومرشح يمين الوسط فرانسوا فيلون كلاهما قال أن "لا خيار آخر" سوى التصويت ضد أقصى اليمين؛ حتى أن رئيس البلاد نفسه فرانسوا هولاند قال أنه سيصوت لماكرون.


انتصار لوبان



لكن ثمة إشارات بأن الناخبين لن يقبلوا على التصويت لماكرون بنفس الأعداد التي قدموها لجاك شيراك أمام لو بان عام 2002، ما يفتح أمام الجبهة الوطنية نافذة ضيقة قد ينفذ عبرها لانتزاع النصر ولو بفارق شعرة.

أولاً، لقد أوضح مرشح أقصى اليسار المهزوم جانلوك ميلانشون بشكل قطعي أنه يرفض دعم ماكرون، ما يترك بصيص أمل للجبهة الوطنية بأنها ستتمكن من جذب بقايا الناخبين وبعض المعادين لمؤسسة النظام.

يقول تيبو لونور الناشط البالغ من العمر 29 عاماً في حفل انتخاب ميلانشون ليلة الأحد "ماكرون هو عدونا. إنه عدونا اللدود، وهو قاعدة الـ3% الأوروبية الصارمة للعجز الاقتصادي، ويمثل الأجور المتدنية والتأمينات الاجتماعية المتدنية وأوبرة المجتمع. فهو يريدنا في أماكن العمل أن نكون متنافسين لا زملاء."

وقد رأت الجبهة الوطنية في هذا فرصة سانحة مواتية، فناشد فلوريان فيليبو نائب رئيس الجبهة الوطنية يوم الإثنين جميع مؤيدي ميلانشون إلى التحلق حول لو بين وتقديم دعمهم لها.

حيث قال فيليبو على شاشة قناة فرنسا الثانية "هل تظنهم [أي ناخبي ميلانشون] يريدون خروجاً كاملاً للاقتصاد عن النظم؟ هل تظنهم يريدون المضي أكثر في هذا الاتحاد الأوروبي الاقتصادي المصارفي؟"

وحتى لو لم يصوت مؤيدو ميلانشون مباشرة لصالح لوبان فإن امتناعهم الواسع عن التصويت من شأنه مساعدة زعيمة أقصى اليمين؛ ذلك أن ارتفاع معدل الامتناع عن التصويت يساعد الجبهة الوطنية لأن أعتى مؤيديها أكثر ميلاً للتصويت.


انسحاب اليسار


أما في حلبة اليسار على فضاء تغريدات تويتر فقد دشن اليساريون الوسم (هاشتاغ) #SansMoiLe7Mai أي بدوني يوم 7 مايو/أيار الذي شاع تداوله في دعوة منهم للامتناع عن التصويت؛ كذلك سار الكثير منهم في مسيرات ليلة الأحد في مختلف أنحاء فرنسا حاملين لافتات كتب عليها "لا نريد مرشحاً موظف بنوك ولا مرشحة عنصرية".

وفي ليلة الأحد كذلك التقت فاينانشال تايمز بغابرييل المؤيد لميلانشون والبالغ من العمر 21 عاماً الذي قال أنه يفكر بعدم التصويت لأي من المرشحين في الجولة الثانية فقال "لدينا الخيار بين شيء مقزز وبين وحش."


خيانة يمينية


أما على الجهة اليمينية المقابلة فثمة فرصة أوسع لأن الاستطلاعات تظهر أن ثلث مؤيدي فيلون يقولون لتوهم أنهم على استعداد للتصويت لصالح لوبان في الجولة الثانية.

كذلك عبر عدد مساوٍ لهم عن استعدادهم للامتناع عن التصويت. فيليب بالوي رجل عقارات متقاعد من مدينة ليون قال "بعد الدوش البارد الذي انسكب علينا يوم الأحد، سوف آخذ إجازة لـ15 يوماً وسأمتنع عن التصويت بكل بساطة ونقاء."

"الجبهة الجمهورية" المعادية للجبهة الوطنية والتي قادت شيراك نحو النصر عام 2002 يبدو عليها الانهيار، أما ماكرون فمازال يبدو المرشح المفضل بشكل واضح. فنصف ناخبي فيلون و60% من ناخبي ميلانشون يقولون أنهم سيدعمونه في الجولة الثانية، وفق مسح إبسوس.

وقد بدا ماكرون واثقاً كل الثقة ليلة الأحد حتى أنه قضى الأمسية في مطعم La Rotonde الفاخر مع أصدقائه ومجموعة مشاهير، مستخفاً بالانتقادات التي وجهتها له الجبهة الوطنية بأن فعله هذا لا يظهر سوى أنه جزء من "حكم الأقلية".

أما لوبان فاستمتعت بوقتها بعد الجولة الانتخابية بشكل مختلف حيث تمشت في بلدة روفروي الشمالية الصغيرة.

ولكن من وجهة نظر المحللين الاقتصاديين على الأقل فإن زمن أسبوعين هو وقت طويل في السياسة. يقول مارك دو مويزون من دويتشه بانك الألماني "لقد انخفضت أرجحية رئاسة لوبان، لكنها لم تصل الصفر بعد".

وختم بالقول أنه في هذه الانتخابات التي أدهشت المراقبين في كل منعطف فإن أي "فضيحة جديدة محتملة أو أداء قوي في مناظرة ما أو إحساس الناخبين بالرضا عن النفس والشعور الخادع بضمان النصر" مازال من شأنها قلب الأمور.


المسلمون


وتتخذ مرشحة اليمين المتطرف وزعيمة حزب "الجبهة الوطنية" لوبان موقفاً عدائياً من المسلمين والمهاجرين، وقالت في 5 فبراير/شباط 2017، أمام الآلاف من أنصارها الذين لوَّحوا بالأعلام وهم يرددون هتاف "هذا بلدنا": إنها "الوحيدة التي ستحميهم من التطرف الإسلامي والعولمة إذا انتخبت رئيسة في مايو/أيار".

ونددت لوبان في مرات سابقة بصلاة المسلمين في الشوارع، التي على الأرجح تكون في أيام الجمعة، أو المناسبات التي تحمل طابعاً دينياً، وتعهدت بأنها حال ترشحها سوف تصدر قانوناً يحظر تلك الممارسات، وأن عقاب المخالفين سيكون شديداً وغليظاً للغاية.

في المقابل، يتخذ المرشح الوسطي المستقل ماكرون موقفاً بعيداً عن التشدد حيال المسلمين والمهاجرين، وبقاء فرنسا في أوروبا.

وقال في تصريح لافت في أكتوبر/تشرين الأول 2016، إن "فرنسا ارتكبت أخطاء في بعض الأحيان باستهدافها المسلمين بشكل غير عادل"، مشيراً إلى أن البلد يمكن أن يكون أقل صرامة في تطبيق قواعده بشأن العلمانية، بحسب ما ذكرته وكالة رويترز.

وخلال زيارته للجزائر، في فبراير/شباط 2017، قال ماكرون إن تاريخ فرنسا في الجزائر كان "جريمة ضد الإنسانية". وتابع قائلاً: "كان الأمر وحشياً حقاً، وهو جزء من الماضي يجب أن نواجهه حتى نعتذر أيضاً لمن تضرروا".

وتعليقاً على تصريحاته، قالت لوبان، مرشحة اليمين المتطرف: "هل هناك ما هو أسوأ -عندما تريد أن تكون رئيساً- من الذهاب للخارج واتهام البلاد التي تريد قيادتها بارتكاب جريمة ضد الإنسانية؟".

وكانت لوبان قد هاجمت ماكرون، الأسبوع الفائت، وقالت إنه سيعطي "اندفاعة للنزعة الإسلامية" في حال وصوله إلى السلطة. وأضافت: "من الأهمية بمكان أن يدرك الفرنسيون أنه في حال انتخب لسوء الحظ رئيساً، فإن ماكرون سيُسرع أكثرَ وتيرةَ غرقِ المجتمع الفرنسي في انحراف التعددية الثقافية".

وتساءلت لوبان عن وجود مسؤول محلي في صفوف حركة "إلى الأمام!" بزعامة وزير الاقتصاد السابق في الحكومة الاشتراكية، معروف بصلاته بالتيار الإسلامي، حسب قولها.

وقالت: "لماذا يرفض ماكرون إبعاد هذا الشخص من حركته؟ لأنه يخضع لضغوط" تمارسها مجموعة تناهض كره الإسلام في فرنسا، واصفة خصمها بأنه "بدون مبادئ"، بحسب ما ذكرته وكالة الأنباء الفرنسية.