هل تتحول انتخابات فرنسا لثورة تنقلب على النظام وتطيح بالاتحاد الأوروبي؟.. هكذا يتغنَّى المرشحون بديغول وهم يحطمون تراثه

تم النشر: تم التحديث:
CHARLES DE GAULLE
Getty Images

في مقبرةِ كنيسةٍ حجرية صغيرة في قرية ريفية، يحظى شارل ديغول -الأب المؤسس لفرنسا الحديثة- بسكونٍ لا يُمنَح إلّا لعظماء التاريخ. يتجوَّل السيُّاح في منزله، ويحني معجبوه رؤوسهم أمام قبر الرجل الذي جعل بلاده لاعباً حيوياً في المشهد العالمي.

لكن هذه الأيام، يتعرَّض مستقبل ومكانة دولة فرنسا التي بناها لتهديدِ خطرٍ مفاجئ، حسب تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأميركية.

عندما اتجه الناخبون الفرنسيون إلى صناديق الاقتراع الأحد، 23 أبريل/نيسان 2017، أي بعد ثلاثة أيامٍ فقط من وقوع هجوم إرهابي آخر في باريس تبنَّى تنظيم (داعش) المسؤولية عن تنفيذه- فإنهم أجابوا عن أسئلةٍ قلَّما طُرِحَت على مدار حياة أي منهم: ما جوهر الأمة الفرنسية؟ وإلى من تنتمي؟ وكيف يجب أن تُحكَم؟

وتصدَّرت مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان النتائج الأولية للدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي جرت، الأحد 23 أبريل/نيسان 2017، تلاها المرشح الوسطي المستقل، إيمانويل ماكرون.

وقالت وزارة الداخلية الفرنسية إن النتائج الجزئية بعد إحصاء 20 مليون صوت، تظهر حصول لوبان على 24.38% وماكرون على 22.19%، وفيون على 19.63%، وميلينشون على 18.09%، بحسب ما ذكرته وكالة رويترز.

هل يطيحون بأوروبا؟


قد يقع مصير أوروبا بأكملها في موازين هذه المعادلة: فيؤمن مرشحان شديدا الاختلاف بين المرشحين الأربعة الذين تنافسوا في الجولة الأولى من الانتخابات -مارين لوبان من اليمين المتطرِّف وجان لوك ميلانشون من اليسار المتطرِّف- بمستقبلٍ أفضل لفرنسا خارج الاتحاد الأوروبي، الذي كان يوماً يمثِّل استجابة اقتصادية ودبلوماسية راسخة لمصائب التاريخ.

وفي عهد صعود التطرف السياسي، لم يعُد شيءٌ موكَّداً، على الأقل أي شيء من الأوضاع الحالية.


لماذا انهار احترام الرؤساء في فرنسا؟


في عام 1958، حين أسَّسَ ديغول الجمهورية الخامسة، وهي نظام شبه رئاسي حَكَم البلاد حتى يومنا هذا، كان الوعد الذي قدَّمه لمواطني بلاده هو الاستقرار السياسي قبل أي شيء. لكن الآن في عام 2017، يبدو أن هذا الاستقرار أوشَك على التلاشي. وبغض النظر عمَّن سيخرج منتصراً من جولتي التصويت، فسرعان ما ستتبعهما تغييرات هيكلية جذرية.

سعى ديغول، الذي كان نصف رئيس ونصف ملك، للحكم من خلال الترفُّع عن معارك التشهير الحزبي، وهو مثال حاول خلفاؤه محاكاته في العقود التالية. لكن وفقاً لما يقوله المحللون، فإن هذا قد تغيَّر الآن.

وقال سودير هازاريسنغ، وهو مؤلف كتابٍ نقديٍّ عن ديغول وأستاذ السياسة الفرنسية بجامعة أوكسفورد البريطانية: "كان رؤساء فرنسا الأخيرون شديدي التعصُّب لأحزابهم، وكثيري الميل للتدخُّل، وخاصةً ساركوزي وهولاند. بينما آمن ديغول أن الرئيس عليه أن يترأس البلاد فقط، وأن يُترَك الحُكم للحكومة".


هل تحول الرئيس لمستبد؟


وبالنسبة لكثيرٍ من الناخبين، كشف هذا عيوباً من الجانب المظلم للنظام الذي خلقه ديغول، واستمر لأكثر من 60 عاماً: وجود منصب إداري قوي بالبلاد دون قيودٍ كافية على سلطته. وقد مرَّت لحظاتٌ فرض فيها رؤساء فرنسيون رغباتهم رغماً عن السلطة التشريعية، مثل تدخُّل نيكولا ساركوزي العسكري في ليبيا عام 2011، وإجراءات فرانسوا هولاند المثيرة للجدل لمحاربة الإرهاب.

وفيما يتعلَّق بالسياسة الداخلية على وجهِ الخصوص، قد يبدو أن هذه السلطة الرئاسية لا يمكن إقالتها، حتى عندما تفتقر إدارة ذلك الرئيس للشعبية لدرجة سجّلها التاريخ. وقال باتريك ويل، وهو خبير بارز في شؤون الهجرة والمواطنة في فرنسا: "على سبيل المثال، يحظى هولاند بنسبِ تأييد تتراوح بين 5 و10%، ومع ذلك ما زال يدير البلاد. لا توجد سلطة مقابلة له، ولا يريد الشعب أن يظل هذا قائماً".


هل يتم تغيير النظام؟


وفي معارضةٍ مباشرة لديغول وإرثه السياسي، دعا ميلانشون أثناء حملته لما سمَّاها بـ"الجمهورية السادسة"، وهي نظام دستوري جديد يعتمد -نظرياً- بدرجة أقل على وجود رئيس مهيمن ويعتمد أكثر على التمثيل المتكافئ. ولم تتضح بعد تفاصيل هذه المؤسسة.

وكما هو الأمر في بريطانيا بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، وفي أميركا في ظل حكم ترامب، فهناك في فرنسا الآن رفضٌ واسع الانتشار ضد "النظام".


الفرنسيون يريدون التغيير ولكن ليس لهذا الحد


ومن الحتمي أن تكون أعلى الهتافات صوتاً في أي تجمع سياسي لأنصار ميلانشون هي "de-ga-gez! ألقوا بهم خارجاً!". ومع ذلك فإن الكثيرين ممن لم يحلموا أبداً بمساندة يساري متطرِّف يسعى لتأميم أكبر بنوك فرنسا والانسحاب من حلف شمال الأطلسي NATO يتفقون في النهاية مع دعوته لاتخاذ تلك الإجراءات. يؤمن كثيرون بضرورة التخلُّص من المؤسسة السياسية الفرنسية، بل وضرورة التخلُّص منها في الحال.


هل تندلع الثورة؟


وليست الثورة بعيدة المنال، فللمرة الأولى في تاريخ جمهورية ديغول الخامسة، يُستبعد أن تتأهل أحزاب اليسار المتوسط واليمين المتوسط، التي لم تخرج الرئاسة من بينها قبلاً، للجولة الثانية والأخيرة من الانتخابات.

فقد عانى فرنسوا فيلون، وهو مرشح الجمهوريين، حزب فرنسا المحافظ التقليدي، لصد ادعاءات بالفساد بعد التعرُّض لفضيحةٍ مدمِّرةٍ تعلَّقت بالإنفاق العام. وفي الوقت ذاته، يخسر بينوا هامون- المرشح الاشتراكي معسول اللسان- بوضوح أمام ميلانشون.


الدخلاء


أصبح السباق، كما ترى واشنطن بوست، مسابقةً بين ثلاثة دُخلاء سياسيين: إيمانويل ماكرون، وهو مرشح مستقل أسَّس حركته الخاصة، ومارين لوبان، وهي رئيسة "الجبهة الوطنية" اليمينية المتطرّفة ذات الآراء المضادة للهجرة، وميلانشون، زعيم ما يسميه حزب "فرنسا الأبيَّة" بالتحالف مع الحزب الشيوعي الفرنسي. تحدَّى هؤلاء المرشحون الثلاثة جميع التوقعات المبدئية عندما تقدموا الاستطلاعات الأخيرة، جنباً إلى جنب مع فيلون، فيما يبدو أنه سباقٌ رباعي تبقى كل السيناريوهات فيه محتملة.

لكن بقدر ما يقدِّم كلٌّ من المرشحين الدُّخلاء ذاتَه بصفته وجهاً محتملاً لفرنسا الجديدة والمختلفة كلياً، إلّا أن الظاهرة الجديرة بالملاحظة في الأيام الأخيرة هي كم تَحضُر صورة ديغول ذاته في الطريقة التي يروِّج بها هؤلاء المرشحون أنفسهم لجمهور الناخبين القلِق.

يصرِّح برنامج ميلانشون الانتخابي بأنّه مُعادٍ لديغول بالطبع، فقد أعلن مؤخراً: "ليست لديَّ نية لتنفيذ انقلاب على الحُكم، فأنا لست الجنرال ديغول".

بينما اتجهت مارين لوبان -التي اجتمع حزبها السياسي في منتصف سبعينيات القرن الماضي في معارضة حادة ضد قرار ديغول للتفاوض بشأن استقلال الجزائر- للادعاء بأن سياساتها الاقتصادية الوقائية هي ذاتها سياسات ديغول، برغم إصرار المحللين أن هذا ليس صحيحاً.

وذهب ماكرون إلى أبعد من ذلك، إذ ألقى المصرفي ووزير الاقتصاد السابق خطاباً في التجمع الأخير لحملته الانتخابية بباريس الأسبوع الفائت، صوَّر فيه ذاته كإعادة بعثٍ جديدة لـ"جنرال" فرنسا المحبوب.

وقال ماكرون، وسط تصفيق مدوٍّ: "أختار، مثل الجنرال ديغول، الأفضل من اليمين، والأفضل من اليسار، وحتى الأفضل من الوسط!".

وفي مذكراته، لاحظ الأب المؤسس لفرنسا أنه دائماً ما حرَّكه "تصورٌ معينٌ لفرنسا"، وأنّ بلاده، تحت أية ظروف، عليها "السعي للنجوم والوقوف باعتزاز".

وكتب ديغول: "فرنسا لن تكون فرنسا بدون عظمتها".


هكذا تتعرض فرنسا للخطر الأكبر منذ عهد ديغول


لكن في ضوءِ حملة انتخابية يحددها قُطبا الانقسام المرير داخل صفوف الطبقة السياسية من ناحية والغضب المسيطر على الناخبين العاديين من ناحية أخرى، تواجه رؤية شارل ديغول -والاستقرار الذي كان يعِدُ به- خطراً هو الأكبر منذ عام 1958، وقد لا تنجو منه في النهاية.

كتب ديغول يوماً: "تمتلئ المدافن برجالٍ لا غنى عنهم". وقريباً قد يرقد تصوُّره عن فرنسا بجانبه في السكون الغامض بكولومبي لي دوزيغليز.