الحكومة الجزائرية تلجأ للمساجد لمواجهة العزوف الانتخابي.. والخطوة تثير الجدل

تم النشر: تم التحديث:
DEFAULT
Zohra Bensemra / Reuters

ساد الجزائر في الآونة الأخيرة جدل حاد بسبب تعليمات لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف وجهت لأئمة المساجد، طلبت منهم تخصيص خطبة الجمعة ليوم 21 أبريل/نيسان لحث المواطنين على المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقررة في 4 أيار/مايو المقبل.

وورد في التعليمات بأن الأئمة مطالبون بالدعوة إلى الوقوف ضد الأطراف المشبوهة التي تهدف إلى تعطيل المسار الانتخابي وحث الشعب الجزائري على المشاركة الإيجابية في هذا المسار الوطني.

وذكرت التعليمات أن الأئمة مطالبون أيضاً بالتنبيه خلال الخطبة إلى خطر الفتنة والوقاية من أسبابها والتحذير من نتائجها مع الإشارة إلى الشعوب التي تعاني من ويلاتها.

انطلاق الحملة الانتخابية

وانطلقت رسمياً الحملة الانتخابية للانتخابات البرلمانية الجزائرية يوم الأحد 9 أبريل/نيسان والتي يشارك فيها 35 حزباً سياسياً وعشرات القوائم المستقلة التي تتنافس على 462 مقعداً في المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان).

وتستمر الحملة الانتخابية 3 أسابيع لكسب تأييد أكثر من 23 مليون ناخب، وهذه هي سادس انتخابات نيابية تعددية في البلاد منذ إقرار دستور الانفتاح السياسي في فبراير/شباط العام 1989.

وسجلت آخر انتخابات نيابية جرت العام 2012 نسبة عزوف غير مسبوقة عن صناديق الاقتراع، حيث لم تتعد نسبة المشاركة 43% من مجموع أعداد الناخبين.

وانقسم الرأي العام الجزائري والطبقة السياسية بين من رأى بأن هذه التعليمات مخالفة للدستور وهي بمثابة إقحام مباشر للمسجد والإمام في عملية سياسية انتخابية، وبين من رآها أمراً عادياً يدخل ضمن مهام وغايات مؤسسة المسجد.

واتهم معارضون جزائريون ومقاطعون للانتخابات وزارة الشؤون الدينية بخرق قانون الانتخابات وإقحام المسجد في عملية سياسية مكتملة الأركان.

ونشر المعارض الجزائري وأحد أبرز دعاة مقاطعة الانتخابات النيابية المقبلة سمير بن العربي على صفحته بفيسبوك نص المادة 184 من قانون الانتخابات الجزائري وعلق قائلاً "خطب الجمعة تحث على التصويت وعبد الوهاب دربال (رئيس الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات) يقول إن الانتخابات نزيهة.

وتنص المادة 184 من الانتخابات الجزائرية المعدلة في سنة 2012 على أنه، "يمنع استعمال أماكن العبادة والمؤسسات والإدارات العمومية ومؤسسات التربية والتعليم مهما كان نوعها وانتماؤها، لأغراض الدعاية الانتخابية، بأي شكل من الأشكال".

كما نشر ذات المعارض صورة مانشيت لصحيفة الشروق (خاصة) جاء فيه أن أئمة وشيوخ زوايا يتحركون لرفع نسبة المشاركة في التشريعات، وغرد بالقول "خطبة الجمعة.. ستكون انتخابية بامتياز".

والتهبت شبكات التواصل الاجتماعي بالمغردين يوم الجمعة الماضي بحسب ما رصده مراسل الأناضول وقام الجزائريون بنقل ما تضمنته خطبة الجمعة في مساجد الأحياء التي يقطنون بها.

وتبين من خلال المغردين أن هناك مساجد لم تلتزم بتعليمات الوزارة ولم تخصص خطب الجمعة لموضوع حث المواطنين على المشاركة في التصويت، بينما نقل آخرون أن مساجد تناولت قضية المشاركة في خطبها.

خطب الجمعة

ونقلت مختلف وسائل الإعلام الحكومية الجزائرية من إذاعات وتلفزيونات خطبة الجمعة وحديث الأئمة عن ضرورة التصويت في اقتراع 4 أيار/مايو المقبل، وحتى قنوات تلفزيونية خاصة قامت بنقل الخطبة من مساجد متفرقة بالعاصمة الجزائر.

وقال جلول حجيمي الأمين العام للنقابة الوطنية للأئمة وموظفي الشؤون الدينية والأوقاف (موالية) إن المسجد لا بد أن يقوم بجميع الأدوار الكبرى التي تمس مصلحة الأمة.

وذكر جلول حجيمي الذي يرأس نقابة الأئمة التابعة للاتحاد العام للعمال الجزائريين (موالي) وهو أكبر تكتل نقابي بالجزائر في حديث مع الأناضول، بأن النقابة قارنت بين المصلحة والمفسدة في هذه المسألة وقررت أن تكون في صالح دعوة الناس للتصويت.

وقال "من حقنا كنقابة ذات تمثيل وطني أن نقول للمجتمع سواء بتعليمات أو توجيهات أو غيرها، رجاء توجهوا للانتخابات واختاروا من تريدون ولو بورقة بيضاء".

وأضاف "هذا أيضاً ما قلته أنا للمصلين في خطبة الجمعة".

وبحسب محدثنا فإن المسجد والأئمة لم يتكلموا لا عن قائمة ولا عن حزب أو تشكيلة سياسية معينة بل وجهوا دعوة للمواطنين للتصويت وفقط.

ووفقه فإن خطبة الجمعة أيضاً لم تستعمل لا لصالح السلطة ولا لصالح المعارضة بل لصالح الوطن والمشاركة في التصويت وللمواطن حق الاختيار لمن يشاء.

وأضاف جلول حجيمي أن الانتخابات قضية وطنية والجزائر أمة مسلمة تدعو للخير وتنهى عن المنكر ولذلك النقابة رأت الخير في الانتخابات ومن المصلحة الشرعية أن يتوجه المواطنون للتصويت.

وأشار المتحدث إلى أن دور المسجد في خطبة الجمعة اقتصر على الدور التحسيسي نظراً لأن عدداً كبيراً من الجزائريين يعمرون المساجد كل جمعة، حيث يصل عددهم ما بين 17 إلى 23 مليون مصلياً كل جمعة.

وعن سؤال حول تعارض التعليمات مع محتوى قانون الانتخابات في مادته 184 أكد المتحدث على أن هذه المادة تتحدث عن استعمال المساجد للحملة الانتخابية لصالح حزب أو تشكيلة ما، أما نحن فقد دعونا المواطنين للمشاركة والتصويت فقط ولو وبورقة بيضاء.

وشرح حجيمي بأن المساجد لو وقفت مع مرشح أو حزب ما أو ضد تشكيلة ما لأقيمت عليها الحجة لكن مهمتها اقتصرت على الدعوة للتصويت فقط.

"خرق للقانون"

من جهته قال رئيس المجلس الوطني المستقل للأئمة (نقابة مستقلة) جمال غول في حديث مع الأناضول أن هذا الأمر يعتبر خرقاً للقانون الجزائري بنظر النقابة.

وأوضح جمال غول بأنه من الجانب الشرعي، المسجد مكان عبادة يأتي إليه جميع المواطنين الذين يريدون تأدية العبادة، ومن بين هؤلاء من هو مع المشاركة ومنهم من هو مع المقاطعة وهذا شأنهم ولا دخل لنا فيه ونحن لسنا ضد المشاركة ولا مع المقاطعة ولا ضدها.

وأشار المتحدث إلى أنه عندما يطلب من الأئمة تناول هذا الموضوع في إطار حث المواطنين على المشاركة، معناه تغليب طرف على آخر، وبالتالي الإمام سيقع في مشكل قد يؤدي إلى فتنة في المسجد وتفرقة وهذا خلاف لما يجب أن تكون عليه هذه المؤسسة (المسجد).

أما الأمر الثاني حسب جمال غول فيتعلق بخوض الإمام في الأمور السياسية، لأن السلطة إذا أرادت من الإمام أن يخوض في الشأن السياسي وجب أن يكون ذلك على مدار السنة وليس في المناسبات فقط.

ودعا غول السلطات إلى رفع قانون تجريم الإمام حتى يتمكن من تقديم النصح لجميع المسؤولين في جميع المستويات بالآداب المعروفة.

وقال "إذا لم يسمح له بذلك فلا يجب أيضاً أن يتم إدخاله في الانتخابات والحملة الانتخابية".

وحسب جمال غول فإن وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في الجزائر هي من وجب عليها تفسير المادة 184 من قانون الانتخابات التي تتحدث عن منع استعمال أماكن العبادة في الدعاية الانتخابية.

وشدد غول على أن الدعوة للمشاركة في الانتخابات هي نوع من الدعاية الانتخابية ولذلك اعتبرت النقابة ما ورد في التعليمة بأنه خرق لمادة من الدستور الجزائري.

ويرى المحلل وأستاذ العلوم السياسة بجامعة الجزائر عبد العالي رزاقي أن ما قامت به وزارة الشؤون الدينية والأوقاف يتناقض تماماً مع نص قانون الانتخابات الساري المفعول.

وأوضح عبد العالي رزاقي في حديث مع الأناضول "أن هذه الخطوة تعتبر دعماً للحكومة وهذا يتناقض مع حرية التعبير وهو بمثابة تغليب طرف على آخر".

وقدر المتحدث أن ما قامت به الوزارة يمكن أن يعيد البلاد إلى سنوات الأزمة من خلال تكفير أو تجريم مقاطعي الانتخابات وبالتالي خلق تيار معاد للوزارة، أي أن الوزارة كأنها تشجع الخطاب الديني على الخوض في السياسة وهذا يتناقض مع الواقع والقوانين.

وشدد المحلل السياسي الجزائري على أن وظيفة الإمام ليست وظيفة شرح جوانب سياسية للمواطن الذي له وعي كاف، وأن مهمته تقتصر على الجانب الديني الشرعي فقط.

وختم محدثنا بالقول إن هذه الخطوة لوزارة الشؤون الدينية عبر أئمة المساجد، ستسمح للذين يحملون قيماً دينية أخرى بأن يقوموا كذلك بنشر أفكارهم بالمسجد أو بطرق أخرى.

يشار إلى أن كافة الأحزاب الجزائرية أعلنت المشاركة في هذه الانتخابات باستثناء حزب "طلائع الحريات"، الذي يقوده رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس، وحزب "جيل جديد"، حديث النشأة، بدعوى عدم وجود ضمانات كافية لنزاهتها.