لوبان توحد المثقفين الجزائريين وماكرون يقسمهم .. لماذا يكره بعضهم المرشح الوحيد الذي اعتذر عن جرائم فرنسا؟

تم النشر: تم التحديث:
FRENCH SOLDIERS ALGERIA
Bettmann via Getty Images

بينما يبدو أن كثيراً من الجزائريين مرتاحين إن لم يكونوا سعداء بتأهل المرشح الفرنسي الوسطي إيمانويل ماكرون للجولة الثانية من انتخابات الرئاسة الفرنسية فإن اللافت إن بعض المثقفين الجزائرين يبدون كراهية للمرشح الوحيد الذي اعتذر عن جرائم الاستعمار الفرنسي بحق بلادهم.

صحيفة لو بوينت الفرنسية رصدت في تقرير لها مواقف الجزائرين ووسائل إعلامهم من نتائج الدور الأول في الانتخابات الفرنسية، والتي أفضت إلى تأهل كل من ماكرون ولوبان للجولة الثانية.

واعتبر ماكرون جرائم فرنسا في حق الجزائريين إبان الحقبة الاستعمارية، بأنها "جريمة ضد الإنسانية".

أما بالنسبة لمارين لوبان، فلا تزال وفية لموقف والدها، جان ماري، تجاه الجزائر، حيث كان من بين فوج مظليي الجيش الفرنسي الذين مارسوا التعذيب ضد الجزائريين إبان حرب التحرير. وبذلك، يرى الجزائريون مارين لوبان امرأة عنصرية، ومعادية للمهاجرين، ومناهضة للجزائر، حسب الصحيفة.


الوقوف إلى جانب ماكرون


تقرير صحيفة "لو بوينت "عرض لمواقف وسائل الإعلام الجزائرية ، مشيرا لتقرير نشرته صحيفة الوطن الجزائرية في صفحتها الأولى تقريرا تحت عنوان "فرصة لدعم العلاقات الجزائرية الفرنسية". اعتبرت فيه، أن ماكرون ظفر مسبقا بنتائج السباق نحو الإليزيه.
وأشارت هذه الصحيفة الناطقة بالفرنسية إلى أن "الجزائريين لا يخفون ميْلهم لصالح ماكرون.
فقد نجح هذا المرشح الشاب، الذي يبلغ من العمر 39 عاما، في لفت انتباه الجزائريين عندما قال كلمته الشهيرة واعترف بجرائم الاحتلال الفرنسي في حق الجزائر".
وأضافت الصحيفة أن "هذا الاعتراف قد شكل نقطة تحول هامة خدمت ماكرون خلال حملته الانتخابية".

كما رأت صحيفة الوطن أنه في حالة انتصار ماكرون في الدور الثاني فإنه "لا خوف على مسلمي فرنسا، الذين يضمون ملايين الجزائريين".

ويشعر مسلمو فرنسا بالقلق من التقدم الذي حققه اليمين المتطرف، ويتطلعون بإيجابية إلى مواقف المرشحين الآخرين الذي لم يوفقوا ويتوقع منهم حشد مؤيديهم لصالح ماكرون ضد لوبان.

ولكن وسائل إعلام أخرى، على رأسها موقع الجزائر الوطنية، اختلفت مع ما تسوّق له صحيفة "الوطن" التي تبدو واثقة من فوز ماكرون، حيث شدد هذا الموقع على خطورة ارتفاع نسبة التصويت لصالح حزب الجبهة الوطنية في فرنسا.
وأكد الموقع أن "هذا التقدم التاريخي لصالح مرشحة حزب الجبهة الوطنية، هو عبارة عن رسالة شديدة اللهجة تعارض كل السياسات التي شهدتها فرنسا. ويظهر ذلك جليا في برامج هذا الحزب المتطرف التي شملت عدّة مواضيع على غرار مصير أوروبا، والهجرة، فضلا عن العولمة، الأمر الذي من شأنه أن يهدد بقاء النظام السياسي التقليدي".


ثلاثة محاور متصارعة


في المقابل، لخص المحرر في صحيفة "لا تريبون" الجزائرية، نور الدين خلاصي، الصراع السياسي المرتقب في فرنسا ضمن منشور نشره على حسابه على الفايسبوك، جاء فيه أنه "لا مفر من المواجهة الحتمية التي ستجمع بين ثلاثة مناهج سياسية مختلفة تتمثّل أولا في إرساء مبدأيْ "المال هو كل شيء" و"الكلّ يعمل من أجل نفسه" التي ينادي بها حزب "إلى الأمام!"، وهو الاسم الذي يطلقه ماكرون على حركته السياسية.

أما المنهج الثاني، فيتلخّص في تشابه رؤى كل من اليمين والأحزاب الاشتراكية-الليبرالية المنبثقة عن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وتتمثل رؤية هذه الأحزاب في نبذ الآخرين وتبني المنهج الذي يراه حزب الجبهة الوطنية والذي يعتبر من فرنسا أمة ترفض "تعدد الأعراق". أما فيما يتعلق بالمنهج الثالث الذي يدعو إليه حزب "فرنسا المتمردة" بقيادة المرشح اليساري الراديكالي ميلانشون، فيتلخص في دعم المشروع البيئي والاجتماعي التحرري.


لماذا يعادون ماكرون؟


من جهة أخرى، هاجم الكاتب و الصحفي، عابد شرف، النخب الجزائرية ناشرا على حسابه في الفايسبوك الكلمات التالية "آه من نخب اليسار الجزائري، يحبون ميلانشون ويكرهون ماكرون، ويعتبرون ذلك "ضرورة إستراتيجية".
ويقصد الكاتب هنا باليسار الجزائري، حزب التجمع الوطني الديمقراطي، ثاني أقوى أحزاب البلاد بعد جبهة التحرير الوطني، حيث يرى هذا الحزب من ماكرون مجرد "فراغ سياسي". وقد انتقد عابد شرف هذه الإهانة في حق من اعتبره المرشح الفرنسي الوحيد الذي اعترف بجرائم بلاده في حق الجزائريين إبان حقبة الاحتلال.


"لقد صوتُّ لصالح ماكرون، وهذا لم يعجب أغلب ضيوفي الذين انتقدوني بشدة"


نظّم طارق، وهو فرنسي من أصول جزائرية وصاحب صندوق اتصالات، "سهرة انتخابية" في أحد الشقق الواسعة والمطلة على خليج الجزائر العاصمة.

وقد كان من بين الحضور جزائريون وفرنسيون من أصول جزائرية وأزواج تناولوا ما لذّ وطاب أمام شاشة تلفاز عملاقة، وهم بانتظار الإدلاء بنتائج الدور الأول من انتخابات الرئاسة الفرنسية.

وفي هذا السياق، يقول طارق، الذي يبلغ من العمر 55 سنة، لصحيفة لو بوينت الفرنسية "لو كنت في فرنسا لصوتّ لصالح اليسار. لكن إذا قارنت الانتخابات الفرنسية بالواقع الذي يعيشه العالم الآن، لاقتنعت بأن كلا من مفهوم العولمة وترشيد النفقات المالية، بالإضافة إلى مكانة فرنسا كقوة صغيرة في العالم، ليست محض خيال".

وتابع طارق قائلا: "لقد صوتُّ لصالح ماكرون، وهذا لم يعجب أغلب ضيوفي الذين انتقدوني بشدة".

ومن بين ضيوف طارق، سيدة في عقدها الرابع تدعى ماري، عقدت منذ 12 سنة دورات تدريبية لصالح الشركات الجزائرية، وتعيش في أحد الأحياء "المحجوزة" للأجانب في ضواحي الجزائر العاصمة. وقد علّقت ماري حول الانتخابات الفرنسية، قائلة: "أنا لم أشارك في عملية التصويت، لأنني أعارض أساسا نظام الانتخابات".

وأضافت ماري "لقد صوتّ كثيرا "بلا"، واكتشفت في النهاية أن الانتخابات لا تفيد المواطنين بشيء، فهي تهدف فقط لإضفاء لمسة من الشرعية على توجهات السياسيين، الذين يريدون إما النجاح على حسابنا، أو تركيز مفهوم اجتماعي جديد يدعى "المحسوبية"، أو العمل على تركيز الأوليغارشية (حكم الأقلية). وفي كل الأحوال، لا يفقه هؤلاء السياسيين شيئا من الديمقراطية".

وتابعت ماري حديثها قائلة: "لا يهمّني ما يقدمه السياسيون في فرنسا من وعود، فأنا أعيش في الجزائر. كذلك، عندما ألاحظ أن فرانسوا فيون، المتهم بقضية فساد، لا تتم ملاحقته من قبل العدالة، ولا حتى من قبل الناشطين في المجتمع المدني، أتأكّد بأن فرنسا غير مؤهلة لتقديم دروس في الديمقراطية للعالم". وفي الحقيقة، ذكرت ماري أنها قد صوتت منذ خمس سنوات لصالح فرنسوا هولاند قبل أن تطرح على نفسها السؤال التالي: "ما الذي سأستفيده؟".

من جهة أخرى، استغربت ماري مدى اهتمام الجزائريين على مواقع التواصل الاجتماعي بالانتخابات الفرنسية، والتي تزامنت مع ليلة الإعلان عن نتائج الدور الأول.

ومن بين التعليقات التي شدّت انتباه ماري، تغريدة صحفي على موقع "هافينغتون بوست الجزائر" جاء فيها أنه "في اليوم الذي ولد فيه ماكرون، كان بوتفليقة يبلغ من العمر 41 سنة". وللتذكير، فإن الرئيس الجزائري، الذي لم ينه بعدُ فترة ولايته الرابعة في الحكم، قد احتفل يوم 2 مارس/آذار 2017 ببلوغه 80 عاما.