يدعم أوروبا واللاجئين.. "ماكرون" المرشح الوسطي يتراجع.. فهل أصبح الاعتدال عيباً بفرنسا؟

تم النشر: تم التحديث:
S
s

قبل أن تشرق شمس باريس، كان إيمانويل ماكرون يفحص اللحوم المعروضة في إحدى أسواق الجملة. ويُعد الاستيقاظ مبكراً للحديث عن "قيمة العمل الشاق" بينما يشاهد الجزارين يسلخون رؤوس العجول، أنه حركة ترويجية كلاسيكية لأي مرشح رئاسي في الانتخابات الفرنسية. لكنَّ هذه الزيارة بدت أكثر ضرورةً من المعتاد.

ماكرون، مرشح الوسط المستقل الذي يخوض الانتخابات للمرة الأولى، كان يُنظَر إليه باعتباره أكثر المرشحين قرباً من الفوز، لكنه يمر في هذه الأيام الأخيرة من الانتخابات بوقت عصيب، قبل الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية يوم الأحد 23 أبريل/نيسان، حسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

وكان ماكرون، الذي عرض نفسه باعتباره تقدمياً مؤيداً لأوروبا، قد انتقل من كونه حصاناً أسود إلى تصدّر الاستطلاعات منذ 3 أشهر. لكن مع تناقص الفجوة بينه وبين غيره في استطلاعات الرأي، وبقاء ثلث الناخبين بلا تقرير لرأيهم حتى الآن، أصبحت نتيجة السباق الرئاسي غير مؤكدة إلى حد كبير.

ويعترف مؤيدو ماكرون بأنَّ الأيام القليلة الأخيرة من الحملة سوف تكون قاسية وعصية على التوقع. وعلى الرغم من إشارة استطلاعات الرأي إلى أنَّ بإمكان ماكرون الفوز بالجولة الثانية المقرر عقدها في السابع من شهر مايو/أيار 2017، فإنَّ على ماكرون أن يصعد إلى هذه الجولة في المقام الأول، وهذا أمر ليس مضموناً على الإطلاق.

وقال أحد الجزارين بينما كان واقفاً لالتقاط سيلفي مع ماكرون في السوق، وقبل لحظة من بدء تسجيل وسائل الإعلام: "الرئيس الجديد. إنه لم يفز بعد!".

ذكّره ماكرون بلطف: "ينبغي لك التصويت أولاً".

وكانت نسب تأييد ماكرون، الذي عمل وزيراً لاقتصاد الرئيس الاشتراكي فرانسوا أولاند، قبل أن يعد بـ"تثوير" السياسة الفرنسية من خلال ترشحه للرئاسة، كانت هذه النسب قد تناقصت في استطلاعات الرأي خلال الأسابيع الأخيرة. والأمر ذاته ينطبق على المرشحة الأساسية الأخرى من حزب الجبهة القومية اليميني المتطرف، مارين لوبان، التي كانت على المستوى نفسه مع ماكرون في استطلاعات الرأي.


صعود للمتشدد والمفضوح


من الطبيعي للمرشحين الأساسيين في الانتخابات الرئاسية أن يتناقص تأييدهم باستطلاعات الرأي في الأسابيع الأخيرة من الحملة الانتخابية في انتخابات الرئاسة الفرنسية، لكنَّ انخفاض تأييد ماكرون ولوبان صاحبه ارتفاع منتظم لليساري المتشدد جان لوك ميلينشون الذي يصفه البعض بشافيز فرنسا ، والمرشح اليميني المفضوح فرانسوا فيون. ويبدو الأخير قادراً على استعادة الناخبين الذين أداروا ظهورهم له بعد مزاعم أنه أعطى وظائف وهمية لزوجته وأطفاله من أموال دافعي الضرائب.

ثمة 4 مرشحين في هامش خطأ استطلاعات الرأي ومعدل الامتناع عن التصويت الذي قد يكون أعلى من المعتاد. وليس من المؤكد أي من المرشحين سوف يصعد إلى الجولة الأخيرة.

خاطر ماكرون، عندما التُقِطَت له صورة هو وزوجته يبتسمان وينظران إلى الأسفل بينما كانا في مصعد جبلي بمنتجع في الجنوب الغربي، بالظهور بمظهر اللامبالاة المتغطرسة. ومن ثم، قرر قضاء باقي أيام حملته الانتخابية مختلطاً بالجماهير، على الرغم من اختياره هذه الجماهير بعناية، مثل سوق العمال الذين يستحسنون وعده بالتقليل من البيروقراطية والرسوم المفروضة على أصحاب الأعمال.

كان ماكرون ينوي جعل المؤتمر الانتخابي الضخم الذي عقده في استاد باريس يوم الإثنين، والذي جذب 20 ألف شخص، منصة لدعوة آلاف المتطوعين لحركته المسماة (أون مارش)، والتي ستكون مسؤولة عن عقد عشرات الاجتماعات للحملات الانتخابية المحلية الأسبوع الجاري.

وقال ماكرون، لامزاً لوبان، إنَّ الناخبين لديهم حرية الاختيار بين "الشجاعة في مقابل الاستسلام". وتظهر استطلاعات الرأي أنَّ أغلب مؤيدي ماكرون من الناس المتفائلين بمستقبلهم، على الرغم من الشعور الجارف بالتشاؤم والغضب في بلد يعاني إثر عقود من البطالة الضخمة والحضور المتزايد لتهديد الإرهاب.

لكن، حتى في ذلك المؤتمر البهيج بالعاصمة، كان مسؤولو الحملة على دراية بالمهمة الثقيلة التي يواجهونها.

دومينيك دوسار، (57 عاماً)، التي ترأست حركة أون مارش في مدينة يون جنوب باريس، اعترفت بقلقها من احتمالية تراجع قاعدة داعمي ماكرون. قالت لوكالة AFP: "نحنُ قلِقون من تقدّم ميلينشون. كان صفعة على الوجه؛ لأننا لم نكن نتوقع حدوثه".

وقد احتوت قاعدة ماكرون الانتخابية دوماً على نسبة من المصوِّتين المتأرجحين تفوق أياً من المرشحين الرئيسيين الآخرين. والتحدي الذي يواجهه هذا الأسبوع، هو التركيز على المستجدات في برنامجه الانتخابي، وربما الخروج بإجراءات جديدة تتصدّر عناوين الأخبار.


اللاجئون


وفي انتخاباتٍ تركز على شخصيات المرشحين أكثر من أي موضوعٍ آخر، فإن شعار "لا يسار ولا يمين" الخاص بماكرون لم ينجح في إبراز أيّ ملمحٍ من ملامح خطته أمام الناخبين. يُشير جامعو الأصوات إلى وعوده بتقليص الضرائب على السكن المحلي التي يدفعها 80% من الفرنسيين، أو إلى خطط إصلاح نظام إعانات البطالة، أو تخفيف القيود والرسوم على الأعمال التجارية.

وعكس فيون وماري لوبان، يقول ماكرون إن فرنسا لا بد أن تُظهر تضامنها مع اللاجئين، ودعا إلى تبنّي سياسة "فعالة، وواضحة، تُنفّذ بالتعاون مع شركائنا الأوروبيين" تجاه الهجرة واللاجئين.

عند منضدة تحمل بيانات ماكرون الانتخابية، إلى جانب كشك بلالين بإحدى أسواق وسط باريس في نهاية الأسبوع، حاول أحد أفراد حملة أون مارش إقناع الناخبين. سأل بعضهم عن انخفاض نسبة التأييد لماكرون في استطلاعات الرأي، وحاول الرجل حث ناخبٍ أربعيني متردد بين انتخاب ماكرون والعودة إلى "حزبه الطبيعي" وانتخاب فيون اليميني، قائلاً: "قبل فترة ليست بالطويلة، قال الجميع إن إيمانويل ماكرون من المستحيل أن يصل إلى هنا، لكننا أثبتنا خطأهم، والآن نحنُ قريبون جداً من خط النهاية". وقال الناخب: "ما زلت لا أعرف يقيناً ما يمثله إيمانويل ماكرون".

واقتبست صحيفة لوموند الفرنسية عن عضوٍ بالبرلمان في دائرة ماكرون قوله "لقد انتقلنا في بضعة أيامٍ من (يُمكن أن نفوز) إلى (يُمكن أن نخسر). هناك الكثير من التوتر، وماكرون يُحاول إظهار الهدوء والصفاء، لكنني لستُ واثقاً بهذا- إنه متوتر من الداخل".

ليس ماكرون وحده في مواجهة جولةٍ أولى غير مؤكّدة هذا الأسبوع. يقول فيليب برو، المحلّل بمركز سيفيبوف في جامعة سيانس بو: "بعد الوصول إلى أعلى مستوياتها قبل أسبوعين، يُمكن الإحساس بهشاشة حملة إيمانويل ماكرون، لكنّها هشاشة لا تصل إلى درجة التفتت".

ماري إمبير، المؤيدة البالغة من العمر 27 عاماً والتي ترتدي قميصاً قصير الأكمام يحمل عبارة "ماكرون رئيساً"، قالت لوكالة AFP في مؤتمر باريس الانتخابي يوم الإثنين، 17 أبريل/نيسان، إن تقارب النسب في استطلاعات الرأي يعدّ تحذيراً من الاطمئنان إلى نتيجة واحدة من أكثر الانتخابات غير المتوقعة منذ عقود.

وأضافت: "تقارب النسب يحشد المؤيدين. يعني هذا أننا سنضطر إلى العمل على الأرض حتى منتصف ليلة الجمعة".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.