"سنوات التساهل" يجب أن تنتهي.. موضوع "الإرهاب" يطفو على السطح في المرحلة الأخيرة من الحملة الانتخابية الفرنسية

تم النشر: تم التحديث:
S
s

مرة أخرى، تصدّر الإرهاب مشاغل الشعب الفرنسي، في الوقت الذي كانوا يراقبونه خارج حدود وطنهم. ومن المثير للاهتمام أن السيناريو ذاته قد وقع خلال سنة 2012، عندما عكرت الهجمات الإرهابية التي شنها محمد مراح، صفو الحملة الانتخابية الفرنسية. وقبل 5 أيام فقط من الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية الفرنسية لسنة 2017، كانت فرنسا على وشك أن تتعرض لضربة إرهابية أخرى. لولا نجاح الشرطة في إحباط العملية قبل تنفيذها.

لم تخلُ الساحة الفرنسية، شأنها شأن الساحة الأوروبية، من الأخبار التي تطرقت إلى قضية الهجمات الإرهابية، في الآونة الأخيرة. وفي إطار الحديث عن التفجيرات المتعددة التي استهدفت فرنسا في السابق، أو الهجمات الحديثة التي عرفتها كل من لندن وستوكهولم؛ لم يكن هناك أي صدى، في هذه الأخبار، لوجود تهديد إرهابي محتمل. والجدير بالذكر أنه وقبل هذه الحادثة، نأت الحملات الانتخابية بنفسها عن الخوض في أي مسائل تتعلق بالإرهاب.

في هذا الصدد، تساءل إريك دلباك، مدير قسم الاستخبارات الاستراتيجية في شركة "سيفاريس"، وهي شركة استشارية متخصصة في مجال الأمن، قائلاً: "لماذا تغيب قضية الأمن الوطني عن المناقشات في إطار الحملة الانتخابية الرئاسية؟". وهو التساؤل عينه الذي طرحه إيمانويل دوميناش، نائب رئيس جمعية "13 نوفمبر/تشرين الثاني.. أخوة وحقيقة"، في حديثه إلى صحيفة "هافينغتون بوست" في نسختها الفرنسية.

من جانب آخر، أشار فرانسوا فيون، في مداخلة له خلال اجتماع في مدينة ليل الفرنسية، إلى أن "هناك موضوعاً مستبعداً في صلب هذه الحملة الانتخابية، وهو الإرهاب".


مخاوف حول الوضع الأمني


في الحقيقة، لم تترك الفضائح القضائية التي تورط فيها كل من فرانسوا فيون ومارين لوبان، خلال هذه المرحلة من الحملة الانتخابية، مجالاً للتطرق إلى قضية الإرهاب، كما حالت دون أن يطرح هذا الموضوع بشكل جدي في خضم الحوار السياسي. في المقابل، تمحورت المداولات أساساً حول أخلاقيات الحياة السياسية، والفوضى الانتخابية التي يمكن أن تخلقها تلك القضايا. وفي الأثناء، لم يدمج موضوع الإرهاب بصفة فعلية في صلب النقاش الانتخابي.

وفي ظل غياب أي حوادث تُذكر خلال الحملة الانتخابية، لم تأخذ السلطات التهديد المحدق بالمرشحين وإمكانية تعرضهم لهجمات إرهابية، على محل الجد. ومن بين الوقائع التي شهدها بعض المرشحين للانتخابات الرئاسية، تم رش فرنسوا فيون بمادة الطحين خلال اجتماع له في ستراسبورغ، فضلاً عن رشق إيمانويل ماكرون بالبيض خلال زيارته لمعرض خاص بالزراعة في العاصمة باريس.

ومن بين الأحداث الأخرى التي جدّت خلال الحملة الانتخابية، قامت شابة، تنتمي إلى حركة "فيمن"، باقتحام مؤتمر صحفي للمرشحة الرئاسية الفرنسية مارين لوبان في باريس. علاوة على ذلك، رمي جيلبرت كولار بزجاجة حارقة (مولوتوف). وقد وقعت الزجاجة على بعد أمتار قليلة منه. ورغم تواتر الهجمات، فإن جان لوك ميلينشون يصر على تنظيم لقاءاته مع مناصريه في الهواء الطلق، علماً أنه مجال يستحيل تأمينه بشكل تام.


المرشحون الحذرون يعززون أمنهم


هل يمكن اعتبار ما حدث تهاوناً بحتاً؟ ليس تماماً؛ لأنه من الواضح أن السياسة، وفقاً للنموذج الفرنسي، تفتح أبوابها أمام الجميع، بحيث لا يمكن توقُّع أن تخلو أي حملة انتخابية من بعض الصدامات بين المرشحين والناخبين. وفي الأثناء، لم يكن أي مرشح في الانتخابات بفرنسا، ضحية لهجوم إرهابي حقيقي. فضلاً عن ذلك، وحتى لو تم توفير الحماية اللازمة للمرشحين، فإن ذلك لا يعني بالضرورة انعدام الخطر تماماً على حياة المرشحين.

وإثر الكشف عن التهديد الذي يستهدف الانتخابات الرئاسية، اتخذت الدولة على الفور التدابير اللازمة، حيث نبّهت، أولاً، الجهات المسؤولة في الحملات الانتخابية المعنية بالتهديد، ومن ثم قامت بنشر فرقها المتخصصة. وفي هذا الصدد، أشار وزير الداخلية الفرنسي، ماتياس فيكل، إلى أن القوات المسؤولة عن حماية فرانسوا فيون قد تم تعزيزها منذ يوم الجمعة 14 أبريل/نيسان، إبان زيارته لمدينة مونبلييه. وتجدر الإشارة إلى أن مؤتمرات المرشح الرئاسي الانتخابية يسهر على تأمينها قناصة وأعضاء قوات "رايد" الخاصة.

وفي إطار اللقاء الذي شارك فيه فرنسوا فيون، يوم الثلاثاء 18 أبريل/نيسان، كان التمركز الأمني مكثفاً؛ وذلك لتوفير الحماية الكافية لفيون، وفقاً لما أفاد به موقع "20 دقيقة" الفرنسي. وفي هذا الصدد، صرّح لوي ديليمر، نائب الرئيس عن تجمع "شباب مع فيون" بشمال فرنسا، بأن "الولاية أكدت لنا أنه سيتم إرسال عدد أكبر من رجال الشرطة الذين سيُؤمِّنون مكان الاجتماع". وأضاف ديليمر أن عدد أعوان الأمن المتعاقد معهم من طرف فريق حملة فيون الانتخابية، سيرتفع إلى الضعف.


محاولة استغلال الموقف


في الواقع، لن تمر مسألة الحادثة الإرهابية التي تم إحباطها مرور الكرام، كما أنه من المرجح أن يكون لها عواقب سياسية. ومن هذا المنطلق، ستطغى قضية الإرهاب في فرنسا على المرحلة النهائية من الحملة الانتخابية. وفي هذا السياق، أوضح فرانسوا فيون، أبرز المعنيين بهذه المسألة، أن "الديمقراطية يجب ألا ترضخ أمام التهديدات والتخويف الذي يمارسه الإرهابيون"، فيما يسعى فريق حملته إلى استغلال الأحداث الأخيرة لخدمة مصالح المرشح الرئاسي.

وعلى خلفية إحباط هذا الهجوم الإرهابي المزعوم، أوردت المتحدثة السابقة باسم حزب الجمهوريين، ليديا غيرو، التي تساند المرشح اليميني، في تغريدة لها على موقع تويتر، أن "المشتبه فيهما اللذيْن أُلقي القبض عليهما كانا يهدفان في الحقيقة إلى مهاجمة فرانسوا فيون. ويتمثل السبب وراء ذلك في أنهما كانا يدركان جيداً أن فيون يُعد من أبرز المرشحين الذين أعلنوا الحرب على التطرف والراديكالية".

وفي هذا السياق، استغل فينسينت غويت، الذي عُرف بتأييده للجمهوريين، الموقف لتوجيه انتقادات لاذعة للصحفيين، حيث أفاد في تغريدة على تويتر بأنه "في حين كان فيون يواجه خطراً محدقاً، ارتأى بعض الصحفيين انتقاد الأجهزة الأمنية التابعة للمرشح".

أما بالنسبة لـ"الجبهة الوطنية"، وفي الوقت الذي تسعى فيه مارين لوبان إلى رسم ملامح هويتها السياسية، لم تفوّت المرشحة الفرصة لاستغلال حادثة إحباط الهجوم الإرهابي. وفي هذا الإطار، صرّح أحد المقربين من لوبان لوكالة فرانس برس بأنه "ربما ليس من قبيل الصدفة أن يتم إلقاء القبض على إرهابيين في مرسيليا بالتزامن مع اللقاء المزمع تنظيمه في اليوم التالي هناك بحضور مارين لوبان هناك".

ومن جهته، أشار فريدريك بوكاليتي، المستشار الإقليمي في إقليم "بروفانس ألب كوت دازور"، إلى وجود رابط وثيق بين الحدثين. وفي هذا الإطار، أورد بوكاليتي في تغريدة له على موقع تويتر: "أهنئ رجال المديرية العامة للأمن الداخلي الذين نجحوا في إيقاف الرجلين في مرسيليا، وذلك قبيل يوم واحد من الاجتماع المرتقب لمارين لوبان".

علاوة على ذلك، أقر الصحفي روبير مينار، وهو أحد الداعمين لمارين لوبان، بأنه "في غياب مراقبة الحدود والمحاربة الحقيقية للتطرف، سنظل تحت رحمة أحداث مماثلة".


"سنوات التساهل"


من جهة أخرى، استنكر فلوريان فيليبو، على قناة بي إف إم الفرنسية، ما سماها "سنوات التساهل"، حيث أشار إلى تراجع التدابير التي لطالما أوصت بها لوبان؛ على غرار إغلاق الحدود "وإغلاق المساجد المتطرفة".

وفي الأثناء، يبدو من الصعب الجزم بما إذا كانت التدابير التي نوه بها كل من فلوريان فيليبو وروبير مينار، ستلعب دوراً في تغيير مسار حياة الشخصين اللذين أُلقي عليهما القبض. فضلاً عن ذلك، ليس من الواضح إن كان "لغلق الحدود" تأثير فعلي على الرعايا الفرنسيين، أو أن إغلاق المساجد، التي غالباً ما تخلو بالفعل من المتطرفين، سيسهم بشكل ملموس في الحد من مثل هذه العمليات.

وفي مساء الثلاثاء، أصدرت مارين لوبان بياناً ذا لهجة حادة في أعقاب الاعتقالات، حيث قالت إنه "خلال العشر سنوات الماضية، نما التطرف بشكل كبير في فرنسا من دون أن يتم التصدي له أو إيجاد حل جذري لذلك. ومن ثم، ارتفع عدد العمليات الإرهابية والتهديدات بشن هجمات بشكل كارثي".

علاوة على ذلك، بيّنت رئيسة "الجبهة الوطنية" أن "العنف يسود فرنسا لدرجة أن الميليشيات من أقصى اليسار أو المتطرفين الفاشيين لم يترددوا في القيام بانتهاكات يومية، في حق الشرطة فضلاً عن الاجتماعات العامة للمواطنين، دون أن يتم معاقبتهم".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Huffingtonpost النسخة الفرنسية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.