يوليو يتوعَّد الفقراء.. موجة التضخُّم في أسواق الطعام المصرية تسجل أرقاماً قياسية ومرشَّحة "للجنون" صيفاً

تم النشر: تم التحديث:
EGYPT MARKET
Mohamed Abd El Ghany / Reuters

عندما بدأت بسنت عبد المجيد حياتها الجامعية في سبتمبر/أيلول الماضي، كانت تحصل على 100 جنيه مصروفاً أسبوعياً من والديها، تكفي المواصلات والأكل والشرب، لكن هذا المصروف لم يعد يكفيها الآن. "خلال الترم الأول، نصف العام الدراسي، كان المصروف يكفيني وفي بعض الأحيان يتبقى معي، لكن الآن الوضع تغير".

بسنت، الطالبة بالفرقة الأولى بكلية ألسن جامعة عين شمس، تضيف لـ "هافينغتون بوست عربي" أنه قبل تعويم الجنيه كنت أشتري نوعين وثلاثة من البسكويت والعصير يومياً لكن الآن انتهى هذا الأمر.

دفع تعويم الجنيه المصري في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 معدل التضخم السنوي في أسعار المستهلكين ليصل إلى 32.5% في مارس آذار الماضي، مقابل 31.7% في فبراير/شباط، وفقاً لما أعلنه جهاز التعبئة العامة والإحصاء المصري قبل أيام، وهي النسبة الأعلى له منذ منتصف الثمانينيات.

تعدد بسنت بعض الخدمات التي تتعامل معها يومياً بعد ارتفاع الأسعار، "المواصلات إلى الجامعة زادت الضعف، الأكل والشرب أيضاً تخيلوا أن نوعاً من البسكويت كنت أشتريه يومياً بسعر جنيهين أصبح يباع الآن بـ 5 جنيهات".

تعيش بسنت في شقة أسرتها بالقاهرة مع أخواتها لكنها تضطر إلى العودة لمحافظة المنوفية شمال العاصمة القاهرة لرؤية والديها في نهاية كل أسبوع، "كنت أدفع نحو 14 جنيهاً للذهاب والعودة من المنوفية الآن أصبحت أدفع أكثر من 20 جنيهاً لأن الأجرة تأثرت برفع أسعار البنزين".

ترتدي بسنت زياً منزلياً، وتتحدث من غرفتها في منزل والدها بمحافظة المنوفية التي تزوره يوماً واحداً في الأسبوع منذ انتقلت للعيش في القاهرة. غرفة كبيرة بها سريران ودولاب ومكتب كبير مكدس بالكتب والأوراق الدراسية، تدخلها الشمس من شرفة كبير مفتوحة على مصراعيها تطل على شارع رئيسي.

قالت "منذ ارتفاع الأسعار أصبحت أكثر حرصاً، لم أعد أشتري الحلوى ومأكولات في الجامعة مثلما سبق، أرشد استخدام الإنترنت لأن الاشتراك زاد هو الآخر".

مع ارتفاع الأسعار تخلت بسنت عن "حصالة" كانت تدخر فيها بعض النقود لديها، "لم يعد بها ولا مليم، زيادة الأسعار التهمت كل شيء"، تقول بينما تمسك الحصالة التي وضعتها كديكور على مكتبها.

خرج والد بسنت الذي كان يعمل مهندساً على المعاش منذ سنوات. "صحيح معاش بابا قليل لكن لدينا مصدر دخل آخر ونحن عامة ميسورو الحال، لكن هذا لا يعني أنني أطلب زيادة في المصروف لأن أي زيادة في المصروف لن تلاحق الزيادة المستمرة في الأسعار".


زينب تبيع الخضراوات


ليست بسنت وحدها في الدوامة، ربة المنزل زينب علي تتحسس جيبها جيداً كل صباح، فوجبة واحدة مكونة من اللحوم أو الدواجن تكلفها الآن نحو 200 جنيه بعدما ارتفعت الطعام بعد عاصفة تعويم الجنيه في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

تقول زينب التي التقاها "هافينغتون بوست عربي" في منزلها بمنطقة عين شمس شرق القاهرة، إن "ارتفاع أسعار السلع الغذائية بنسبة مبالغ فيها تسبب لها في أزمة كبيرة خاصة أن دخلها الشهري لا يكاد يكفي احتياجات أسرتها، وتعالي نحسبها".

مدخل العقار الفاخر والذي يحيطه السيراميك والرخام من كل جوانبه لا يعكس الغرفتين والمطبخ الذي لا تتعدى مساحته متراً مربعاً والتي تعيش زينب فيه مع زوجها و3 أولاد.

اتخذت زينب الغرفة التي أسفل السلم مكاناً للمطبخ، بوتاجاز متهالك وصنبور ماء تحته حوض صغير ومنضدة مكدس عليها أواني طبخ وأطباق مختلفة الأحجام، هي كل محتويات المطبخ.

يحصل زوج زينب على 600 جنيه شهرياً من السكان مقابل عمله، "يعني دخلنا الشهري يكفي بالكاد مصاريف الأولاد".

يتدخل زوجها، أحمد عبد التواب في الحديث معترضاً بينما يجلس هو وزوجته في مدخل العقار: "كيف يكفي الدخل والوجبة الواحدة مع لحوم أو دجاج تزيد على 150 جنيهاً؟".

يحصي أحمد مكونات الوجبة ليؤكد اعتراضه: "كيلو اللحم ثمنه 120 جنيهاً، وأقل دجاجة لا تقل عن 60 جنيهاً، الطماطم سعرها هذا الأسبوع 10 جنيهات، والزيت وصلت الزجاجة منه إلى 21 جنيهاً".

بعد كل هذه الحسابات يستطيع أحمد وأسرته تناول وجبة مكونة من اللحوم مرة واحدة فقط في الشهر، وبقية الشهر تستمر الحياة بدون لحوم.

وطبقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، ارتفع معدل التضخم السنوي في أسعار المستهلكين لشهر مارس/آذار في قسم الطعام والشراب بنسبة تبلغ 43%، مقارنة بنفس الشهر العام الماضي.

وسجلت أسعار اللحوم والدواجن ارتفاعاً بنسبة 36.4% خلال مارس، بينما ارتفعت أسعار الخضراوات بنسبة 41.8%. في بيانات الجهاز المركزي عن التضخم سجل البصل ارتفاعاً تاريخياً في مارس 98.6%.



s

"حتى بدون اللحوم والدجاج الأمر مكلف جداً، فلو قررت أن أصنع وجبة من العدس للغداء فسأدفع ما لا يقل عن 30 جنيهاً لشراء كيلو عدس و5 جنيهات لشراء 15 رغيفاً من الخبز، وفي النهاية سنتناول العدس"، تقول زينب وهي تتحرك بنشاط داخل مطبخها الصغير.

أمام الارتفاع الكبير في الأسعار وعدم كفاية الدخل الشهري اضطرت زينب وزوجها إلى اللجوء لبيع بعض الخضراوات أمام العقار الذي تحرسه. أمام مدخل العقار قسمت زينب الخضراوات إلى جزأين، واحدة امتلأت عن آخرها بالكرنب، الملفوف، والأخرى بنباتات الشبت والبقدونس والنعناع. تبدأ زينب وزوجها عملها منذ السادسة صباحاً إلى أن تنتهي من بيع كل الخضراوات التي لديها.

يتناوب أحمد وزينب على بيع الخضار، فبينما ترتب أمورها المنزلية يجلس هو للبيع، وإذا غاب هو تجلس زينب مع أطفالها أمام العقار وتباشر هي عملية البيع لزبائنها.

"العقار ليس به سكان، ولا يوجد حل آخر إلا أن نبيع ونشتري حتى نستطيع أن نكفي مطالبنا الأساسية"، كما تقول بينما ترتب الكرنب في شكل هرمي.


متى ينكسر التضخم؟


لا تعرف بسنت وزينب متى تنتهي الأيام الصعبة، لكن الحكومة المصرية تتوقع أن يبدأ معدل التضخم في الانخفاض اعتباراً من نهاية عام 2017"، وفقاً لما قاله وزير المالية المصري، عمرو الجارحي في مؤتمر صحفي عقده نهاية الشهر الماضي بالقاهرة.

وخلال الشهور التي تسبق نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول، قد يسجل التضخم قفزة كبيرة، كما تتوقع مي عبد العزيز، محللة الاقتصاد الكلي ببنك استثمار برايم، ليصل إلى مستوى أعلى من الآن في يوليو/تموز المقبل، أي مع بداية السنة المالية الجديدة في مصر.

وتقول مي لـ "هافينغتون بوست عربي" إن معدل التضخم سيعاود الارتفاع مرة أخرى بنسبة كبيرة في يوليو/تموز المقبل مع اتجاه الحكومة لرفع أسعار الكهرباء بداية من السنة المالية الجديدة".

وأعلنت وزارة الكهرباء في فبراير/ شباط الماضي أن فاتورة الكهرباء لشهر يوليو/ تموز المقبل ستشهد إضافة زيادة جديدة في أسعار الكهرباء، بعد إعادة هيكلة الأسعار نتيجة ارتفاع تكلفة الوقود في أعقاب تعويم الجنيه وارتفاع سعر الدولار.

وتقول محللة الاقتصاد الكلي ببنك برايم إن "الصدمة التضخمية لقرار تعويم الجنيه ورفع أسعار الوقود امتصتها الأسواق لذلك شهدنا تراجعاً لمعدل التضخم الشهري في مارس حيث تراجع إلى 2.1% مقابل 2.7% في فبراير.

وتضيف "لكن التضخم السنوي بقي مرتفعاً وهو الأمر الذي سيستمر حتى الشهرين الأخيرين من العام".


حتى الأغنياء في العاصفة


ليست الطبقة المتواضعة فقط في مهب عاصفة ارتفاع الأسعار، فعائلة أماني محمد، تعاني ما يجري رغم أن دخلها الشهري يصل إلى 15 ألف جنيه.

السيدة أماني أرملة وأم لـ 3 أولاد، تعمل محررة للصور والفيديو بإحدى دور النشر الخاصة، وتحصل على دخلها الشهري من مرتبها ومعاش زوجها. أماني، التي تقطن بشقة تمليك بحي مدينة نصر شمال شرق القاهرة، تقول إن "الدخل الشهري نصفه يذهب لقسط المدرسة للأطفال الثلاثة والباقي على الأكل والشرب".

لم تكن أماني تضع في اعتبارها من قبل أسعار السلع لكنها بدأت مؤخراً تشعر بزيادة ملحوظة في إجمالي ما تنفقه عند خروجها من السوبر ماركت. "كنت أشتري كرتونة عصير للأولاد في حدود 54 جنيهاً لكن فجأة أصبحت بـ 120 جنيهاً وهو نفس الأمر لبقية المنتجات الغذائية"، كما تقول أماني.

تتحدث أماني بينما تجلس على مكتبها الذي يوجد ضمن ثلاثة مكاتب في حجرة صغيرة بمقر دار النشر.

وتضيف "أبسط الأشياء كالشيكولاتة، أقل فئة منها أصبحنا نشتريها بأكثر من 10 جنيهات للواحدة".

تواصل أماني الحديث بينما ترتب مكتبها الذي وضعت عليه كارتاً صغيراً عليه معايدة بمناسبة عيد الأم، صنعه ابنها الأصغر لها بهذه المناسبة، وبعض المجلات التي تصدر عن دار النشر التي تعمل بها.

تشتري أماني احتياجات أسرتها من متجر كبير للمنتجات الغذائية واعتادت على ارتياده لسنوات لكن الآن أصبحت تغير من عادتها. "الآن أصبحت أنتظر العروض والخصومات التي تتيحها المتاجر الأخرى على السلع وأذهب للشراء، بعدما ارتفعت الأسعار بشكل رهيب".

لم تغير أماني من عادتها الشرائية فقط لكنها أيضاً غيرت من عادتها الغذائية. "فيما قبل كنت من الممكن أن أطهو صنفين من اللحوم أو الدجاج في اليوم الواحد، لكن الآن انتهت مثل هذه الأمور أصبحنا نأكل اللحوم يوم ويوم".

امتنعت أماني وأطفالها عن الأكل خارج المنزل مؤخراً لأنه كما تقول "أصبح مكلفاً للغاية ويحتاج إلى ميزانية أخرى".

وسجل سعر الوجبات الجاهزة ارتفاعاً قدره 27.9% خلال مارس مقارنة بنفس الشهر العام الماضي، كما توضح بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

في الماضي كانت أماني تدخر جزءاً من دخلها، لكن الآن "ليس وارداً أن أدخر شيئاً لأن المرتب والمعاش بالكاد يكفيان مصروفاتنا" كما تقول.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي اتخذت مصر قراراً بتعويم الجنيه- أي ترك سعره محدداً أمام العملات الأجنبية بناء على العرض والطلب- وبعدها بساعات أعلنت الحكومة زيادة أسعار الوقود بنسب تتراوح بين 7.1% و87.5%.

وكانت هذه الإجراءات ذات أثر تضخمي ظهر جلياً منذ نوفمبر الماضي.

وكان صندوق النقد الدولي قد توقع أن يسجل معدل التضخم في أسعار المستهلكين 18% خلال العام المالي الجاري نتيجة تعويم الجنيه وتطبيق ضريبة القيمة المضافة على المبيعات، وهيكلة دعم الطاقة.

وقالت كريستين لاجارد، مدير عام صندوق النقد الدولي في 7 أبريل الجاري عقب لقائها بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن الصندوق يعمل على مساعدة الحكومة المصرية والبنك المركزي المصري للسيطرة على التضخم.