ماذا تعرف عن دين إيران القديم.. وكيف أثرت الزرادشتية بالأدب والفن والسينما الغربية؟

تم النشر: تم التحديث:
ZARATHUSTRA
ullstein bild via Getty Images

عندما يتعلق الأمر بعلاقة إيران بالغرب، فإن الخطاب الذي يُقسِّم الناس إلى "نحن" و"هُم" يسيطر على الخطاب الإعلامي والاجتماعي منذ عقود.

في الوقت ذاته، استُخدمت المسيحية - بحسب تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية BBC - باستمرار لتحديد هوية الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وقيمهما، واستُخدمت أيضاً لإظهار التباين بين قيم الغرب وقيم "الآخر" الشرق أوسطي.

لكن إذا نظرنا سريعاً إلى دين قديم، ما زال يعتنقه البعض حتى اليوم، سنجد أنَّ ما يعُدُّه البعض - دون تفكير -، مُثُلاً ومعتقدات وثقافة غربية صافية، ربما تكون في الحقيقة معتقدات إيرانية.


زرادشت.. نبي الفرس!




zarathustra

عموم العلماء يعتقدون أنَّ النبي الإيراني القديم زرادشت (اسمه في الفارسية: زراتُشت، وفي اليونانية: زورواستراس) عاش في فترةٍ ما بين عامي 1000 و1500 قبل الميلاد.

قبل زرادشت، عبد قدماء الفرس آلهة الدين الإيراني الآري - وهو نظير للدين الهندي الآري الذي عُرف لاحقاً باسم الهندوسية -، لكنَّ زرادشت أنكر تلك الممارسات، ودعا إلى أنَّ الإله وحده (أهورامزدا، إله الحكمة) هو الذي يجب أن يُعبد.

وبذلك، لم يساهم زرادشت فقط في الانقسام الكبير بين الإيرانين وبين الهنود الآريين، وإنما يمكن القول بأنه قدَّم للبشرية أول دين توحيدي - بحسب تقرير هيئة الإذاعة البريطانية BBC -.


أبرز تعاليم الزرادشتية




zarathustra

لم تكن فكرة الإله الواحد المبدأ الزرادشتي الأساسي الوحيد الذي تتشارك فيه مع أديان كبيرة أخرى، وبالأخص "الثلاثة الكبار": اليهودية والمسيحية والإسلام.

وقد كانت مفاهيم الجنة والنار، ويوم الحساب، والوحي الأخير، والملائكة والشياطين، موجودة في تعاليم زرادشت، وفي شريعة الأدب الزرادشتي التي ألهمتها لاحقاً. حتى فكرة الشيطان كانت فكرةً زرادشتية بالأساس.

في الواقع، تقوم فكرة الديانة الزرادشتية كلها على الصراع بين الإله وقوى الخير والنور (التي يمثلها الروح القدس، سبينتا مانيو) وبين أهريمان، قائد قوى الظلام والشر.

وتقول تعاليم الديانة إنَّ الإنسان عليه أن يختار الطريق التي سيسلكها، وإنَّ في النهاية سوف ينتصر الإله، وحتى المحكومين بدخول النار سينعمون ببركات الفردوس (وهي كلمة فارسية قديمة).


الزرادشتية والأديان الإبراهيمية




zarathustra

كيف وصلت الأفكار الزرادشتية إلى بعض الأديان الإبراهيمية وغيرها؟ وفقاً للعلماء، تعرَّف يهود بابل على كثير من تلك المفاهيم بعد أن حررهم الإمبراطور الفارسي، قورش الكبير.

وشيئاً فشيئاً، تغلغلت تلك الأفكار في الفكر اليهودي، وظهرت رموز مثل بعل زبوب. وبعد أن غزا الفرس أرض اليونان في أوج ازدهار الأخمينيين، أخذت الفلسفة اليونانية منحى آخر. فقبلها، كان اليونانيون يؤمنون بأنَّ البشر لم يملكوا إلا القليل من القدرة، إذ كانت أقدارهم تحت رحمة آلهة كثيرين، كانوا كثيراً ما يتصرفون وفقاً لنزواتهم ورغباتهم.

لكن بعد تعرفهم على دين إيران وفلسفتها، بدأ شعورهم يزداد بكونهم أسياد مصائرهم، وأنَّ قراراتهم في أيديهم هُم.


انحسار الديانة الزرادشتية




zarathustra

وعلى الرغم من أنَّ الزرادشتية كانت يوماً دين الدولة الإيرانية، وكانت يعتنقها فُرس يسكنون في مناطق أخرى (مثل أفغانستان وطاجكستان وأماكن كثيرة في وسط آسيا)، فإنها اليوم دين أقلية في إيران، ويعتنقها القليلون حول العالم.

لكنَّ إرث الديانة الثقافي أمر آخر؛ فالعديد من التقاليد الزرادشتية ما زالت تدعم الثقافة الإيرانية وتُميزها، وخارج البلد، لديها أيضاً تأثير ملحوظ، خصوصاً في أوروبا الغربية.


الافتتان بالزرادشتية




zarathustra

قبل كتاب دانتي "الكوميديا الإلهية" بقرون، وصف كتاب "رحلة أردافيراف" بتفاصيل واضحةٍ رحلةً إلى الجنة والنار. هل من الممكن أنَّ دانتي قد سمع عن تلك الرحلة الكونية الزرادشتية، التي اتخذت صورتها النهائية تقريباً في القرن العاشر الميلادي؟ التشابه بين الكتابين مدهش، لكن لا يسعنا إلا أن نُقدم فرضيات!

لكن في أماكن أخرى، "الاتصال" الزرادشتي أقل غموضاً. إذ يظهر النبي الإيراني، ممسكاً بكرة أرضية لامعة، في لوحة "مدرسة أثينا"، التي رسمها رافائيل في القرن الـ 16.

وكذلك، أُهدي كتاب "Clavis Artis"، وهو كتاب ألماني عن الكيمياء، كُتب في نهاية القرن الـ 17 إلى زرادشت، وكانت فيه رسوم عديدة لزرادشت، ذات أسلوب مسيحي.

وتقول أورسولا سيمز ويليامز، المُحاضِرة في كلية الدراسات الأفريقية والشرقية بجامعة لندن، إنَّ زرادشت "اعتُبر (في أوروبا المسيحية) سيداً للسحر، وفيلسوفاً، ومُنجماً، خصوصاً بعد عصر النهضة".

اليوم، يستحضر اسم زديج (صادق) إلى الأذهان اسم علامة الموضة الفرنسية زديج آند فولتير. وعلى الرغم من أنَّ الملابس ليست زرادشتية، فإنَّ القصة وراء الاسم زرادشتية بالتأكيد. إذ تحكي رواية "صادق"، التي كتبها فولتير في القرن الـ 18، حكاية صادق، البطل الفارسي الزرادشتي، الذي يتزوج في النهاية أميرة بابلية، بعد سلسلة من الاختبارات والمِحن.

وعلى الرغم من عدم مراعاتها للدقة التاريخية، وكونها بذيئة في بعض الأحيان، فإنَّ تلك القصة الفلسفية قد نشأت من اهتمام أصيل بإيران، تشارك فيه أيضاً قادة آخرون في عصر التنوير.

وكان فولتير مفتوناً جداً بإيران، لدرجة أنه كان يُعرف بين معارفه باسم "صادق". وكذلك، أهدى غوته "أوركيسترا الديوان الغربي الشرقي" إلى الشاعر الفارسي حافظ الشيرازي، وكانت فيها مقطوعة ذات أسلوب زرادشتي. وقد رثا توماس مور مصير زرادشتيي إيران في قصيدته "Lalla Rookh".

وبحسب تقرير BBC، فإن الزرادشتية لم تترك بصمتها فقط على الأدب الغربي وفنه فحسب، بل ظهرت أيضاً في عدد من المقطوعات الموسيقية على الصعيد الأوروبي.

فبالإضافة إلى شخصية ساراسترو الكهنوتية، فإنَّ نص أوبرا "الناي السحري" لموتسارت مُحمل بالعديد من الأفكار الزرادشتية، مثل النور في مقابل الظلام، والاختبارات بالنار والمياه، والسعي وراء الحكمة والخير فوق كل شيء آخر. وقد كان الراحل فاروق بولسارا - الذي اشتهر باسم فريدي ميركوري - بالغ الفخر بتراثه الزرادشتي الفارسي.

إذ قال في إحدى المقابلات، "سأسير دائماً مثل غندور فارسي. ولن يوقفني أحد يا عزيزي!" كذلك تحدثت أخته، كاشميرا كوك، في مقابلة في العام 2014 عن دور الزرادشتية في عائلتها. وقالت، "نحن أسرة فخورة للغاية بكوننا زرادشتيين. أظن أنَّ إيمان فريدي بالزرادشتية ألهمه ليعمل بجد ويثابر ويسعى وراء أحلامه".


الجليد والنار




zarathustra

حين يتعلق الأمر بالموسيقى، ربما لا يوجد مثال لتوضيح أثر التراث الزرادشتي أفضل من مقطوعة "Thus Spoke Zarathustra" (هكذا تحدث زرادشت) لريتشارد ستراوس، والتي كانت اللحن الأساسي المُدوِّي في فيلم ستانلي كوبريك "2001: A Space Odyssey".

وتدين المقطوعة باسمها لتحفة نيتشه التي تحمل الاسم ذاته، وهو الكتاب الذي يحكي عن نبي يُدعى زرادشت، على الرغم من أنَّ الكثير من الأفكار التي يقترحها نيتشه، في الواقع، مضادة للزرادشتية. إذ يرفض الفيلسوف الألماني ثنائية الخير والشر، وهي من أهم سمات الزرادشتية، وبصفته ملحداً صريحاً، لم يستخدم نيتشه فكرة التوحيد مطلقاً.

وبالإضافة إلى فريدي ميركوري وزديج آند فولتير، هناك أمثلة واضحة أخرى لتأثير الزرادشتية على الثقافة الشعبية الغربية المعاصرة.

فقد اشتقت شركة سيارات "مازدا" اسمها من "أهورامزدا"، وقد اشتُق منه أيضاً اسم "أزور أهاي"، وهو نصف الإله الذي ينتصر على الظلام، في "صراع العروش" للكاتب جورج مارتين، كما اكتشف العديد من الجماهير العام الماضي.

ويمكن القول أيضاً بأنَّ المعركة الكونية بين النور والظلام حول "القوة" في أفلام "Star Wars" تغطيها بوضوح بصمة الزرادشتية.

وعلى الرغم من كل ما ساهم به في الفكر والدين والثقافة الغربية، لا نعلم إلا القليل نسبياً عن أول الأديان التوحيدية، وعن مؤسسه الإيراني.

في الثقافة السائدة، وبالنسبة للكثير من السياسيين الأميركيين والأوروبيين، تُعدُّ إيران القطب المضاد لكل شيء يؤمن به ويؤيده العالم الحر. وبغض النظر عن إراث إيران وتأثيراتها الأخرى، فإنَّ الديانة الزرادشتية المنسية قد تكون المفتاح لفهم مدى التشابه بين "نحن" و"هُم".

هذا الموضوع مترجم بتصرف عن موقع هيئة الإذاعة البريطانية BBC. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.