3 تفسيرات للضربة الأميركية "الغامضة" على مطار الشعيرات في سوريا

تم النشر: تم التحديث:
TRUMP
JIM WATSON via Getty Images

في الرابع من أبريل/نيسان 2017، شنَّت القوات الحكومية السورية هجوماً بالأسلحة الكيماوية على بلدة خان شيخون، ما أسفر عن مقتل عشرات الأشخاص، بينهم العديد من الأطفال.

بعد يومين، ضربت الولايات المتحدة مطار الشعيرات التابع لحكومة الأسد بصواريخ كروز، مما أسفر عن مقتل 7 أشخاص على الأقل وتدمير عدد من الطائرات الحربية السورية. وبعد وقت قصير من الغارة، أصدر عضوا مجلس الشيوخ الأميركي جون ماكين وليندسي غراهام بياناً مشتركاً، يشيدان فيه بقرار الرئيس دونالد ترامب الذي "يرسل رسالة مهمة" إلى النظام السوري، وهو ما كرره العديد من المراقبين الآخرين منذ ذلك الحين.

لكن ما الرسالة التي ترسلها تلك الضربات؟ يجادل العديد من أنصار الهجوم بأنه سوف يظهر للرئيس السوري بشار الأسد أن الولايات المتحدة ستعاقب حكومته إذا ما استخدمت الأسلحة الكيماوية مرة أخرى، وأن هذا من شأنه أن يردعه عن تكرار ذلك مرة أخرى. في الواقع، كانت رسالة تلك الضربة غامضة، ولذلك من الخطأ أن نفترض أنها ستغير سلوك الأسد.


رسائل مختلطة


هناك 3 تفسيرات رئيسية، ربما يتبنى الأسد أحدها، للضربة التي نفذتها الولايات المتحدة ضده. في السيناريو الأول، قد يعتبر الأسد الهجوم إشارة إلى أن الولايات المتحدة جادة في التزامها باستخدام القوة الإضافية رداً على هجمات الأسلحة الكيميائية. إذا كانت هذه هي الطريقة التي يرى بها الأسد الضربة، فربما يمنع الرئيس السوري قواته من استخدام الأسلحة الكيماوية مرة أخرى خوفاً من رد الولايات المتحدة. من وجهة نظر الولايات المتحدة، هذا هو السيناريو الأكثر تفاؤلاً، والأكثر تأثيراً بأقل تكلفة، فهو يسبب تغيراً في سلوك الأسد في مقابل 59 صاروخ توماهوك فقط.

في السيناريو الثاني، قد يعتبر الأسد الهجوم إشارة إلى أن الولايات المتحدة لا تهتم كثيراً باستخدام نظامه الأسلحة الكيميائية.

فقد ردَّت الولايات المتحدة على ما يعتبر أسوأ جرائم الحرب بإطلاق بضع عشرات فقط من صواريخ كروز على مطار، وأعطت الأسد فرصة لحماية قواته عن طريق إبلاغ حُماته في روسيا مقدماً بنيَّتها تنفيذ ذلك الهجوم. وإذا كانت الولايات المتحدة تهتم حقاً بهجمات الأسلحة الكيميائية بقدر ما تدعي لكانت قد فعلت أكثر من ذلك بكثير لتغيير حسابات الأسد.

إذا ما فكَّر الأسد بهذه الطريقة، فإنه لن يجد سبباً لتغيير نهجه في استخدام أسلحة كيماوية، ولاسيما إذا كان يعتقد أنه لا بديل عنها في الحرب الأهلية في سوريا. قد يتوقع الأسد أن استخدامه لها مرة أخرى لن يجلب عليه سوى مجرد "قرصة أذن".

الاحتمال الثالث هو أن الأسد قد يعتقد أن ترامب أمر بتنفيذ ذلك الهجوم كمسرحية سياسية داخلية، ليظهر للشعب الأميركي أن واشنطن مستعدة لاتخاذ موقف حاسم في مواجهة ما يسميه ترامب "إهانة للبشرية". في هذه القراءة، لا يقصد بالهجوم توصيل شيء عن عزم الولايات المتحدة التحرك ضد سوريا في المستقبل، ولكن مجرد تمثيلية أمام الشعب الأميركي. إذا رأى الأسد أن هذا هو الدافع الأساسي للضربة فلن يكون هذا سبباً كافياً لتغيير نظرته السابقة، عن الكيفية التي قد تتعامل بها الولايات المتحدة معه في المستقبل.

لكلٍّ من هذه التفسيرات أثرٌ مختلفٌ على كيفية تصرُّف الأسد. فالضربة أرسلت إشارة غامضة حول تقييم الولايات المتحدة لهجوم الأسلحة الكيميائية، ولم توضح كيف سترد الولايات المتحدة على إجراءات مماثلة في المستقبل.


رهان منخفض


يكمن هذا الالتباس في سبب بسيط جداً: عندما تُرسل الولايات المتحدة رسائل عسكرية يمكن تنفيذها بسهولة -على سبيل المثال عن طريق إطلاق صواريخ كروز أو شنّ غارات بطائرات بدون طيار- لا تأخذ الأهداف تهديدات واشنطن فيما يتعلق بنواياها المستقبلية على محمل الجد. ويظل ذلك الاعتقاد جارياً حتى عندما تهدد الولايات المتحدة باستخدام القوة ضد الدول الضعيفة، مثل سوريا.

فلننظر إلى المنطق المستخدم في لعبة البوكر؛ كلما ازدادت قوة البطاقات الموزعة، يقدم اللاعبون رهاناتهم محاولين التأثير على احتمالات غرمائهم حول البطاقات التي يحملونها. قد تقدم إحدى اللاعبات على الرهان بكل ما لديها، بوضع كافة أموالها في الرهان. في هذه الحالة، تكون هذه اللاعبة على استعداد تام بالمخاطرة بكل شيء، وهو عادة ما يُفسَّر على أنها تمتلك بطاقات قوية، لأنها غالباً ما ستفقد كلَّ أموالها بإقدامها على ذلك الرهان ما لم تكن لديها بطاقات جيدة. وعلى عكس ذلك، فاللاعب الذي يراهن بالحد الأدنى على أمواله، لن يستطيع إقناع منافسيه بأنه يملك بطاقات قوية. إلا أنه من الممكن أن يكون هذا اللاعب الذي يراهن بمبالغ صغيرة يمتلك بطاقات جيدة، ولكنه ببساطة يتريث من أجل رفع رهاناته لاحقاً، وبينما لا يشكل الرهان الرخيص خطراً يذكر على فيشات اللاعب، فإنه بذلك لا يرسل إشارة تدل على أنه يمتلك بطاقات جيدة إلى اللاعبين الآخرين.

ينطبق نفس المنطق على الغارة التي شنَّتها الولايات المتحدة ضد سوريا، مع أن الضربة في هذه الحالة، كانت إشارة على استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة. وكان الهجوم على المطار سهلاً وغير مكلف، فتكلفة صواريخ كروز تُعد رخيصةً جداً بالمقارنة بمئات الملايين من الدولارات التي تنفقها واشنطن على الدفاع كل عام، كما نفَّذت الولايات المتحدة تلك الغارة دون المجازفة بأي من قواتها.

وهكذا، عبرت تلك الغارة عن كافة سمات القوة التي طورتها واشنطن منذ انتهاء الحرب الباردة: أي العمليات التي تستهدف خصوماً ضعفاء من بعيد، مع القليل أو بدون قوات أميركية على الأرض.


الأميركي يتسامح مع الضرب من بعيد


ولأن هذه الأنواع من الهجمات رخيصة التكلفة وسهلة ولا تكلف الولايات المتحدة خسائر كثيرة؛ فإن الشعب الأميركي عادة ما يكون على استعداد للتسامح معها. ولكن مثل هذه الهجمات أيضاً لا تُعد إشارة لخصوم الولايات المتحدة على استعداد واشنطن للمضي قدماً. بعبارة أخرى، لن ينخدع أحد بالتفكير في أن الولايات المتحدة عازمة على الرهان بـ"كل ما لديها" عندما تقدم رهاناً صغيراً بإطلاقها بضعة صواريخ. وهو ما يفسر سبب محاولات الولايات المتحدة الحثيثة منذ فترة طويلة لإجبار البلدان الضعيفة، مثل العراق وليبيا وسوريا، على تغيير سلوكها باستخدام القوة الرخيصة.

قد تُخطئ إدارة ترامب إذا ظنَّت أن غارتها الأخيرة قد أقنعت النظام السوري بأن الولايات المتحدة مُصرَّة على مواجهة استخدام أسلحة كيميائية في المستقبل، أو أن الولايات المتحدة قد تُصعِّد من تدخلها في الحرب الأهلية السورية بشكل عام. (ولا يعني ذلك أن إدارة ترامب يجب أن تشن مزيداً من الغارات ضد الأسد لتظهر أنها مهتمة بهذا الشأن؛ فمحدودية الضربة الأخيرة قد تكون مؤشراً دقيقاً على عدم التزام الولايات المتحدة الكامل بإنهاء الحرب في سوريا).

كما لا ينبغي للإدارة الأميركية أن تفترض أن الهجوم الأخير من شأنه أن يثني البلدان الأخرى عن سوء التصرف. إذا لم تستطع تلك الضربة أن تقنع هدفها الموجهة إليه بالتوقف عن استخدام العنف ضد المدنيين، فلا يجب أن تنتظر واشنطن اقتناع أي شخص آخر –سواء في إيران أو كوريا الشمالية على سبيل المثال– بحتمية تغيير سلوكهم.

- هذا الموضوع مترجم عن مجلة Foreign Affairs الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.