المغرب حائر بشأن العائدين من سوريا.. الاعتقال يعزز عقيدتهم..فكيف يتجنَّب خطرهم؟

تم النشر: تم التحديث:
MOROCCAN ANTITERRORISM SECURITY
FADEL SENNA via Getty Images

بعد الإخفاق في بدء حياة جديدة في سوريا، في ظل حكم تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، قرر أحمد (اسم مستعار) العودة إلى وطنه المغرب، وبمجرد وصوله، تم اعتقاله.

قرَّر أحمد أن يحذو حذو والدته، الخادمة التي كانت تريد مغادرة البلاد إلى سوريا بسبب خلافات عائلية وأزمات مالية ظنَّت أنها لم تترك لها خياراً سوى أن تبدأ حياةً جديدة في بلد آخر، وفقاً لما جاء في تقرير لموقع Middle East Eye البريطاني.

وبعد أن علقت مع ابنها في منزل صغير اضطرت لاقتسامه مع شقيقها، بعد أن أخفقت في العثور على مكان آخر، قررت الانضمام إلى تنظيم داعش، وأقنعت ابنها باللحاق بها.

لم يكن أحمد يريدها أن تذهب بمفردها، وكان يحلم دائماً بدراسة الطب، وظنَّ أنه يستطيع تحقيق حلمه في ظل خلافة داعش المزعومة. وكان استقرارهما في الأقاليم الخاضعة لسيطرة داعش بمثابة وسيلة تتلاءم مع معتقداتهما الدينية.

تقرير موقع "ميدل إيست آي" البريطاني نقل عن خليل الإدريسي، المحامي الذي يعمل في القضايا المتعلقة بالإرهاب، ويمثل العديد من المتهمين الخاضعين للاعتقال جراء الانضمام لتنظيم داعش، قوله: "يذهب معظم المنضمين لتنظيم داعش إلى هناك لتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. فالتنظيم يمنحهم بعض الأمل".

وتابع: "إنهم يبحثون عن حلول بسيطة. الجنة إذا لقوا حتفهم أو داعش إذا ما ظلوا على قيد الحياة".

ورغم عدم وصولهما إلى سوريا، على غرار معظم الشباب الذين حاولوا الانضمام لتنظيم داعش، تعرَّض أحمد للمحاكمة –ولم تُحاكم أمه– وصدر حكم بسجنه لمدة عامين لمحاولة الانضمام إلى تنظيم إرهابي.


قمع المتطرفين


وتعلن السلطات المغربية بصفة منتظمة القضاء على خلايا إرهابية، وقد أحكمت قبضتها على العائدين من سوريا والعراق وليبيا، خشية مشاركتهم في أنشطة متطرفة.

ويرى المسؤولون المغاربة أن 1600 مواطن مغربي على الأقل قد غادروا البلاد للانضمام إلى الجماعات الجهادية، وخاصة تنظيم داعش، خلال السنوات الأخيرة. وخلال العامين الماضيين، تم القبض على نحو 70 منهم خلال عودتهم إلى المغرب.

وحينما غادرت الموجة الأولى من المقاتلين المغاربة، تمكنوا من الخروج والسفر إلى سوريا بسهولة ويسر، وحصل العديد من المعتقلين السابقين المحكوم عليهم في قضايا إرهابية على وثائق السفر بسهولة ورحلوا عن المغرب دون أي متاعب بعد أيام قليلة من إطلاق سراحهم، بحسب ما أوردته مصادر مقربة من النشطاء السلفيين.

ومع ذلك، حينما بدأوا في العودة إلى المغرب ومع تزايد خطر المتطرفين، شرعت السلطات المغربية في القبض عليهم.

ومنذ عام 2014، تمت محاكمة معظم هؤلاء العائدين. وفي 15 يناير/كانون الثاني 2017، تم تعديل قانون مكافحة الإرهاب من أجل تجريم الانضمام إلى الجماعات المتمركزة خارج نطاق المملكة المغربية.

وأنشئ المكتب المركزي للتحقيقات القضائية التابع لوزارة الداخلية بعد بضع أسابيع، وتمكن منذ ذلك الحين من تفكيك أكثر من 40 خلية متطرفة واعتقال 548 شخصاً.

واجتذب النزاع السوري أشخاصاً من خلفيات اجتماعية متنوعة من مختلف أنحاء البلاد، ومن بينهم نساء تركن أطفالهن وأزواجهن بالبلاد.


حياة أفضل؟


في دولة تندُر بها فرص الترقي وصعود السلم الاجتماعي وترتفع بها معدلات البطالة، يرى البعض تنظيم داعش بمثابة فرصة لتحقيق الثراء الشخصي.

ويرى بعض المراقبين أن هناك تشابهاً بين المتجهين للمشاركة في النزاع السوري والمهاجرين المغاربة، الذين يعبرون البحر لتحقيق أحلامهم في حياة أفضل بأوروبا.

وتوضح قصة عبد العزيز المهدلي هذا الشعور بالإنجاز، الذي يرى العديد من المقاتلين المغاربة أنهم لا يستطيعون تحقيقه بالوطن.

شارك البائع المتجول السابق المعروف باسم أبو أسامة المغربي في الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت عام 2011، رغم أن مشاركته كانت تستهدف في الأساس المطالبة بإطلاق سراح السجناء السياسيين السلفيين، ولم تكن دعماً لحركة 20 فبراير المناصرة للديمقراطية.

وحينما أخفق في العثور على فرص عمل في مدينة فنيدق، حيث يقطن العديد من المقاتلين، انضم إلى جبهة النصرة في سوريا قبل الانشقاق عنها والانضمام إلى تنظيم داعش، ليلقى حتفه خلال اشتباكات مع مقاتلي النصرة عام 2014.

غادرت موجة المقاتلين الأولى عام 2012، حينما كان المجتمع الدولي يعارض حكومة الرئيس السوري بشار الأسد. واستجاب العديد من الشباب، وبعضهم لا علاقة لهم بالجماعات الدينية المتطرفة، لدعوة رجال الدين المعروفين.


واجب محاربة الأسد


في مؤتمر القاهرة الذي انعقد عام 2012، أعلن رجال الدين، ومن بينهم يوسف القرضاوي ومحمد العريفي أنه يتعين مساعدة هؤلاء الذين يقاتلون الأسد. وفي ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام، استضاف المغرب مؤتمر أصدقاء سوريا بمراكش. وكان المؤتمر يبدو لبعض الذين حرصوا على التطوع من أجل الجهاد بمثابة ضوء أخضر للمشاركة بمباركة رسمية من قبل السلطات المغربية.

وأوضح محمد عبد الواحد الرفيقي، والمعروف باسم أبو حفص الذي يصفه التقرير بأنه رجل دين سابق يسعى وراء نشر الأفكار المتطرفة، قائلاً: "يعتقدون أنهم سيذهبون إلى الجنة، وأنهم يقومون بعمل رائع".

وتم اعتقال أبو حفص في أعقاب اعتداءات الدار البيضاء عام 2003، التي لقي بها 45 شخصاً مصرعهم، ومن بينهم 12 انتحارياً، يُعتقد أنهم قاموا بتدبير الهجمات.

وقال عن المقاتلين الذين شاركوا في النزاعات السابقة: "أرى أن هؤلاء الجهاديين عظماء". وأضاف: "كانوا يضحون بكل شيء. إنهم يقدمون تضحيات لا يستطيع آخرون تقديمها. فهناك أناس كانوا يعيشون حياة ترف ورفاهية وشاركوا في تنفيذ ذلك"..

ومع ذلك، فمنذ إطلاق سراحه بعفو ملكي عام 2012، تغيَّر موقف الرفيقي. فقد أنشأ في الشهر الماضي، مارس/آذار 2017، مركزاً بحثياً جديداً بتمويل من حزب الاستقلال المحافظ، حيث يأمل في استغلال خبراته لتثبيط عزم الآخرين عن المشاركة في الأنشطة المتطرفة.


الاعتقال يعزز عقيدتهم


اتهم النقاد العديد من رجال الدين تشجيع المغاربة على الذهاب إلى سوريا، مع الاحتفاظ بمواقف عامة غامضة.

وقد تم اتهام عمر حدوشي، الذي صدر ضده حكم بتدبير اعتداءات الدار البيضاء عام 2003 وإطلاق سراحه بموجب عفو ملكي، بالميل نحو جبهة النصرة وقال رغم ذلك أن الحرب في سوريا لا تمثل أهمية لدى المغاربة. وخفف من حدته في وقت لاحق وأعلن أنه رفض محاولة تنظيم داعش لاستمالته من أجل تمثيل الجماعة في المغرب.

وفي عام 2013، تأسس تنظيم متطرف يعرف باسم حركة شام الإسلام للمغاربة الراغبين في المشاركة في قتال الأسد. ومن بين المقاتلين كان هناك محمد محظوظ ومحمد علمي وإبراهيم بن شكرون، وثلاثتهم من معتقلي غوانتانامو السابقين.

واتهم بن شكرون – الذي لقي حتفه في سوريا عام 2014 – بالقتال في أفغانستان بعد اعتقاله عام 2002 في باكستان وسجنه في بجرام وكندهار ثم غوانتانامو عام 2004، حيث تم ترحيله إلى المغرب. وتم إطلاق سراحه عام 2005 كي يتم اعتقاله مرة أخرى بعد شهور قليلة بتهمة تجنيد المقاتلين من أجل العراق.

والتقى بن شكرون في سجن المغرب بالعديد من السجناء في قضية اعتداءات الدار البيضاء.

وأكد أبو حفص "كان لدى هؤلاء المعتقلين السابقين نفس العقيدة قبل اعتقالهم. وكان جميعهم جهاديين بالفعل. ووطد السجن العلاقات الشخصية بينهم. وتم دعوة معظم المغاربة من خلال أحد الأقارب أو الأصدقاء الذين ساعدوهم في الوصول إلى تنظيم داعش".

وعقب إطلاق سراحه، احتج بن شكرون من أجل حقوق السجناء السياسيين السلفيين من خلال التظاهر إلى جانب أعضاء اللجنة الجماعية للدفاع عن المعتقلين السياسيين، التي تأسست عام 2011.

وسلك العديد من أعضاء الجماعة مساراً مماثلاً. وقرر أنس الهلوي، مؤسس الجماعة والمتحدث الرسمي باسمها والذي قضى عامين بالسجن، أن يرحل إلى سوريا أيضاً بصحبة أعضاء آخرين بارزين بالجماعة.


النساء المقاتلات


كانت أم آدم، التي يذيع صوتها وسط دوائر المقاتلين المغاربة، أحد أعضاء اللجنة أيضاً. وتلقت أم آدم تعليمها في السوربون بباريس وكانت متزوجة من ميجاتي، أحد أعضاء تنظيم القاعدة الذي لقي حتفه مع ابنه بالمملكة العربية السعودية عام 2005. وقد أعلنت ولائها لأسامة بن لادن. ثم تم ترحيلها إلى المغرب حيث سجنت لعدة شهور. ومنذ ثلاث سنوات، أعلنت ولائها لتنظيم داعش ولحقت بابنها هناك.

توضح حالات مثل أم آدم قدرة تنظيم داعش على اجتذاب مؤيدي تنظيم القاعدة السابقين.

ومع ذلك، ذكر أبو حفص أن الدعاية التي يقدمها التنظيم والتي تنطوي على إقامة دولة إسلامية يستطيع للمسلمين التعايش بها وفقاً لمعتقداتهم الدينية، قد أثبتت أيضاً قدرتها على اجتذاب بعض المواطنين المغاربة العاديين.

وقال "ذلك هو نجاح داعش. وأنا شخصياً قد غيرت رأيي ولكن في مرحلة ما كنت أحلم بإقامة دولة إسلامية".

وحيث يعاني تنظيم داعش حالياً من خسائر عسكرية فادحة في كل من سوريا والعراق، فقد تلاشت الدعوة التي تطالب بها هذه الرسالة. ومع ذلك، يرى المغاربة أن تحدي التعامل مع انهيار تنظيم داعش، حيث يعود الكثير من المقاتلين إلى الوطن، ربما يكون قد بدأ لتوه.

ورغم الإصلاحات الأخيرة ببرامج التعليم وتشديد الرقابة الحكومية على المساجد والخطاب الديني، يكمن الخطر الرئيسي في انتشار عقيدة تنظيم داعش، التي لم تواجهها السلطات بالكامل، وفقا لما ذكره النقاد.

وقد ركزت استجابة الدولة حتى وقتنا هذا على التوجه الأمني، دون وجود سياسة فعلية لمكافحة التطرف، بحسب ما أورده أبو حفص.

"إنهم لا يفعلون شيئاً سوى اعتقال هؤلاء العائدين لمدة عامين أو ثلاثة أعوام. ثم يطلقون سراحهم دون توجيههم نحو الطريق الصحيح".

-­هذا الموضوع مترجم عن موقع Middle East Eye البريطاني. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.