جميعنا مجانين بطريقة أو بأخرى!.. اكتشِف جنونك من خلال رواية "فيرونيكا تقرر أن تموت"

تم النشر: تم التحديث:
S
social media

لا نشعر بقيمة الشيء إلا بقرب فقدانه، هذا ما أظهرته رواية "فيرونيكا تقرر أن تموت"، التي حوّل فيها الروائي الشهير باولو كويلو الانتحار إلى حالة انتظار الموت؛ لاكتشاف معاني الحياة من جديد، فيفاجئ فيها القارئ بنهاية الرواية بأمر غير متوقع، عكس عنوان الرواية الذي يُظهر بعض الكآبة في بداية الأمر.

استطاع الكاتب باولو كويلو في الرواية أن يصف المصحة بدقة، فوصل إلى أوج التفاصيل؛ لأنه مر بتلك التجربة، وحُجز في مصح نفسي في صغره 3 مرات من قِبل والديه؛ بسبب حَيرتهم من سلوكه غير المعتاد فأحياناً يكون خجولاً، وأحياناً يكون استعراضياً.

وعندما ترك المستشفى في المرة الأخيرة، قرر عدم العودة من جديد، وعاهد نفسه على عهدين؛ الأول: أنه يوماً ما سيكتب في هذا الموضوع، والثاني: ينتظر حتى وفاة والديه؛ حتى لا يجرح مشاعرهم.

مع أنه لم يفكر في الانتحار، فإن معرفته الحميمية بهذا العالم جعلت من وصفه أكثر دقة في التعبير بتلك الرواية.

وكان له تجارب رائعة في هذا المجال، فقال: "خُطتي الخمسية القادمة أن أظل أتنفس!"، لذا عرض في تلك الرواية ما يقتنع به، واصفاً حياته بأنه ليس هناك ما يندم عليه.

تحولت الرواية فيما بعد إلى فيلم سينمائي بالعنوان ذاته، بطولة الممثلة الأميركية سارا ميشيل جيلار، التي قامت بدور فيرونيكا.

تملك فيرونيكا، تلك الفتاة التي تبلغ الرابعة والعشرين من العمر، كل مقومات النجاح والسعادة: العائلة والعاطفة والوظيفة، لكن مع ذلك تقرر الانتحار؛ بسبب إحساسها بالفراغ القاتل، وروتينية الحياة، التي تفتقر إلى الأشياء المرحة، وأمور أخرى لا تعرفها.

حين يبدأ القارئ بتصفح الرواية يتعجب؛ لأن قرار الانتحار ليس مألوفاً على السعداء؛ بل هو لمن يجد حياته مليئة بالأسى أو الضغوط؛ فتأتي تلك الرواية وتُظهر جانباً آخر، وتغير القوانين ما بين العقل والجنون.

اتخذت فيرونيكا قرار الانتحار برضاء تام، وكأنه قرار للانتقال إلى حياة حقيقية، وأقدمت على ابتلاع تلك الجرعة القاتلة والكبيرة من الأدوية، وانتظرت نتيجة أثر تلك الجرعة عليها.

خلال هذا الانتظار لدقائق معدودة، تقع عيناها على جملة في إحدى المجلات أمامها، وتقرأ: "لا شيء يحدث في هذا العالم بالصدفة"، وتساءلت: لماذا تلك الجملة الآن؟ وما المغزى منها؟ وهل لها إجابة يتوجب عليها استكشافها؟
لا تفكر كثيراً وتعود إلى قناعتها من جديد بأن الحياة هى مسألة انتظار اللحظة المواتية للفعل، فيأتي تساؤل آخر: أين تقع سلوفينيا؟

قررت أن تكتب خطابها الأخير، ولم تُرِد أن يوجه هذا الخطاب إلى والديها أو عملها، وألا يتحمل الآخرون الشعور بمسؤولية هذا القرار؛ فأرسلت إلى تلك المجلة التي قرأت فيها هذا التساؤل لتشير لهم بأن سلوفينيا إحدى 5 جمهوريات من يوغوسلافيا المقسمة، وعندما يعثرون على جسدها بعد موتها سيعرفون أن سبب انتحارها أنهم لم يعرفوا موطنها الأصلى. وهذا ما جعل تلك الدقائق الأخيرة في حياتها موضع خيال واسع ولا مبالاة لمعاني الحياة؛ ما جعلها تضحك كثيراً لتخيلها الجدل الذي ستُثيره الصحف عند معرفة الخبر.

كانت هذه اللحظة إشارة إلى بداية تلك الجملة الأولى "لا شيء يحدث بالصدفة"، دام المرح لحظات من الخيال، جعلها تعيد التفكير في حاجتها إلى الموت، لكنها كانت قد ابتلعت الحبوب بالفعل .

وهنا توقفت الحياة، لكن بعد مرور عدة أسابيع استيقظت فيرونيكا في (فيليت)، وهي مصحة عقلية مشهورة وُجدت في عام 1991، وحين أفاقت اكتشفت أن ما حولها ليس بالجنة ولا بالجحيم، فأين هي إذاً؟!

هنا، تدور أحداث الرواية، لتكتشف من أحد الأطباء أن هناك من أنقذها، قائلاً لها إن تلك الجرعة الزائدة تسببت في تلف القلب بشكل غير قابل للإصلاح، وبعد فترة سوف يتوقف عن النبض، وجاءت تلك الصدمة فجعلتها تفكر: إذاً، لمَ الانتظار؟ وهل كان عليهم إنقاذها وعدم تركها للحرية التي قررتها، وهي الموت؟

تمر أحداث الرواية هنا بسرد العلاقات التي تتعرف عليها في هذا المشفى، فتتعرف إلى "زيدكا" لتكون لها فيما بعد من الأصدقاء؛ و"مارى" المحامية المرموقة التي كانت تمر بفترة من الخوف من مواجهة العالم؛ و"إدوارد" الفصامي الذي سيكون بداية لانتقالها إلى معانٍ كانت تفتقدها، وتجد معه الحب الذي آمنت به من جديد؛ لأنه أعطاها الحب دون قيود، وأخيراً "دكتور إيجور" الذى كان يعمل على أطروحة بحث علمي، ووصل إلى نتيجة مُرضية بالنسبة له، يكتشفها القارئ في نهاية الرواية.

اكتشفت فيرونيكا أنه مع وصف هذه الشخصيات بالجنون، إلا أنها تقول حِكماً وتقوم بأفعال تحث على الحياة.

فكانت "زيدكا" تروى لها قصة عن ساحر أراد أن يدمر مملكة كاملة، فدسّ فيها جرعة سحرية تسبب لهم الجنون وشرب الجميع منها، ماعدا عائلة الملك الذى كان يصدر أوامره بطبيعة الحال كل يوم عن الصحة العامة وإطاعة الأوامر من أجل الأمن؛ فوجد أهل المملكة أن الملك قد جُن وقاموا بمظاهرة للمطالبة بعزل الملك؛ فأشارت عليه زوجته بأن كل ما عليهم هو الشرب من هذا الماء ليتبدل الحال بهم، وهنا ظلت المملكة تعيش على حال من الجنون وحكمها الملك حتى نهاية أيامه.

ضحكت فيرونيكا وعلقت أن زيدكا بتلك القصة ليست مجنونة على الإطلاق، لتكتشف عالماً جديداً من الجنون الصريح حد العقل، فتجد أحد النزلاء يستهزئ بها؛ لما فعلته في نفسها، وإرسالها تلك الرسالة لتلك المجلة، واصفاً إياها بالمجنونة، فتصفعه فيرونيكا بشدة أمام الجميع لهذا الوصف، وترتاح وتتعجب؛ من أنها لا تجد منه رد فعل على هذا.

وهو ما جعل "مارى"، الشخصية الثانية، تبدأ معها الحوار قائلة لها إن به من الحكمة لامتناعه عن الرد؛ ما أدى إلى انتهاء المشكلة مع ثنائها على تصرفها الجريء معه.

وهنا تبدأ فيرونيكا بالبحث عن وسيلة للتخلص من هذا المصح العقلي، ومن حياتها بالبحث عن الأدوية، وخلال تلك الفترة تتعرف على "إدوارد"، هذا الشاب الفصامي الصامت الذى لا يتحدث إلا نادراً، ولا يستطيع إخراجه من حالته إلا "ماري"، ولم تكن فيرونيكا تهتم بأن يكون هناك حوار بينهما.

تبحث فيرونيكا عن مصدر لإخراج طاقتها، فتجد البيانو الذي اعتادت العزف عليه منذ صغرها، وبدأت تخبط عليه بقوة قائلة" "أنا مجنونة، لذا يحق لي أن أفعل ما أشاء دون قيود"! وبعد مرور وقت قصير، شعرت بتحسن وشعرت من جديد بالندم؛ فأرادت في تلك اللحظة أن تقضي أيامها الأخيرة بالسلوك الذي توده وترغب فيه، فاستمرت في العزف على البيانو، لتكتشف أن بداخلها فيرونيكا أخرى غير التي كانت تعرف، متسائلة عما الذي يجعل الشخص يكره نفسه إلى هذا الحد.

وبسبب تلك الموسيقى، تبدأ علاقتها مع إدوارد الذى لا ينتظر منها شيئاً، وهنا يُعاب على الكاتب وصف كثير من التجاوزات الجنسية والإيحاءات التي كان من الممكن البعد عن تفاصيلها، وجعلها محوراً وتحولاً حقيقياً في حياة فيرونيكا، وكأنه الحل الأوحد.

تمر الأحداث وبين كل حين وآخر يتشارك معها دكتور "إيجور" في طبيعة حياتها ورفضها باستمرار ما يقوله، إلى أن يحدث ما هو غير المتوقع من هروبها هي وإدوارد نحو الخارج، وبدء إدوارد الحديث من جديد والتفاعل معها؛ لتقرر أن تلك الأيام التي تحياها ستفعل بها كل ما تريد، فعندما تتذكر ما مضى تضحك مثلما لم تضحك من قبل، وتتفاعل مع الحياة ومع إدوارد، الذي يقبلها كما هي لا مثلما يرغب؛ ما جعلها طبيعية واكتشفت حقيقة نفسها.

تنتهي أحداث الرواية بنوم عميق من فيرونيكا، فيظن إدوارد أنها ماتت، لكن تستيقظ في الصباح ويكتشف من بالمصح العقلي هروبهما، ويجد الدكتور "إيجور" نتيجة بحثه الذي امتنع عن إعلانه في البداية، وهي أطروحة باستخدام مخدر اسمه فيتول، نجح في استثارة أعراض الذبحة القلبية؛ ما جعلها تخاف جداً من الموت، فأخذت تراجع حياتها وسلوكياتها من جديد، وأنهى أطروحته بأن الوعي بالموت يشجعنا على الحياة بفاعلية. كان الدكتور "إيجور" قد قرر أن يراها، ويقص عليها أطروحته، لكنه وجد في هروبها تكيفاً أكثر مع الحياة، وأن تمر كل لحظة وكأنها آخر لحظة، وستكتشف من أطباء آخرين بعد ذلك أن صحتها بأفضل حال.

امتازت الرواية بعديد من المقولات الجيدة التي نستطيع أن نقتبسها من بين سطورها، وقد عكستها تلك المقولة: "يساوى يوم واحد بمفرده أكثر من جبل من ذهب، فإذا كنت تكره الموت فعليك أن تحب الحياة".
لتنتهي الرواية بـ"فيرونيكا قررت أن تحيا"؛ لتعرف أن النضج الشخصي له ثمنه.