هل تحسم الجزائر الرئيس القادم لفرنسا؟.. هؤلاء المرشحون زاروها فأصبحوا حكاماً للإليزيه

تم النشر: تم التحديث:
DF
sm

كان يوماً ربيعياً مشمساً، يصادف الثاني من مارس/آذار من عام 2003، ملائماً للنزهة والتسوق، وأيضاً لاستقبال الرؤساء، وذلك ما حدث فعلاً بالشوارع الرئيسية للعاصمة الجزائرية، حيث حظي الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك باستقبال شعبي تاريخي خلَّد زيارة تاريخية غير مسبوقة، لأنها وببساطة كانت لأول رئيس فرنسي يضع قدميه في التراب الجزائري منذ استقلال البلاد سنة 1962.

منذ ذلك الوقت، أصبحت الجزائر قبلة للساسة الفرنسيين الراغبين في كرسي الرئاسة، وأصبحت البلد -التي قتل أسلافهم مليوناً من أبنائها- مَعبَراً لترويج أفكارهم الانتخابية، ومحطة لاستقطاب أصوات الجالية الجزائرية المقيمة بأعداد هائلة في أغلب الأحياء والمدن الفرنسية.

ومع اقتراب كل انتخابات، أصبح أبرز المرشحين للجلوس في المكتب الكبير لقصر الإليزيه أوفياء لهذا التقليد، تجاه بلد يتقاسمون معه تاريخاً عمره 132 سنة من الاستعمار، و55 سنة من الاستقلال، وما يتغلغل بين ذلك من خلافات ومصالح وروابط اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية.

وكان آخر الذين زاروا الجزائر المرشح الرئاسي إيمانويل ماكرون، الذي فاز في الدور الأول متقدماً على مرشحة الجبهة القومية مارين لوبان، التي ستنافسه على رئاسة فرنسا للخمس السنوات القادمة، بعد أن حلت ثانية في الدور الأول من الانتخابات، الأحد 23 أبريل/نيسان 2017.

ولم يسبق أن تعاملت الجزائر مع مرشح للرئاسة الفرنسية مثلما فعلت، 14 فبراير/شباط 2017، حيث لقي ماكرون معاملة رئيس دولة، ووضعت تحت تصرفه سيارات رئاسة الجمهورية، وزار مقام الشهيد، حيث وضع إكليلاً من الزهور، واستُقبل بالأحضان من قبل الوزير الأول (رئيس الوزراء) عبد المالك سلال وعدد من الوزراء.

وأقام منتدى رؤساء المؤسسات الجزائري، حفل عشاء ضخماً على شرف المرشح ماكرون بمطعم راقٍ برياض الفتح بالعاصمة.

وفجر ماكرون، الذي فاز بـ24% من أصوات الفرنسيين في الدور الأول للانتخابات مفاجأة مدوية من الجزائر، في حوار مع قناة الشروق المحلية، خلال تجمع شعبي بفندق السوفيتال، مفاجأة مدوية لم يتجرأ على فعلها سابقوه من الساسة الفرنسيين، حيث أكد استعداده للاعتذار عن جرائم استعمار بلاده للجزائر، وقال إن "الاستعمار جريمة وفعل وحشي، وهو الماضي الذي يجب أن ننظر إليه ونقدم اعتذارنا".

وفيما يلي تفاصيل زيارة كل رؤساء فرنسا للجزائر، أثناء فترة ترشحهم للمنصب، وكيف كانت علاقتهم حينها بحكام قصر المرادية الذي يسكنه عبد العزيز بوتفليقة.


بوتفليقة وشيراك بداية عهد جديد


مع تقدم السنوات، تبدلت العلاقات الجزائرية-الفرنسية من مرتبة الضغينة بين الثوري المتحرر وبين المستعمر إلى مرتبة التعاون الثنائي بين دولتين كاملتي السيادة، دون المقدرة على التخلص من حساسية الماضي.

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1990 و2000، ونظراً للأزمة الأمنية التي ضربت الجزائر، طغت كوابيس الأمن والأعمال الإرهابية على المحادثات بين قادة البلدين، إلى حين قدوم الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم سنة 1999، حيث سمح الاستتباب التدريجي للأمن نتيجة سياستي الوئام المدني والمصالحة الوطنية بمراجعة أولويات العلاقة بين البلدين.

وبعد 4 سنوات من الحكم، نجح بوتفليقة في تجنيد الجزائر العاصمة وولاية وهران (غربي البلد) عام 2003، لاستقبال الرئيس الفرنسي جاك شيراك التلميذ النجيب للتيار اليميني الديغولي (الجنرال ديغول)، وجابا على متن سيارة مفتوحة السقف الشوارع الرئيسية على وقع الزغاريد والبارود والورد الكثيف المتساقط من شرفات المباني التي تعود للعهد الاستعماري وسط هتافات النساء والرجال.

ولم يسبق لشيراك أن زار الجزائر بصفته مرشحاً، غير أنه حظي بدعم الحكومة الجزائرية للوصول إلى الحكم نكاية في الحزب الاشتراكي المتهم باتخاذ موقف سلبي من الأزمة الأمنية التي عرفتها الجزائر مطلع التسعينات.

وكشف الصحفيان الفرنسيان كريستوف دوبوا وماري كريستين تابت، في مؤلف لهما صدر منتصف أبريل/نيسان 2015، بعنوان: "الجزائر-باريس علاقة حميمية"، عن أن "القادة السياسيين الجزائريين لم يهضموا تخلي فرنسا بقيادة الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران عنهم إبان السنوات وترك ذلك أثراً بالغاً لديهم"، وقالا إنه "وبصفة عامة تملك السلطة الجزائرية علاقة سهلة مع اليمين أفضل مما هو الحال عليه مع اليسار".

واختتمت زيارة شيراك للجزائر، التي دامت 3 أيام بتوقيع مذكرة صداقة، تضمنت عدة محاور لتطوير العلاقات الثنائية.

واستطاع الرئيس الفرنسي جاك شيراك، أن يحافظ على العلاقة الجيدة مع الجزائريين لمدة سنتين كاملتين، قبل أن يُغضبهم حينما سمح بإقرار قانون تمجيد الاستعمار الفرنسي للجزائر، في 23 فبراير/شباط 2005، على مستوى البرلمان، ما خلَّف سخطاً ضده.

وفي الوقت الذي وضع شيراك العلاقات الثنائية في غرفة التبريد، تحمل وزيره للداخلية وابنه الروحي مثلما تسميه الصحافة الفرنسية نيكولا ساركوزي، مسؤولية معنوية، وقرَّر القدوم إلى الجزائر ومقابلة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

كان لقاء الرئيس الجزائري بوزير الداخلية الفرنسي ومرشح الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري اليميني لرئاسيات 2007، مخيباً للتوقعات التي رجحت أن يلقى رجل الرئيس شيراك استقبالاً بارداً، كردٍّ على تمرير قانون تمجيد الاستعمار، حيث خص بوتفليقة ضيفه باستقبال الرؤساء، ونعته بـ"الصديق" مثلما عنونت يومها صحيفة لوموند مقالاً لها حينها.

ونقلت الصحيفة عن بوتفليقة في المؤتمر الصحفي الذي أعقب 5 ساعات من المحادثات بين الرجلين "لا أريد أن أتحدث عن مشكل الاستعمار اليوم، لأني لا أريد أن ألزم برأيي صديقي ساركوزي".

واعتبرت الصحيفة أنها صداقة "تشرف ساركوزي المرشح للرئاسة أكثر من ساركوزي وزير الداخلية"، ملمحة إلى رغبته في استقطاب أصوات المهاجرين.

وتحدث نيكولا ساركوزي يومها عن الروابط القوية والودية، ممتدحاً "خبرة الرئيس بوتفليقة".

وبعد 6 أشهر من فوزه بالانتخابات الفرنسية حلَّ الرئيس نيكولا ساركوزي بعاصمة الشرق الجزائري قسنطينة، وخطب عن الذاكرة والتاريخ من جامعتها الشهيرة قائلاً: "الاستعمار ظالم، لكن لا تنتظروا أن يعتذر الأبناء عما فعله الآباء"، مرسخاً بذلك خمس سنوات من البرودة والتوتر، الذي بلغ أشده سنة 2011، حينما لعب دوراً حاسماً في إسقاط نظام الزعيم الليبي معمر القذافي.


فرانسوا هولاند


عندما جاء نيكولا ساركوزي، سنة 2006، للجزائر قبل الانتخابات ليذيب جليد قانون تمجيد الاستعمار، ويروج لنفسه كمرشح للانتخابات الرئاسية التي عقدت في العام التالي، وصل فرانسوا هولاند في ذات السنة أرض الجزائر بصفته أميناً عاماً للحزب الاشتراكي الفرنسي، قبل أن تترشح زوجته سيغنال روايل في الانتخابات الرئاسية في مواجهة ساركوزي، وخصه بوتفليقة باستقبال دام 3 ساعات كاملة.

أنهت زيارة هولاند قطيعة دامت 16 سنة بين حزبه وحزب جبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم)، التي تأثرت بسبب أحداث العشرية السوداء في التسعينات، واستغل فرصة التوتر بين غريمه التقليدي حزب اليمين وبين السلطة الجزائرية ليجد موطأ قدم.

ولكن الصحفيين الفرنسيين كريستوف دوبوا وماري كريستين تابت، في كتابهما "الجزائر- باريس علاقة حميمة"، ذكرا أن النظام الجزائري ورغم استقباله لهولاند بحفاوة لم يدعم زوجته سيغنال روايل ضد منافسها ساركوزي في انتخابات 2007، بسبب عدم نسيانه لدور اليسار في الأزمة الأمنية.

وبعد 4 سنوات وبالضبط سنة 2010، عاد هولاند للجزائر، حاملاً هذه المرة صفة مرشح الحزب الاشتراكي لانتخابات 2012، ورغم أنه كان يرافقه عدد قليل من الصحفيين وفشل في الظفر باستقبال بوتفليقة له، إلا أنه اقتنص زيارة تاريخية لبيت أول رئيس في تاريخ الجزائر المستقلة، وأبرز قادة ثورتها أحمد بن بلة ببيته بالعاصمة. وقال بن بلة مخاطباً هولاند: "دائماً ما كنت فأل خير على الذي يزوروني".

والتقى هولاند خلال الزيارة بالجالية الفرنسية المقيمة بالجزائر، وأقام تجمعاً شعبياً، وحرص على الحوار كوسيلة لتطوير العلاقات الثنائية بين البلدين.

وهذه المرة عاد هولاند متوجاً بالتأييد الجزائري، حيث إن تدهور العلاقات بين السلطة الجزائرية والرئيس نيكولا ساركوزي بلغ درجة غير مسبوقة، بسبب تحريك الأخير لملفات حساسة، خاصة قضية مقتل رهبان فرنسيين في دير تبحيرين (مدينة جنوب العاصمة) سنة 1995 على يد الجماعات المسلحة، وشكك القضاء الفرنسي يومها في صحة الرواية الرسمية الجزائرية، وسط تقارير إعلامية فرنسية بأنهم قتلوا في اشتباك بين المسلحين والجيش الجزائري، ما قضى نهائياً على أية فرصة لدعمه من قبل الجزائر في انتخابات 2012 التي عادت نتيجتها لصالح هولاند.

وفور وصوله إلى الحكم، اختار فرنسوا هولاند الجزائر كأول وجهة خارجية له، حيث وقع على مذكرة للشراكة الاستثنائية ركزت على وجه الخصوص على التعاون الاقتصادي.


ماكرون الحصان الذهبي


جدَّدت الجزائر تفاعلها مع ما يجري في باريس من إرهاصات سياسية تسبق رئاسة 2017، حيث راهنت هذه المرة على رئيس الوزراء الأسبق آلان جوبيه، الذي عرف بكونه صديقاً حميماً لجاك شيراك، ووضعت تحت تصرفه الحرس الرئاسي والقاعة الشرفية التابعة لرئاسة الجمهورية بمطار الجزائر الدولي لاستقباله سنة 2015.

غير أن انهزام جوبي أمام منافسه داخل الحزب الجمهوري اليميني فرنسوا فيون في الانتخابات التمهيدية خلط جميع الأوراق بالنسبة للجزائر، ما جعلها تتريث قليلاً قبل أن تضع كامل رهانها على المرشح الشاب والأوفر حظاً -حسب استطلاعات الرأي- إيمانويل ماكرون.

وتعاملت الجزائر مع ماكرون بحفاوة بالغة، إلى أن صرَّح في حوار تلفزيوني بأنه مستعد في حال فوزه بالانتخابات للاعتذار عن جرائم استعمار بلاده للجزائر، وقال إن "الاستعمار جريمة وفعل وحشي، وهو الماضي الذي يجب أن ننظر إليه ونقدم اعتذارنا".

وتعرض ماكرون عقب تصريحه لموجة انتقادات واسعة، بلغت حدَّ التهديد بالقتل، لكونه نبش في المحظور، لكنه رفض التراجع عن كلامه وظلَّ متشبثاً به.

وتحدَّث ماكرون عن ضرورة الاستثمار في تطوير الشراكة الثنائية بين البلدين اللذين يتقاسمان تاريخاً مشتركاً وعلاقات مترابطة جداً.


لماذا تمتلك الجزائر هذا الدور في الانتخابات الفرنسية؟


هل يكفي التاريخ الاستعماري الطويل الذي يفوق القرن وربع القرن، ليجيب عن أهمية الجزائر بالنسبة للمرشحين للانتخابات الفرنسية.

الحقيقة أن هناك أشياء عديدة تفسر هذا الأمر، من أهمها رغبة المرشحين في استقطاب أصوات الجالية الجزائرية المقيمة بفرنسا، التي يبلغ عددها حوالي 6 ملايين نسمة، وكذلك المصالح الاقتصادية.

ويرى أستاذ التاريخ بجامعة وهران البروفيسور رابح لونيسي، أن الجزائر "تعتبر دعامة لا يمكن الاستغناء عنها بالنسبة للاقتصاد الفرنسي، ومن هنا تكمن أهميتها الاستراتيجية".

وأضاف لونيسي في حديث لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن كسب أي مرشح فرنسي لدعم جزائري، "يعد عاملاً رئيسياً في فوزه في الانتخابات، لأنه سيكسب من خلال ذلك جزءاً كبيراً من الوعاء الانتخابي للمهاجرين".

ويشاطره في هذه النقطة الكاتب المتخصص في الشؤون الإفريقية حمدي جوارا، الذي قال أيضاً لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن الجالية الجزائرية هي كبرى الجاليات الأجنبية في فرنسا، وإن أكثر من 69% من سكان مرسيليا من أصل جزائري.

واعتبر أن هناك حرصاً من المرشحين لخطب ود هؤلاء وكسب أصواتهم، "ولا شك أن الزيارات المكررة للمرشحين لها دليل على أهمية الصوت الجزائري في فرنسا".

وأشار إلى إمكانية تجنيد السلطات الجزائرية لمؤسساتها الرسمية، على غرار المركز الثقافي الجزائري ومسجد باريس ومكاتب الأحزاب السياسية لتوجيه المهاجرين للتصويت نحو مرشح معين ترى أنه مناسب.

ويبقى التزام المرشحين بتسهيل تنقل الأشخاص بين الجزائر وفرنسا، أحد أهم العوامل التي تحدد خيار الجزائريين، لكونهم الأكثر طلباً للتأشيرات الفرنسية بعد الصين، حيث كشف الفرنسي السابق بالجزائر برنار إيمي، منتصف فبراير/شباط الماضي، أنه "تم منح 400 ألف تأشيرة شنغن للجزائريين من خلال مستوى القنصليات الفرنسية بالجزائر".

وذكر رئيس الوزراء الفرنسي برنار كزانوف خلال زيارته للجزائر في 6 أبريل/نيسان 2017، في حوار مع صحيفة الخبر، أن عدد الطلبة الجزائريين بفرنسا بلغ 7.400 طالب سنة 2016.

هذا التدفق البشري من الجزائر باتجاه فرنسا، يجعل من فوز مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، المعروفة بعدائها للمهاجرين، بأصوات الجزائريين صعباً، حسبما يرى البعض.

ولكن بعد تأهلها للجولة الثانية للانتخابات تزداد أهمية الصوت الجزائري في هذه الانتخابات، خاصة أن منافسها المرجح سيكون الحصان الذي راهنت عليه الجزائر، فهل يتأهل ماكرون بسبب الجزائريين؟