مَن المسؤول عن تدهور القطاع الصحي بتونس.. الثورة أم بن علي أم صندوق النقد؟

تم النشر: تم التحديث:
S
s

خلت المكاتب والممرات في مستشفى صالح عزيّز للسرطان بالعاصمة تونس، فمعظم طواقمه التمريضية والإدارية والعمالية ذهبت للمشاركة في احتجاج أمام مقر وزارة الصحة المجاور، أما القلة القليلة الباقية منهم فلم يذهبوا مع زملائهم ليبقوا في المستشفى للعناية بالحالات الطارئة.

كان العاملون في "صالح عزيّز" وغيره من مؤسسات ومرافق الصحة العامة بالبلاد قد قرروا في الـ5 من أبريل/نيسان 2017 الإضراب عن العمل؛ احتجاجاً من أجل تحسين ظروف العمل في قطاعهم، حيث دعا عثمان جلولي، الكاتب العام للجامعة العامة للصحة (اتحاد العاملين في مجال الصحة العمومية)، إلى "إصلاح حقيقي فاعل لقطاع الصحة؛ بغية إنقاذ المستشفيات العامة".

وحسب تقرير موقع Middle East Eye البريطاني، فإن أطباء وممارسي قطاع الصحة العام الذين يعالجون مرض السرطان في مستشفيات، كـ"صالح عزيّز"، يخوضون غمار معركة صعبة مع هذا المرض الذي يعد ثاني أكبر مسبب للوفاة في تونس، حيث يحصد السرطان كل عام أرواح أكثر من 7 آلاف شخص، بينما لا يوجد في القطاع العام سوى 70 طبيب أورام و17 متخصصاً في علاج السرطان يواجهون أكثر من 12 ألف حالة جديـدة كل عام.
والأسوأ أن تشخيص الإصابة بهذا المريض الخبيث في تونس، عادة ما يأتي في مراحل متأخرة.

عندما يشغر سريرٌ ويصبح متوفراً للمرضى، يواجه كثيرٌ منهم مشقاتٍ تتمثل في قطع مسافات شاسعة قد تربو على مئات الكيلومترات من بيوتهم حتى الوصول إلى ذاك السرير الشاغر، فضلاً عن الوحشة التي يلاقيها المريض المسافر إلى هناك. المقتدرون مادياً يمكنهم الاستفادة من خدمات نظامي النشاط الخاص التكميلي CPA والنشاط الخاص الجهوي RPA واللذين يوفران خيارات وخدمات أكثر؛ بيد أن السواد الأعظم من التونسيين لا يقدرون على الدفع؛ ما يعكّر النظام أكثر؛ لأنه يغدو في مصلحة المقتدرين فقط

حبيبة بن رمضان، هي أول وزيرة للصحة العمومية بعد الثورة التونسية وهي نفسها طبيبة ممارسة؛ تقول إن الخدمات الصحية تقصّر مع المرضى، فنظام RPA يقدم للأطباء المتخصصين منافع وامتيازات لتشجيعهم على العمل في الأقاليم والجهات الداخلية، أما نظام CPA فيشجع الكوادر الطبية التدريسية بالمستشفيات على ممارسة الطب ومزاولته بمنحهم حوافز. إذاً، الأول يشجع الأطباء على استخدام المرافق العامة لتحقيق ربح، فيما CPA الثاني يأخذ المتخصصين من غرف الصف التدريسية؛ ما يضر بالجيل القادم.

وتتابع الوزيرة بن رمضان: "المستشفيات الجهوية (التابعة للأقاليم) قديمة فوضوية وينقصها الأطباء المتخصصون. إن نظام RPA ينتدب الأطباء المتخصصين للعمل في مستشفيات جهوية إقليمية، ومن ثم يحوّل الأموال والمرافق العامة ويسخّرها لمنفعة المرضى المقتدرين على الدفع. وهذا يعمق من عدم المساواة ويخلق نظام صحة ذا طبقتين".


عدم المساواة وغياب التكافؤ في الخدمات


ينطوي أسلوب تقديم المعالجة لمرضى السرطان على إشارة إلى المشاكل المتنامية في قطاع الصحة العامة في تونس ما بعد الثورة، فإجراءات التقشف والمصالح الشخصية وأيضاً الفساد العلني حسب قول الكثيرين، جميعها نخرت قطاع الصحة العمومية الوطنية الذي كان يعمل رغم النقص الذي يعانيه.

فالخدمات بدائية، وتشخيص وتقصّي الأمراض يأتي في وقت متأخر، كما أن التحويلات والمراجعات الطبية تستغرق شهوراً والعلاج نفسه يأخذ فترة أطول أيضاً؛ نظراً لنقص الأطباء والمعدات والعقاقير.

لقد بدأت الصدوع والتشققات تظهر في نظام الصحة "ذي الخطوط الثلاثة" الذي طُور في الثمانينات والذي سرعان ما قيده صندوق النقد الدولي IMF بفرض نظام لـ"تحرير" أو "لبرلة" أجهزة ومديريات الحكومة مقابل قروض قيمتها 386 مليون دولار اقترضتها تونس في ذروة أزمتها الاقتصادية.

"الخط الأول" من منظومة الصحة مكون من 2058 مركزاً صحياً أساسياً يدعمها خط ثانٍ مكون من 33 مستشفىً جهوياً و109 مستشفيات محلية. أما الخط الثالث، فبه 24 مشفىً ومركزاً جامعياً يقدم الرعاية المتخصصة والخدمات الاستشفائية الجامعية والبحث والتدريس.

كان التصور من وراء هيكلية هذا النظام ثلاثي الخطوط، هو مساعدة المرضى في توفير حلول طبية لهم عبر الخط الأول الأساسي، ومن ثم توفير عناية ورعاية أكثر تخصصاً عبر تحويلهم لمراجعة مراكز وأجهزة في الخطين الثاني والثالث.

لكن بن رمضان تقول إن المشاكل تبدأ عند الخط الثاني لكل من يعاني مرضاً جدياً، حيث تقول في حديثها لموقع ميدل إيست آي: "ينبغي توفير معظم الاستشارات الطبية في الخط الأول، وخصوصاً في الخط الثاني". ولكن ذلك غالباً ما يفشل؛ لنقص المتخصصين في الخط الثاني؛ ما يدفع المرضى إلى القفز مباشرة واللجوء إلى الخط الثالث.


لا يوجد ترياق سحري


يمثل الإنفاق على الصحة العامة في تونس 5.4% من مجمل الإنفاق الحكومي، أي إنه ارتفع عن عام 2012 حينما كان يمثل 4.8% فقط. ولكن بالمقارنة فقد ارتفع الإنفاق الأمني والعسكري في الفترة المذكورة نفسها من 11.6% إلى 38%، فيما بريطانيا تنفق على جهاز خدماتها الصحية 18% من مجمل الإنفاق الحكومي.

يتجلى هذا الضغط على الإنفاق في عنبر مرضى السرطان بمستشفى جامعة فرحات حشاد بمدينة سوسة، ففي غرفة واحدة يتشارك غريبان اثنان من المرضى صمتاً مطبقاً في انتظار زيارة أفراد العائلة لهما.

كثيرون ممن يتسنى لهم النفاذ إلى ها هنا، هم في المراحل الأخيرة من المرض، فهذا العنبر هو دار رعاية لمن لا يُرجى شفاؤهم أكثر منه مستشفى علاجياً، وكثير ممن يأتون إلى هنا يقررون العودة إلى بيوتهم لقضاء آخر أيامهم وسط عائلتهم.

المرضى هنا ينتظرون من 5 إلى 6 أشهر بعد تشخيص المرض؛ لكي يتسنى أن يأخذوا الدور لاستخدام جهاز علاج أشعة حكومي، في حين أن زمن الانتظار ليحين الدور في استخدام 8 أجهزة في عيادة خاصة يصل إلى 3 أسابيع؛ ولكن لا أحد سوى الأغنياء من التونسيين يمكنه النفاذ إلى تلك الأجهزة.

إن هذا العنبر العمومي ليس إلا واحداً من بين حفنة المرافق التخصصية المعدودة المتوافرة على نطاق مئات الكيلومترات.

أما مدينة القصرين التي يسكنها نصف مليون نسمة وتبعد أكثر من 300 كيلومتر عن العاصمة، فليس بها لا أطباء أشعة ولا أطباء أورام، كما أن مستشفاها الجهوي في حال مزرية من الخراب وكثيراً ما يتم إرسال المرضى إلى مدينة سوسة، حيث يعانون هناك الوحدة وبُعد المسافة التي يكابدونها فوق أوجاع مرضهم.


ادفع كي تعيش


تقول الوزيرة رمضان إن نظام CPA يسمح لأساتذة الطب المدرسين بممارسته على نطاق خاص؛ ما يعني تقويض خدمات الصحة العمومية والإضرار بكوادر التدريس والتدريب. يعيش فقراء تونس على إيرادات متدنية؛ إذ يصل الحد الأدنى للأجور إلى (338 ديناراً تونسياً أو 146 دولاراً أميركياً)، فيما تعريفة مراجعة طبيب خاص تكلف 40 أو 50 ديناراً.

أما في القصرين، فالحالة مضاعفة؛ لأن أكثر من نصف السكان يعانون "فقراً متعدد الأبعاد"، حسب دراسة حكومية لم تنشر بعد، أشار إليها موقع الأخبار المحلية نواة nawaat.org، فالمتوسط الوطني للفقر أقل من نصف معدله في القصرين.

في تونس مجموعة ضغط للأطباء هي الجمعية التونسية للدفاع عن الحق في الصحة، وتقف هذه المجموعة ضد نظام CPA؛ وفي تقرير نُشر عام 2016 طالبت الجمعية بـ"الإبطال التدريجي" لتلك الممارسات، مقترحين بدلاً من ذلك "نظام أجور على أساس الأداء يشجع الأطباء في قطاع الخدمات العمومية".

النقص المزمن في التمويل والمعاملة التمييزية للأغنياء، جعلا الكثيرين يعتقدون أن النظام فاسد. فحسب استبيان للرأي أجرته عام 2014 مؤسسة واسعة التأثير هي الجمعية التونسية للمراقبين العموميين، فإن 91% من التونسيين يرون أن قطاع الصحة العمومي متأثر بالفساد، وثلثا هؤلاء رأوا أنه "فاسد جداً".

وأدرجت الجمعية عدة شكاوى، منها المعاملة التمييزية في ضوء نظامي CPA وRPA، والعقاقير غير المرخصة قانوناً، والوصفات الطبية الزائفة وعدم التماشي مع جداول العمل، ونظام مناقصات عامة يضخم ويزيف تكلفة الرعاية الصحية.

أما عبد اللطيف مكي الذي تولى وزارة الصحة التونسية من 2011 إلى أوائل 2014، فذهب إلى الحديث عن "مافيات تتحكم في الاقتصاد الوطني".


المنتصر يغنم


في ندوة عُقدت في 4 فبراير/شباط 2017 بتونس العاصمة، ألقى الوزير السابق بلائمة الأداء الركيك للقطاع الدوائي على مجموعات ضغط تخدم مصالح أجنبية ومحلية.

في تونس نظام ثنائي الطبقات للحصول على الأدوية والعقاقير: الأول والأوسع انتشاراً واستخداماً هو "التعاقد بالاتفاق"، حيث تختار الحكومة وكيلاً وحيداً لتزويدها بالدواء وتتفق معه على السعر. أما الثاني، فهو عملية تقديم عروض تنافسية تختار فيها الحكومة الصفقة الأفضل من بين العروض المقدمة.

وحسب ما قاله مكي، فإن نظام العقود تسبب في تفشي ممارسات غير سوية بالسوق، جعلت التونسيين تحت رحمة المصالح التجارية.

وحتى عام 2014، كان مختبر صيدلاني واحد يزود صيدلية تونس المركزية بالأنسولين عملاً باتفاق خاص. يقول مكي: "عندما قررنا فتح السوق، طلب منا المختبر أن نُبقي على عقده ونخفّض أسعاره بمقدار الربع. لقد أدى استحداث تفويضين تسويقيين جديدين وشراء الأنسولين عبر إعلان مناقصات إلى خفضٍ مقداره 53% في الأسعار".

ويتابع مكي القول إن تونس قادرة على إنتاج أدويتها وعقاقيرها المتخصصة، بيد أنها غالباً لا تنتج سوى بضائع غير ذات علامة تجارية، فتفرضها على نظام الصحة العمومية، ويقول: "بضغط من المندوبين الطبيين، يُجبَر الأطباء لحشو مرضاهم بمضادات حيوية لا تحمل علامة تجارية حتى لو كان ذلك غير ضروري!".


الدَين والعجز الاقتصادي والفوضى


في مسودة خطتها التنموية الخمسية بين عامي 2016 و2020 المعروضة حالياً على البرلمان، أشادت حكومة رئيس الوزراء، يوسف الشاهد، بالقطاع الخاص؛ لكونه المحرك الأساسي للتنمية، حتى إن الحكومة طلبت من جهات الاستثمار الخاص "ضمان الحفاظ على السلام الاجتماعي وتعزيز الحوار والشراكة".

لكن المناخ الاجتماعي في كل من فرعي الصحة العمومية والخاصة قد تدهور تواً، فمن بين 830 احتجاجاً رصدها المرصد الاجتماعي التونسي في شهر فبراير الماضي، كان 114 منها ذات علاقة بقطاع الصحة.

المرصد هو جزء من المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ويصر على أن "المشاكل الفادحة لقطاع الصحة ينبغي ألا تنحصر في احتجاجات ممارسي وأعوان الطب والتمريض".

في القصرين، عرقلت رداءة الإدارة مشروعاً لتزويد المستشفى الجهوي هناك بقسم خدمة طوارئ عاجلة.

وقد وجد المرصد من مراقبته لمشروع حكومي، أن البيروقراطية الخانقة والتواطؤ الإداري وسوء التنسيق والهوة بين وزارة الصحة ووزارة التجهيز والمجلس الإقليمي- كلها منعت مشروع إنشاء القسم المذكور وتركته حبراً على ورق.

يقول أمان الله ميساوي منسق التدقيق المواطني لمشروع إنشاء قسم خدمة الطوارئ العاجلة في المستشفى الجهوي بالقصرين، في حديث له مع "ميدل إيست آي": "حتى لو تم تخصيص الأموال تواً للمشروع، فإن غياب المراقبة مع الإهمال والتسيب، كلها تعرقل تنفيذ المشروع وتستمر في حرمان مواطني القصرين من حقهم في الصحة".


خزائن فارغة


مع انتشار أمراض الشيخوخة والسكري والسرطانات وأمراض القلب اشتدت حدة الضغوط المطالبة بمزيد من التمويل للرعاية الطبية.

لكن حجم الدين العام الفاحش (63.7% من الناتج المحلي الإجمالي) مع خدمة الدين وميزانية الأمن والدفاع، جميعها تهدد الإنفاق الاجتماعي الهزيل أصلاً.

فصندوق النقد الدولي IMF، أرجأ لتوه صرف الشريحة الثانية من قرض مقداره 2.9 مليار دولار أُقرّ في مايو/أيار من العام الماضي 2016، مشدداً على تونس بضرورة تنفيذ إصلاحات مشابهة لتلك التي اتُّخذت في الثمانينات.

ومنذ ذلك الحين والوزراء ومسؤولو الحكومة ينادون بـ"الإنفاق الرشيد" وبإجراء "إصلاحات عاجلة لقطاعي الصحة والضمان الاجتماعي".

وقد حذّر الخبير الأممي المستقل في آثار الدين الأجنبي على حقوق الإنسان، خوان بابلو بوهوسلافسكي، من تأثيرات هذه الإصلاحات على المجموعات السكانية والطبقية المحرومة والمعوزة.

وفي فبراير 2017، حث بوهوسلافسكي الحكومة ودائنيها الدوليين على تقييم التأثير على الحقوق الإنسانية والاجتماعية قبل تنفيذ تلك الإصلاحات، فقال: "ينبغي تشجيع دائني تونس الدوليين على توفير مساعدات قروض إضافية لتونس؛ من أجل خفض خدمة الدين العام ولتوفير الموارد أمام الاستثمار العام".

وختم قائلاً: "إن مسألة قدرة تدابير التقشف وإلغاء الضوابط التنظيمية على العمل الفاعل رغم وهن الاقتصاد- هي مسألة تحتاج للإجابة عنها ضمن عملية مشاركة وطنية، خاصة إن كان الاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي على المحك".

- هذا الموضوع مترجم عن موقع Middle East Eye البريطاني. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.