لماذا سيصوِّت بعض مسلمي فرنسا لصالح اليمينية المتطرِّفة مارين لوبان؟

تم النشر: تم التحديث:
MARINE LE PEN
Benoit Tessier / Reuters

صدمت مارين لوبان، رئيسة حزب الجبهة الوطنية الفرنسي اليميني المتطرف، السياسيين في سبتمبر/أيلول الماضي حين أعلنت بهدوء أعصاب أنَّ الإسلام متوافق مع الديمقراطية، في الوقت الذي كان فيه العديد من السياسيين يعترضون على ارتداء "البوركيني"، ويُعددون مساوئه.

وكانت مارين لوبان قد تحدثت بعد ذلك خلال تجمعٍ انتخابي عُقد بمدينة براتشي شمالي شرق فرنسا في الشهر نفسه قائلةً: "بغض النظر عن لون البشرة، أو الميول الجنسية، أو الدين، ينتمي المواطنون الذين نعترف بهم إلى مجتمعٍ واحدٍ فقط، وهو المجتمع الوطني". وذلك وفقاً لما نشره موقع ميدل إيست آي البريطاني.

هل هذا انفتاحٌ ضمني على الإسلام، وهو ما يتعارض بشدة مع سمعة الجبهة الوطنية التي تشتهر بكراهية الأجانب، ومحاولة لاستمالة أصوات المسلمين الفرنسيين الذي يُمثِّلون حوالي 5% من الكتلة الانتخابية الفرنسية؟

وقد جاءت الإجابة المدوية بنعم، وفقاً لما ذكره زعماء الحزب، ومن بينهم واليراند دي سان جيست، أمين صندوق الحزب.

إذ قال واليراند: "لطالما كانت الطبقة العاملة هي القاعدة الانتخابية لحزب الجبهة الوطنية، والتي يتكون معظمها من المواطنين الفرنسيين المتضررين، والمواطنين الفرنسيين الذين يعيشون في المناطق التي تعاني فقراً مدقعاً، والمواطنين غير المسلمين، وانضم إليها حالياً المواطنون المسلمون أيضاً".

وفي ديسمبر/كانون الأول عام 2015، كرر جوردان بارديلا، المرشح البارز عن حزب الجبهة الوطنية في الانتخابات المحلية بمدينة سين سان دوني، الرأي نفسه قائلاً: "أظهرت استطلاعات الرأي أنَّ الحزب يحظى بأكبر شعبية له بين سكان المناطق الريفية غير المستقرة".

وأضاف بارديلا: "حين تسأل سكان هذه المناطق عن أفضل الأحزاب التي ستلبي توقعاتهم، سيأتي حزب الجبهة الوطنية دائماً في الصدارة".

ولكن بغض النظر عن هذه التصريحات التي ذكرها زعماء حزب الجبهة الوطنية، هل هناك مسلمون سيصوتون بالفعل لصالح الحزب؟

ليست هناك بيانات رسمية

هناك شكوكٌ بالغة تساور أنتوني غاردين، وهو أستاذٌ في العلوم السياسية، حول صحة هذا الأمر، مشيراً إلى "عدم وجود إحصاءات رسمية للإجابة عن هذا السؤال"، ويحظر أحد القوانين التي صدرت عام 1978 جمع البيانات على أساس ديانة مجموعة بعينها.

وأضاف غاردين: "نتحدث مجازاً عن أصوات المسلمين، بينما في الحقيقة هي أصوات المواطنين الذين تنحدر أصولهم من مهاجري شمال إفريقيا وإفريقيا".

وأشار المحلل السياسي أيضاً إلى أنَّ حزب الجبهة الوطنية حقق مكاسب في جميع أنحاء فرنسا منذ انتخابات الأقاليم التي أُجرِيَت عام 2011، وفي العام نفسه، انتُخِبَت مارين لوبان رئيسةً للحزب، وشهدت شعبية الحزب زيادةً في المناطق الفقيرة أيضاً.

وأضاف غاردين في تصريحه لموقع ميدل إيست آي البريطاني إنَّه على الرغم من ذلك فإنَّ "شعبية الحزب تزداد في المناطق التي تعاني فقراً مدقعاً بمعدلٍ أبطأ من معدل زيادتها على مستوى البلاد ككل".

ولكن، في ظل عدم وجود إحصاءات دقيقة حول "تصويت المسلمين لصالح الجبهة الوطنية"، لا يمكن إنكار حقيقة وجود أعضاء لهم خلفية إسلامية في الجبهة الوطنية. ويقول الخبراء إنَّ هناك دافعين على وجه التحديد قد يجعلان الجبهة الوطنية تحظى بأصوات المسلمين، وهما: الجروح غير الملتئمة جرَّاء الحرب في الجزائر، وإشكالية "تحقيق التكامل".

دوافع تاريخية وراء تصويت بعض المسلمين لصالح الجبهة الوطنية

كان محمد بيليبو قد انضم للجبهة الوطنية بسبب تأييدها لـ"الحركي"، وهم المسلمون الجزائرون الذين جُنِّدوا في الجيش الفرنسي أثناء الحرب الجزائرية.

وقال بيليبو، وهو مسؤول منتخب في إحدى المدن الفرنسية عن حزب الجبهة الوطنية، والسكرتير العام لمنظمة التنسيق بين جمعيات الحركة العائدين للوطن: "حزب الجبهة الوطنية هو الحزب الوحيد الذي يعترف بولاء آبائنا ويحترمه. لقد أعرب الحزب عن امتنانه للحركي العائدين للوطن"، وذلك في تصريحه لموقع ميدل إيست آي البريطاني.

وتدفع الأسس التاريخية نفسها عمار بن مرزوق، البالغ من العمر 72 عاماً، إلى تأييد حزب الجبهة الوطنية. لم يكن أبو عمار ضمن مجموعة الحركي، ولكنَّه كان أحد قدامى المحاربين في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية، وكان يعتقد أنَّ "مستقبل الجزائر سيكون مظلماً إذا كان بها مسلمون فقط"، وذلك في تصريحه لموقع ميدل إيست آي البريطاني من مقر حزب الجبهة الوطنية في باريس.

وأضاف بن مرزوق: "كنا على وفاقٍ مع الأقدام السوداء، وربطتنا أخوة وطيدة"، ومصطلح الأقدام السوداء هو إشارة إلى المستوطنين الأوروبيين الذين ولدوا أو عاشوا في الجزائر لأجيال متتالية خلال فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر الممتدة من 1830 إلى 1962.

وجاءت التشابهات بين روايتي الرجلين مُذهلة. فكلاهما انتخب حزباً اشتراكياً عام 1981، ولكن خيَّب الحزب آماله بـ"تحوله المفاجئ تجاه سياسة التقشف" عام 1983.

واتهم كلاهما الحزب الاشتراكي باستغلال المسلمين للنجاح في الانتخابات في الأحياء التي يعتبرها الحزب "مصادر غير مستغلة للأصوات الانتخابية".

وانضم كلاهما لحزب "التجمع من أجل الجمهورية" اليميني، ثم انسحبا منه. وعقَّب بن مرزوق على ذلك قائلاً: "لم يرد الحزب انضمام المسلمين له".

وتردد كلاهما قليلاً قبل التصويت لصالح الجبهة الوطنية، ثم صوَّت بيليبو لصالح الحزب في عام 1997، كما فعل بن مرزوق عام 1988.

الاندماج والتكامل

كان بن مرزوق قد حصل على الجنسية الفرنسية عام 1959، وكان حِرَفياً سابقاً. وقال إنَّه نجح بسبب اندماجه مع المجتمع. ويفتخر بزواج ابنته في إحدى الكنائس، وتسمية طفليه بأسماء فرنسية، ويرى بن مرزوق أنَّ الاندماج هو الخيار الوحيد المتاح أمام المهاجرين.

وقال بن مرزوق: "يجب علينا الانفتاح على الآخرين، ولكن العرب ما زالوا متقوقعين على أنفسهم. استطعتُ الاندماج مع المجتمع وتحقيق بعض الإنجازات في حياتي".

وصرَّحت مارين لوبان في خطابها بمدينة براتشي قائلةً: "نموذجنا الوحيد هو الاندماج، ولا شيء سواه، والانصهار في بوتقة وطنية واحدة".

ويستبعد ذلك نظرية التكامل والتآلف بين الثقافات، والتي لطالما واجهت اتهاماتٍ بـ"تعزيز تفكك الوطن والجمهورية"، ويستخدم بدلاً منه مصطلح "الاندماج" الذي كان منتشراً في حقبة الاستعمار، والذي عرَّفته الحكومة في أحد منشوراتها الصادرة عام 1927 على أنَّه "الدمج التام والأكثر مثالية للأجانب داخل الوطن".

ويتمسك بن مرزوق بمبدأ تحويل الدين البارز والمختلف إلى شيءٍ أكثر شبهاً بالمجتمع وتماهياً معه. وقال بن مرزوق: "ولذلك، طالما وضع المسلمون الدين في صدارة أولوياتهم، لن يتقدموا قيد أنملة".

ثم أضاف: "يُنحِّي الناجحون دينهم جانباً. لماذا لا يفعل المسلمون مثل المهاجرين الآخرين، ويمارسون شعائر دينهم في منازلهم فقط؟.. لا أعتقد أنَّ الإسلام سيصبح الدين الرئيسي في فرنسا".

الفرنسيون المسلمون قد يصوتون لصالح الجبهة الوطنية كأي مواطنٍ آخر

وبغض النظر عن تذكُّر الأحداث التاريخية وقضية التكامل، قد تكون دوافع الفرنسيين المسلمين للتصويت لصالح الجبهة الوطنية مماثلةً لدوافع أنصار الجبهة الوطنية من غير المسلمين، حسبما ذكر سان جيست لموقع ميدل إيست آي.

وقال سان جيست: "إنَّهم مواطنون فرنسيون، حالهم كحال المواطنين الآخرين. ويتصرفون بالطريقة نفسها التي يفكر بها عموم الفرنسيين. لذا، يعتقدون أنَّ حزب الجبهة الوطنية هو الأقدر على حمايتهم".

وأضاف: "يحظى حزب الجبهة الوطنية بشعبية جارفة في الأحياء الفقيرة".

ويبدو أنَّ ناشطي حزب الجبهة الوطنية الذين تحدثوا إلى الموقع لديهم المخاوف والمطالب نفسها الموجودة لدى أنصار الحزب العاديين، والتي تتعلق بفرض القانون والنظام.

وعقَّب بيليبو قائلاً: "تحتاج البلاد إلى فرض احترامها، سواءً على المستوى الدولي، أو الداخلي".

ثم أضاف: "أتمنى رؤية التوافق بين الدولة ومواطنيها، بغض النظر عن لونهم. وأشفق كثيراً على السكان المهاجرين الفقراء، لقد حُكِم عليهم بالفشل في المجتمع الفرنسي، في حين أنَّهم لو كانوا قد لاقوا تشجيعاً على الانخراط أكثر في المجتمع والشعور بالمساواة، لشهدت فرنسا إزدهاراً كبيراً. ولكن يظل حدوث التكامل مستحيلاً في ظل وجود أكثر من 17% من السكان المحليين ينحدرون من أصلٍ واحد".

ويتشارك بن مرزوق مع بيليبو في الآراء القومية نفسها، إذ قال: "أؤمن بأولوية الوطن، فهو أساس وحدة الدولة المتماسكة. مارين هي الأنسب للمواطنين الفرنسيين المنحدرين من كافة الأصول. وأنا أتبنى التيار القومي، وأحب فرنسا، وأحب الشعب الفرنسي. ولكن في ظل العولمة التي تجتاح العالم حالياً، أصبحنا مجرد قطع شطرنج".

وهناك دافع قوي آخر بين أنصار حزب الجبهة الوطنية، سواءٌ كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وهو مبادئ الحزب الثقافية المحافظة، وخاصةً حين يتعلق الأمر بالقيم.

ولاحظ بن شيخ، مؤسس جمعية "أبناء فرنسا"، هذه النزعة داخل جمعيته، وقال: "يُفضِّل المسلمون، شأنهم كشأن بعض المسيحيين، السياسات الأكثر مُحافظة، ولذلك سيصوتون لصالح الجبهة الوطنية. إذ يهتم المسلمون بالقضايا الأخلاقية، وخاصةً إلغاء قانون زواج المثليين".

وهناك سمةٌ مشتركة أخرى بين المسلمين تتمثل في رفضهم المؤسسة السياسية، والتي تسميها الجبهة الوطنية حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية، وهو الاسم السابق لكيان مشترك كان يضم الحزب الجمهوري والحزب الاشتراكي.

وكان بيليبو وبن مرزوق عضوين في حزب "التجمع من أجل الجمهورية"، والمعروف بسياساته الديغولية (نسبةً إلى شارل ديغول الرئيس الفرنسي السابق).

وقال عمر الجليل، الذي يبلغ من العمر 46 عاماً وانضم إلى حزب الجبهة الوطنية عام 2011، إنَّ "النظام" كان عاملاً حاسماً في تحويل وجهته إلى الحزب.

وأضاف الجليل: "خيانة اليسار هي التي فتحت عيني على الحقيقة أخيراً، لقد توقف اليسار عن تبني السياسات اليسارية، وتبنى بدلاً منها آلة سياسية واسعة النطاق لا ترعى سوى المصالح الشخصية لقادة الحزب. لقد فقد اليسار الشرعية السياسية تماماً".

ورغم ذلك، ترك الجليل حزب الجبهة الوطنية مؤخراً، إذ خابت آماله بسبب سياسة الاندماج التي تتبناها مارين لوبان، ولا تحظى هذه السياسة بموافقة الجميع.

وضع الأعضاء المسلمين تحت الاختبار

من الواضح اهتمام مارين ومعاونيها بالترويج لتصويت الفرنسيين القوميين المسلمين لحزب الجبهة الوطنية. وهذا جزءٌ من إستراتيجية تهدف إلى "تحسين صورة" الحزب، وتماشياً مع شعار حملة مارين: "دولةٌ متصالحة مع نفسها".

وبالإضافة إلى ذلك، يصر هؤلاء الأعضاء على أنَّهم لم يتعرضوا إطلاقاً للعنصرية داخل حزب الجبهة الوطنية. وقال بيليبو بكل وضوح: "إذا أبدى شخصٌ ما سلوكاً عنصرياً تجاهي، سأسأله ما إذا كان لديه أجداد مثل أجدادي، بذلوا حياتهم من أجل بلادهم".

ولم يختلف كلام بن مرزوق الذي قال: "لم أتعرض إطلاقاً منذ انضمامي للحزب عام 1988 لأي سلوكٍ عنصري. فلا يريد أعضاء الحزب منَّا سوى أن نُحب فرنسا، وأنا أحبها. أتجول عادةً في شوارع المدينة لإجراء نقاشاتٍ مع الناس، وينعتنا الناس بالنازيين، ولكنَّهم صاروا يفعلون ذلك أقل مما مضى، فأقول لهم إنَّ الحرب قد انتهت، وحان وقت التفكير في مستقبل أطفالنا".

ومع ذلك، تُساوِر هاويز سينيغر، وهو باحثٌ في العلوم السياسية، بعض الشكوك. وأكَّد سينيغر على أنَّ "الحزب الذي بنى أيدولوجيته على التحقير من شأن "الآخرين"، سيحافظ دائماً على هذا الأساس الأيدولوجي".

وقال سينيغر إنَّ حزب الجبهة الوطنية يتوقع المزيد من المسلمين أكثر مما يتوقعه من الفرنسيين القوميين الآخرين، مُعرضاً إياهم لما يشبه الاختبار لمدى مواطنتهم، وأضاف سينيغر: "يضطر المسلمون بالحزب لبذل الجهد باستمرار. وهذه التساؤلات حول الإسلام تضعف النسيج الاجتماعي وتخلق الشكوك في كل مكان. فبالأمس، هاجمت الجبهة الوطنية المهاجرين، واليوم تهاجم المسلمين. هذه فكرة رئيسية ثابتة يتبناها الحزب، فهو يعتبر أنَّ الأجانب يُشكلون تهديداً. وما يُمثِّل قلقاً رئيسياً للجبهة الوطنية هو احتمال أن يُصبح الإسلام الدين الرئيسي في فرنسا يوماً ما، وأن يصبح مكوناً بارزاً في المجتمع الفرنسي".

ويتفق الجليل مع هذا الرأي، ويحاول إسقاط القناع المزيف لحزب الجبهة الوطنية الذي يحاول تغيير لونه كالحرباء والظهور كحزبٍ متساهل مع المسلمين. إذ كان من أعضاء الحزب حين طالب جان ماري لوبان، والد مارين لوبان، بوضع ميثاقٍ يخص الإسلام في فرنسا.

وقال الجليل: "من وجهة نظري، تبنت مارين موقفاً مختلفاً تماماً عن والدها، لقد كنتُ من أشد المؤيدين لمشروع مسجد مارسيليا الكبير، وعارضته الجبهة الوطنية آنذاك. بيد أنني تحدثت مع جان ماري لوبان وقتها، وكان مُحبِّذاً لفكرة المشروع". وأضاف الجليل: "وبعد ذلك، توقف الحزب عن دعم المشروع بفعل "فريق مارين" داخل الحزب.

وواصل الجليل حديثه قائلاً: "أكثر الأعضاء خُبثاً داخل الحزب هم مارين، وماريون ماريشال لوبان (عضوة برلمانية عن الحزب)، وفلوريان فيليبو، ولويس أليوت (نائبي رئيسة الحزب)، إذ يزعمون أنَّ الشراكة مع المسلمين لا تتفق مع سياسات الحزب. ويشوب الموقف الكثير من التناقض، فمن جانب يُعلن الحزب تصريحاتٍ مُعادية للإسلام داخل فرنسا، ومن جانب آخر، تبنت مارين سلوكاً أكثر احتراماً نوعاً ما تجاه الإسلام على المستوى الدولي.

ويرى الجليل أنَّ هذه خدعة للفوز بأصوات مسلمي فرنسا، وقال الجليل: "تحاول مارين ركوب الموجة الشعبوية لسياسات الهوية".

وأضاف الجليل: "من وجهة نظري، هناك تياران داخل الجبهة الوطنية، أحدهما متساهل مع المسلمين، والآخر، الذي يضم مارين، معادٍ تماماً لهم، مع أنَّها أعلنت قبل ذلك أنَّ الوطن يسَع المسلمين. ولذلك، تركتُ الحزب منذ عامين، ولم أرد الاستمرار في تأييد الجبهة الوطنية".