مهندس صفقات ترامب.. تعرف على الصوت المعتدل الذي يصل إلى آذان الرئيس الأميركي

تم النشر: تم التحديث:

في الوقت الذي اجتاح فيه الصراع السلطة والمعارك الأيديولوجية البيت الأبيض، ظهر لاعب جديدٌ على الساحة ليمارس نفوذه في توجيه حكومة الرئيس ترامب.

إذ استفاد غاري كون، الرئيس السابق لمؤسسة غولدمان ساكس، من منصبه الجديد كرئيسٍ لمجلس الاقتصاد الوطني في حكومة ترامب لتقديمٍ رؤيةٍ وسطيةٍ جديدةٍ والحصول على دعم ثنائي الحزب لبعض البنود الرئيسية في سياسة ترامب، مثل: الإصلاح الضريبي وخطة البنية التحتية التي تبلغ تكلفتها 1 تريليون دولار أميركي، وفقاً لما جاء في تقريرٍ لصحيفة واشنطن بوست الأميركية.

وانعكس التأثير المتزايد لكون غاري وأمثاله من المعتدلين على أداء ترامب هذا الأسبوع، إذ أدت لتغيير مواقفه في عدد من القضايا البارزة – كاتباع سياسةٍ أقل حدةً مع الصين، وتأييده للدعم الحكومي للصادرات، ودعم القيادة الحالية للبنك المركزي الأميركي (الاحتياطي الفيدرالي).

ونجحت المواقف الجديدة لترامب في تقريبه من آراء كون وغيره من العاملين في وول ستريت، علاوةً على الرأي العام من الديمقراطيين والجمهوريين.

وكان هذا أكبر دليلٍ على أن تحالف المعتدلين في البيت الأبيض – مثل كون، والمستشار جاريد كوشنر (صهر الرئيس)، ودينا باول (الرئيسة السابقة لغولدمان ساكس) - بدأ يحصد نجاحاتٍ متعددةٍ في الأيديولوجية والنفوذ على حساب المحافظين المتشددين بقيادة ستيف بانون (كبير مستشاري الرئيس للشؤون الاستراتيجية سابقاً)، والذين كان لهم التأثير الأكبر في بدايات الحكومة.

وداخل البيت الأبيض الذي يفتقد للعاملين المحنكين، وجد كون ضالته بتعيين عددٍ كبير من الخبراء السياسيين الذين يمتلك معظمهم خبرةً حكومية. وقدم فريقه مقترحاتٍ مفصلةٍ بشأن القانون الضريبي وتطوير البنية التحتية وتخفيض القوانين المالية وإعادة هيكلة صفقات التجارة الدولية. وهو ما جعله المرشح الأقرب لمنصب رئيس موظفي البيت الأبيض.

وصرَّح جين سبيرلينغ، القائم بأعمال كون في عهد حكومة الرئيس أوباما: "قد يكون كون جديداً نسبياً على العمل السياسي وواشنطن، لكنه يستحق الثناء لشيءٍ واحدٍ فقط على الأقل. فبينما انخرط الجميع في صراعٍ أيديولوجيٍ وحربٍ عاملين أشبه بمسلسل بيت من ورق، عمل كون في هدوءٍ وسرعةٍ واضعاً نصب عينيه القاعدة الأولى للحُكم: فقام بتعيين فريق من الموظفين المختصين والمحنكين في مجلس الاقتصاد الوطني، وهو الأمر الذي عاد عليه بنتائج لا بأس بها".

ويجد كون الآن نفسه في موقف حرجٍ – وخطيرٍ سياسياً - يحظى خلاله بالثناء من الديمقراطيين ويتجنبه حلفاء ترامب المحافظين الذين يرون الرئيس السابق لغولدمان ساكس كعدوٍ للقيم التي تم انتخاب ترامب على أساسها.

ويقول سام نونبيرغ، الاستراتيجي في حملة ترامب الانتخابية لعام 2016: "من منظورٍ سياسيٍ بحت، لا أعلم إذا كان البيت الأبيض يدرك كيف يُشكل وجود غاري كون عبئاً على قاعدة الجمهوريين والمحافظين، علاوةً على الكونغرس الجمهوري. وسيظل البيت الأبيض تحت إدارة ترامب موضع شكٍ عندما تمتلك شخصاً يستحوذ على قوةٍ اقتصاديةٍ كبيرةٍ داخل البيت الأبيض، علاوةً على كونه ليبرالي ديمقراطي من نيويورك".

وتعرض كون لانتقاداتٍ واسعةٍ من وسائل الإعلام المحافظة بالتزامن مع ازدياد نفوذه في الحياة السياسية الأميركية. لدرجة أن راش ليمبو وصفه الأسبوع الماضي بـ"الليبرالي الديمقراطي شديد الأيديولوجية" و"المضارب في غولدمان ساكس". وأعرب ليمبو عن قلقه من إن كون وحلفاءه "بدأوا يوسعون نفوذهم" على حساب بانون.

ودفع كون، الذي رفض التعليق في هذا المقال، في السابق آلاف الدولارات للمرشحين الانتخابيين من الحزبين، بما في ذلك الرئيس باراك أوباما والمرشحة السابقة هيلاري كلينتون.

وأثنى مساعدو البيت الأبيض على أداء كون الجيد؛ نظراً لأن ترامب يراه كـ"مهندس صفقات" أكثر من أي شيءٍ آخر. ويُمثل كون تكتلاً من مسؤولي البيت الأبيض الذين يعملون بجد أكثر من أي وقتٍ مضى لحصد الدعم الديمقراطي للنقاط الهامة في أجندة ترامب السياسية، بعد أن شهدوا انقسام آراء الحزب الجمهوري خلال مناظرة الرعاية الصحية.

وعادةً ما يقول كون في اجتماعاته مع رجال الأعمال: "لست ديمقراطياً، ولست جمهورياً. أنا أرغب فقط في إنجاز الأعمال"، وفقاً لمصدرَين مطلعين على أساليبه.

وصرَّح أشخاصٌ التقوا بكون في منصبه الجديد بأنهم لم يكونوا على علمٍ بأيديولوجيته. ولم يبد عليه سوى مساعيه لصياغة اتفاقياتٍ جديدة.

وهذه الفلسفة هي التي دفعت كون لإظهار حماسه لأفكارٍ مثل فرض ضريبةٍ جديدةٍ على الكربون – وهي فكرةٌ تعجب الديمقراطيين وتحصد الأرباح لتسهيل الإصلاح الضريبي، كما أنها أولويةٌ أساسيةٌ للرئيس، وتساعد في الوقت نفسه على تخفيض انبعاثات الكربون. وحصدت الفكرة سخرية العديد من المحافظين في الكونغرس، كما نأى البيت الأبيض بنفسه عن الفكرة الأسبوع الماضي بعد أن تسربت أنباءٌ عن دراسة مسؤولين كبيرين للمشروع.

ويقول لاري كودلو، أحد المستشارين الاقتصاديين الرئيسيين لترامب أثناء حملته الانتخابية: "أعتقد إن مجلس الاقتصاد الوطني قام بعملٍ سيءٍ للغاية. فوظيفته تنص على وضع خطةٍ متكاملةٍ وتقديمها للرئيس مع عددٍ من الخيارات لمساعدته في اتخاذ القرار. وهو الأمر الذي يسعني القول بأنه لم يحدث حتى الآن من قريبٍ أو بعيد".

ورغم مواجهة الأجندة التشريعية لبعض الصعوبات في حصد الدعم، يبدو أن كون وحلفاءه يمتلكون تأثيراً واضحاً على تفكير الرئيس. فقد تراجع ترامب عن تصريحاته السابقة وأعلن دعمه لبنك الصادرات والواردات، ولم يتهم الصين بـ"التلاعب بالعملة"، كما أنه أثنى على جانيت يلين (رئيسة البنك المركزي).

واستهدف المحافظون بنك الصادرات والواردات والبنك المركزي طوال فترة الرئيس أوباما، كما وعد ترامب كجزءٍ من سياسته التجارية الفجة بأن يستهدف الممارسات المالية للصين فيما يتعلق بالعملات منذ اليوم الأول لحكومته.

وتعتبر مكانة كون وسط المستشارين الكبار لحكومة ترامب أمراً جديراً بالملاحظة، نظراً لعدم مشاركته في الحملة الانتخابية على الإطلاق.

نشأ كون وسط أسرة متوسطةٍ وعانا في المدارس بسبب عسر القراءة، قبل أن يتخرج في الجامعة الأميركية ويبدأ عمله بشركة الصلب الأميركية بأوهايو.

وخلال رحلةٍ إلى نيويورك، نجح في إقناع أحد رؤساء شركات وول ستريت حسني المظهر بأن يشاركه سيارة الأجرة في الطريق إلى المطار، وتظاهر بمعرفته بالأسواق المالية (لكنه لم يعلم عنها شيئاً في الحقيقة، وفقاً لمقابلةٍ أجراها مع الكاتب مالكوم غلادويل).

استخدم كون لباقته ليحصل على أول وظيفةٍ له في وول ستريت، وحصل على العديد من الترقيات عاماً بعد عام، ليصل في نهاية المطاف لمنصب رئيس غولدمان ساكس.

وبينما يقول أصدقاؤه إنه يحب وظيفته الجديدة، فهم يرون أيضاً أن كون لا يضع في اعتباره تقاليد واشنطن المعتادة.

وخلال عشاءٍ حضره مع أصدقائه في نيويورك مؤخراً، وصف كون واشنطن بأنها "مسرحية رديئة"، وفقاً لمصدرٍ مطلعٍ على المسألة.

ولا يحاول كون التهرب من ماضيه في غولدمان ساكس أو إخفاء أسلوب حياته الفاره. فقد ذهب مؤخراً إلى فندق فور سيزونز لتناول المشروبات مع لويد بلانكفين (الرئيس التنفيذي الحالي لغولدمان ساكس)، كما انطلق لقضاء إجازته في جزر الباهاما مباشرةً بعد فشل مشروع قانون الرعاية الصحية أمام مجلس النواب.

ويرى المسؤولون في البيت الأبيض أن كون يمتلك مستقبلاً مشرقاً كمستشارٍ لترامب، نظراً لخبرته وقائمة الخبراء الطويلة التي يعتمد عليها، في حال تمكن من تجاوز موجة الانتقادات المتزايدة من المحافظين المتشددين.

وتشمل قائمة الخبراء دي جي غريبين (خبير البنية التحتية) وشهيرة نايت (المساعدة السابقة للكونغرس فيما يتعلق بالسياسة الضريبية) التي انضمت إلى البيت الأبيض قادمةً من شركة فيديليتي للاستثمارات.

ويشمل الفريق أيضاً كينيث جوستر، الذي من المفترض أن يلعب دوراً كبيراً داخل البيت الأبيض فيما يتعلق بالمفاوضات الدولية، وجيريمي كاتز، الذي عمل سابقاً داخل البيت الأبيض في عهد حكومة جورج دبليو بوش، بالإضافة إلى راي ستارلينغ، المتخصص في الشؤون الزراعية والذي عمل سابقاً كمستشارٍ عامٍ لإدارة الخدمات الزراعية والاستهلاكية بولاية كارولينا الشمالية.

وعلى الرغم من لقاء كون بعددٍ من صناع القرار في الحزبين ورؤساء عدد من الشركات منذ توليه منصبه، لكنه لم يُظهر على الإطلاق ما ينتويه البيت الأبيض أو يخطط للقيام به.

ولأن كل قاعدةٍ لها استثناء؛ جاء الاستثناء هنا في الأسبوع الماضي خلال اجتماع كون برؤساء الشركات، إذ شرع في توضيح مدى أهمية إعادة هيكلة نظام المراقبة الجوية الأميركي بالتفصيل.

وانطلق بعدها ليدخل نقاشٍ تقنيٍ عن الأسباب التي تدفع الولايات المتحدة للتخلص من نظام الرادار الأرضي الذي تمتلكه واستبداله بنظام التموضع العالمي (GPS)، وهو ما يشير إلى أنه خصص جزءاً من وقته لدراسة الأمر بتأني. وأضاف كون أن هذه السياسة ستوفر 25% من وقود الطائرات الذي يتم استهلاكه سنوياً.

وأضاف كون: "سيؤدي تبني هذه السياسة إلى تقليل أوقات الطيران بشكلٍ كبير، وتقليل الوقت الذي يقضيه المسافرون في السفر، علاوة على تقليل الوقت الذي تقضيه الطائرات على المهبط".

وحصدت براعة كون في عقد الصفقات إعجاب ميك مولفاني (مدير مكتب الإدارة والموازنة)، وهو محافظٌ ماليٌ صارم وأحد المنتقدين القدامى للإنفاق الحكومي. فأثناء عمله لإتمام وعد ترامب بإنفاق مليارات الدولارات على تطوير البنية التحتية، نجح كون في رسم خطةٍ ستجمع 200 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب مع 800 مليار دولار من الأموال الإضافية، تأتي معظمها من مستثمري القطاع الخاص.

وقال مولفاني، تعليقاً على خطة كون: "عليك أن تكون منصفاً في حق أولئك الموظفين السابق بغولدمان ساكس. فهم يعرفون من أين تؤكل الكتف".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.