طعن ممثل، وسرقة سيارة، واختطاف المنتج.. كواليس الفيلم المصري "اشتباك" الذي مدحه توم هانكس

تم النشر: تم التحديث:

يعرض فيلم "اشتباك" الفوضى التي شهدتها مصر بعد الثورة بصورة مصغرة. تدور أحداث الفيلم بالكامل في سيارة ترحيلات في القاهرة في يوم شديد الحرارة عام 2013، حيث الاشتباكات بين مؤيدي ومُعارضي محمد مرسي ومن ثم حكومة الإخوان المسلمون المُنتخبة حديثاً.

وأثناء الفيلم، تبدأ سيارة الترحيلات في الامتلاء بمختلف طوائف المجتمع: اليساريون والإسلاميون والأمهات والأطفال والصحفيون والشبان العاديون الذين قُبض عليهم وسط الاضطرابات. وانطلقت الأحداث في ذلك الفرن المضغوط –كما ظهرت تحالفات واتصالات جديدة- بين الأجيال والأجناس والطوائف الدينية وحتى بين مُشجعي الكرة ومُحبي الكلاب.

كان دياب أحد رموز الثورة المصرية حتى قبل اشتباك. عُرف دياب ذا الـ39 عاماً ككاتب لبعض أكثر الأفلام التجارية نجاحاً في تاريخ السينما المصرية، من ضمن تلك الأفلام فيلم الجزيرة بجزأيه، والذي وصفه بأنه النسخة المصرية من الأب الروحي. وكانت بدايته في الإخراج بفيلم القاهرة 678 عام 2010، والذي تطرق فيه إلى موضوع التحرش الجنسي وتناول الخلل المجتمعي في عهد مبارك. وصدر الفيلم قبل اندلاع مظاهرات ميدان التحرير بشهر، واعتبره الكثيرون تنبؤاً بالثورة.

يقول دياب أنه شارك في الثورة وأيدها من يومها الأول وقال: "لست ناشطاً سياسياً تحديداً، كل من شارك في الثورة ناشط إن أردتم تسميتهم. ولكنني كنت أحد المحظوظين بالشهرة ممن يظهرون على شاشات التلفاز ويتكلمون عن الثورة". ترك عمله جانباً وقضى الثلاث سنوات التالية في الظهور الإعلامي ومقابلة القادة السياسيين، وقال: "محاولاً التغيير على الأرض، ولكنني في النهاية وجدت عندي المزيد من الطاقة لصناعة الأفلام".


الفوضى والحدة


التقط اشتباك –الذي شارك دياب في كتابته مع أخيه خالد- الفوضى والحدة في ذلك الوقت على نطاق واسع. فلم تكن فقط تلك الغرفة الخانقة، بل جالت الكاميرا عبر نوافذ سيارة الترحيلات إلى ما يدور في الخارج: المعارك الجارية مع المتظاهرين وقوات الشرطة وهجوم من قناصة وفوضى عارمة في الشارع على مستوى سيريالي مع إطلاقات الألعاب النارية وإطلاق النيران والهتافات صلصلة المعادن وأشعة الضوء الأخضر من الليزر. يقول دياب: "من الممكن أن يكون اسم هيستيريا اسماً آخر للفيلم".

استلزمت هندسة تلك الهستيريا إلى الكاميرا مخاطرها. يجب أن يُسلم صناع الفيلم في مصر السيناريو لقبوله للحصول على إذن للتصوير في الشوارع، ولكن لعلمه برد فعل السلطات تجاه قصته، قام دياب بحذف الجوانب المثيرة للجدل. كان انطلاق أعمال الشغب عملية سرية. يقول: "خططنا لذلك اليوم لمدة شهر. كان الأمر عشوائياً مثل الفلاش موب: سيتحرك الجميع ويقوم بدوره ونبدأ بالتصوير حتى يوقفنا أحدهم. كنا نعلم أن بعد إطلاق أول الألعاب النارية، ستأتي الشرطة وتطوق المكان وربما يهاجمنا الجيران، وذلك ماحدث بالفعل. طُعن أحد الممثلين واختطف المُنتج في سيارته. كان الأمر جنونياً كما ترونه في الفيلم".

كما كان هناك بعض المتاعب الأخرى، "لم يكن الممثلون الإضافيون مُدربين، كانت المرة الأولى لهم في التمثيل، عندما قلت أكشن، كان الأمر سهلاً، ولكن عند التوقف عن التصوير، استلزم الأمر 15 دقيقة ليهدأوا. وعندما طلبنا منهم تمثيل الضرب، قاموا بالفعل بضرب بعضهم البعض". وكان ذلك أحد أهم التحديات اليومية وهو حصر كل هؤلاء الممثلين في صندوق معدني ساخن ومحاولة توجيههم من الخارج.

كان الجحيم التالي لدياب هو إصدار الفيلم. توقع أن الفرصة الوحيدة لتجاوز اشتباك للرقابة المصرية هي الحماية الدولية. ونجحت تلك الإستراتيجية: افتتح اشتباك المجموعة المختارة في أون سيرتين ريغارد the Un Certain Regard في مهرجان كان العام الماضي وحصل على تقييمات إيجابية بالإجماع، بالإضافة إلى رسالة تشجيعية مطبوعة من توم هانكس. كتب فيها: "القليل من الأميركيين يرون مصر شيئاً آخر غير الإرهاب والأهرامات. سيذهب فيلمك بعيداً لتنوير الكثيرين".

يقول دياب: "وفي أثناء العرض الأول وحصولي على التعليقات الإيجابية، بدأ التلفزيون المصري في مهاجمتي. عرضوا 10 دقائق عني وعن الفيلم وكيف أنه يُعرض مصر بصورة سيئة، واتهموني بالعمالة. واستمر ذلك، وبدأت الكثير من الصحف في مهاجمتي". كان ضحية لحملة دعائية.

قال دياب إن نظام عبد الفتاح السيسي –الذي عزل الإخوان المسلمين- بدأ في تسريب معلومات شخصية عنه. وألقوا التهم والشكوك عن وظيفته البنكية السابقة (عمل لدى سيتي بنك لمدة عامين قبل أن يصبح صانع أفلام) وعن دراسته الأميركية (درس كتابة السيناريو في أكاديمية نيويورك فيلم لمدة عام).

وقبل موعد إصدار الفيلم بأسبوع، سحب موزع الفيلم من السينمات، ويعتقد دياب أن أحدهم أمر الموزع بسحب اشتباك. يقول دياب: "كان جزء من خطتهم عدم منع الفيلم حتى لا تحدث ضجة دولية، ولكن قتل الفيلم حتى لا يسمع به أحد". كرد فعل، كتب دياب رسالة على فيسبوك يشرح فيها ما يحدث وأضاف خطاب هانكس. انتشرت الرسالة سريعاً على فيسبوك وتناقلها العامة لمساندة الفيلم.


"الإحباط وعدم الموضوعية"


والغريب في الأمر، أن كثيراً من هؤلاء المساندين عندما رأوا الفيلم أحبطوا ورأوه موضوعياً. يقول دياب: "ظن الناس أن الفيلم ضد الحكومة ولذلك الحكومة تحاربه. وعندما رأوا أن الفيلم يضع الجميع في إطار إنساني، حتى الشرطة، بدأوا في مهاجمته". شبه دياب الوضع بصناعة فيلم في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية مباشرةً والتعاطف مع الألمان. "كنا نقول: إذا هوجم الفيلم بالتساوي، فإننا نجحنا في صنع الفيلم الذي نريده. وذلك ما حدث".
وصف دياب عهد السيسي بأنه أسوأ 10 أضعاف عهد مبارك، ولكن مصر عالقة معه. حصل وزير الدفاع السابق على تأييد من بيت دونالد ترامب الأبيض، وبعض المصريين لديهم شهية لثورة أخرى، مما يعني بقاء المذابح وانتهاكات حقوق الإنسان وقمع الإعلام.

وأضاف دياب: "أنا من مؤيدي الثورة بنسبة 100%، ولكن يجب أن تعلم أن للدكتاتورية بعض الفوائد. فهي تُخرس الجميع، فلا توجد تقسيمات. ومشكلة ذلك، أننا لا نرى حتى اختلافاتنا. لاحظنا اختلافاتنا مرة عندما أزحنا الدكتاتورية، كان الأمر بمثابة اكتشاف أنفسنا".

وقال إن الديمقراطية الوليدة لدى المصريين كانت الطريق لاختيار دكتاتور جديد. تتحكم العسكرية المصرية الآن في كل النواحي الاقتصادية بما فيها الإعلام. مصر هي القوة الثقافية في العالم العربي من حيث صناعة الأفلام والتسلية التلفزيونية، ووفقاً للتقارير، فإن الجيش يملكها جميعاً تقريباً. ويوجد صحفيون مُعتقلون أكثر من أي وقت مضى. يقول دياب: "كل من يُعارض الحكومة يُسجن أو يُشوه أو يُهاجم أو يطلق عليه الرصاص".


مغادرة البلاد


اضطر صناع الأفلام والكتاب الساخرون وكتاب وفنانون بمن فيهم من أصدقائه إلى مُغادرة البلد. ولكن وضع دياب مُختلف قليلاً: "بشكل ما، أعتبر شخصية رفيعة المستوى، لن يحاولوا لمسي أبداً. والجميع يعلم الآن أن العمل معي مخاطرة. ولذلك لم أصنع أي شيء بعد اشتباك".

كما يخطط دياب لمغادرة مصر. بعد 4 سنين من النشاط السياسي، يُريد أن يستريح. يتمنى أن يعمل في الولايات المتحدة (زوجته والمنتج المشارك معه –سارة جوهر- مصرية أميركية). وهو الآن في طريقه لإنهاء المسودة الثالثة لفيلم خيال علمي كبير يتكلم عن الاحتباس الحراري وصراع الأجيال. ي

قول: "حلمت كثيراً بصناعة أفلام في هوليوود. ولكن يبقى السؤال، هل سأقوم بصناعة أفلام عن ما أريده أم مجرد مُخرج مستأجر؟ أحترم كل من يفعل ذلك، ولكن قوتي الخارقة هي الشغف، ولذلك أود أن أكون شغوفاً تجاه شيء ما".
هو متفائل بآفاقه، ولكن ليس لبلده. ويختم دياب قائلاً: "عبرت عن مشاعري في الفيلم. هناك سيارة تمشي في الاتجاه الخاطئ، والأمور لا تنتهي على محمل جيد. تلك هي رؤيتي لمصر. لا يهم إن كنت قائداً جيداً، مادمت تأخذ الاتجاه الخاطئ، فلن تصل إلى وجهتك وفي الغالب سينتهي بك الأمر نهاية سيئة للغاية".
سيتم إصدار اشتباك في المملكة المتحدة في 21 أبريل.

- هذا الموضوع مترجم عن موقع theguardian للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.