5 سياسات متناقضة في أسبوعين.. ما هي خطَّة ترامب الحقيقية في سوريا؟

تم النشر: تم التحديث:
S
s

هل تُربكك سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في سوريا؟ يعني هذا أنّك كنتَ تُصغي جيداً لتصريحات إدارته في الأيام القليلة الماضية.

ومن المقرر أن يطير وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إلى موسكو يوم الثلاثاء 11 أبريل/نيسان 2017، حيثُ من المتوقّع أن يُناقش الدبلوماسي الأميركي المبتدئ مصير بشار الأسد. في غضون ذلك، ما زال العالم يُحاول فهم الهدف الذي تسعى إدارة ترامب الوليدة إلى تحقيقه في سوريا، حسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

لأعوامٍ، أعلن ترامب معارضته التدخل في الحرب السورية، باستثناء مهاجمة تنظيم (داعش) في نِزاعٍ منفصل.

ويبدو أن تلك السياسة قد انتهت يوم الخميس عقب الهجوم الكيماوي على خان شيخون في الرابع من أبريل/نيسان 2017. لكن، بمجرّد إصدار ترامب أوامره بشنّ الضربات الانتقامية على قاعدةٍ جوية سورية تزعم الولايات المتّحدة أن النظام السوري أطلق منها هجومه الكيماوي، أشار مساعدو ترامب إلى أنّ تلك الهجمة المُنفردة حققت الأهداف الأميركية.

ثمّ ناقضوا أنفسهم مرةً أخرى.

وربما لا تكون ماهية السياسة الأميركية تجاه سوريا واضحة، حتى لصانعي القرار الذين تتداخل تصريحاتهم المتباعدة، بل والمتناقضة، مع بعضها البعض. لكن على الأقل، إليكم ما قالوه، حسب مارصدته الغارديان


السياسة رقم 1 - الأسد يُمكنه البقاء: 2013 - 30 مارس/آذار 2017


لأعوامٍ، بصفته مواطناً أميركياً على تويتر ومرشحاً رئاسياً، كان ترامب لا يُمانع في بقاء الأسد في السلطة، مجادلاً بأن الولايات المتّحدة لا يجب أن تتورّط في صراعٍ شرق أوسطي آخر، خاصةً ضدّ قائدٍ مدعومٍ من روسيا.
.
وبعد فوزه بالانتخابات، قال ترامب لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية: "موقفي كان أنَّنا نقاتل سوريا، وسوريا تقاتل داعش، وعلينا التخلّص من داعش". وسارع الأسد بتسمية ترامب "حليفاً بالفطرة".

وفي الثلاثين من مارس/آذار 2017، بلور دبلوماسيون رفيعون بإدارة ترامب ذلك الموقف بوضوح. إذ قالت نيكي هالي، سفيرة الولايات المتّحدة إلى الأمم المتّحدة، إنَّ الولايات المتّحدة عليها "انتقاء واختيار معاركها"، بغض النظر عن انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها الأسد. وأضافت: "أولويتنا لم تعُد الجلوس والتركيز على الإطاحة بالأسد".

وفي اليوم نفسه، قال تيلرسون في تركيا إنَّ "وضع الأسد على المدى الطويل سيقرره الشعب السوري".

ولأنَّ الشعب السوري يعيش في واحدةٍ من أكثر مناطق القتال دمويةً في العالم، وتُحاصره قوات الأسد وجهات أخرى، فهم المُراقبون تصريحات تيلرسون ونيكي على أنّها تخلٍ من جانب الولايات المتّحدة عن التزام باراك أوباما الخطابي نحو الإطاحة بالأسد.
وقال السيناتور جون ماكين، أحد المُناصرين للتدخل العسكري في سوريا، إنَّه "منزعجٌ بشدّة" من موقف تيلرسون وهالي.

وأضاف ماكين: "في النهاية، يُمكن أن تدفع تصريحات إدارة ترامب اليوم بحلفاء أميركا الحقيقيين وشركائها في القتال ضدّ داعش إلى الخوف من الاحتمال الأسوأ: صفقة تبيع فيها الولايات المتحدة روحها للأسد وبوتين، مختومةً بوعدٍ فارغ بالتعاون في مكافحة الإرهاب".

وبعد خمسة أيام، قتل الأسد 70 شخصاً على الأقل في خان شيخون، بينهم أطفال، بغاز الأعصاب "السارين".


السياسة رقم 2 - الأسد يجب أن يرحل، بعد الهجوم الكيماوي: 5-6 أبريل/نيسان 2017


بحلول الأربعاء، اليوم الأول الذي هيمنت عليه صور الموتى في خان شيخون، عبّر ترامب عن غضبه علناً، قائلاً إنَّ الأسد تخطّى "الكثير والكثير من الحدود". وبحلول ذلك الوقت، كان الجيش الأميركي قد بدأ التخطيط لضربةٍ انتقامية.

لكن ما هدف تلك الضربة؟ فقبل ساعاتٍ من إطلاق المدمّرات الأميركية 59 صاروخاً من طراز "توماهوك" يوم الخميس، أشار تيلرسون إلى أن ترامب قد عكس موقفه كلية. وتيلرسون نفسه فعلها.

وقال تيلرسون: "دور الأسد في المستقبل مبهم. بالنظر إلى التحركات التي اتخذها، يبدو أنّه لن يكون له دور في حكم الشعب السوري". وبسؤاله عما إذا كانت الولايات المتّحدة مستعدّة لتحريك تحالفٍ دوليٍ دبلوماسياً لإزاحة الأسد من السُلطة، من خلال ما أسماه تيلرسون بـ"عملية سياسية"، ردّ تيلرسون "هذه الخطوات يجري البدء فيها".

وبدا أنَّ الصواريخ، التي هبطت بعدها بوقتٍ قصير على قاعدة الشعيرات الجوية، هي الخطوة الأولى في اتجاه إطاحة الولايات المتّحدة بالأسد.


السياسة رقم 3 - المُشكلة هي استخدام الأسلحة الكيماوية، وليس الأسد: 6-10 أبريل/نيسان 2017


بعد ساعاتٍ من الضربة الصاروخية، وقف مستشار الأمن القومي المعيَّن حديثاً هربرت ماكماستر، والذي صنعت حربٌ شرق أوسطية أخرى مسيرته المهنية، ليُعرِّف الهجوم الأميركي بمصطلحاتٍ معتدلة.
وقال ماكماستر: "كان الهجوم يستهدف قدرة الأسد على ارتكاب جرائم القتل الجماعي باستخدام الأسلحة الكيماوية، لكنّ نطاقه ومداه لا يصل إلى درجة ملاحقة كل المنشآت المُرتبطة بالأمر".
وإلى جانب ماكماستر، وقف تيلرسون يقول إنَّ الهجوم الكيماوي كان "بشعاً على وجه الخصوص"، أكثر بشاعة من وحشية الأسد في استخدام الأسلحة التقليدية.

وغاب بشكلٍ ملحوظ عن تفسير ماكماستر للهجمات أية إشارة إلى كون إزاحة الأسد هدفاً أميركياً من الأصل. (الضربة نفسها لم تكن لتؤثر على قبضة الأسد المحكمة على السُلطة، لكن إن أصبح إضعاف تلك القبضة هدفاً للولايات المتّحدة من جديد، سيتعيّن أن تكون تلك الضربة هي الأولى من بين ضرباتٍ عديدة). بدلاً من ذلك، قال ماكماستر إنَّ الهجمة ستسبب حتماً "تغيّراً كبيراً في حسابات الأسد" ضدّ استخدام الأسلحة الكيماوية. إلا أنّ حسابات الأسد لا ينبغي أن تشغل الولايات المتّحدة إن كان الأسد سيغادر السلطة.

وفي العاشر من أبريل/نيسان 2017، أصدر وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس بياناً مشابهاً لبيان حليفه ماكماستر يقول فيه: "سيكون استخدام الأسلحة الكيماوية مرةً أخرى تصرفاً طائشاً من جانب الحكومة السورية". لكن هذا البيان جاء بعد بياناتٍ عدة لها تبعات سياسية مختلفة.


السياسة رقم 4 - فلنهاجم داعش أولاً، ثمّ يُمكن للأسد البقاء أو الرحيل حسب موافقة روسيا: 9 أبريل/نيسان 2017


بدت نبرة حديث تيلرسون في ظهوره الأول ببرامج الأحد الحوارية مشابهة لما كانت عليه في الثلاثين من مارس/آذار، أكثر بكثير مما كانت عليه في ظهوره يوم السادس من أبريل/نيسان. إذ قال تيلرسون: "أولويتنا هي التغلّب على داعش"، وإحقاقاً للحق، قال تيلرسون هذا أيضاً يوم السادس من أبريل/نيسان فيما بدا جُملةً عابرة.
وما إن تتمكّن الولايات المتّحدة من "إنهاء" تلك الحرب على داعش، ستُحاول التوسّط في اتفاقياتٍ لوقف إطلاق النار بين أطراف الحرب الأهلية السورية، رغم أن الأسد، بدعمٍ من روسيا، خرق عدّة اتفاقيات لوقف إطلاق النار في الماضي.

وقال تيلرسون إنّه "يأمل" في العمل مع روسيا "واستخدام نفوذها في خلق مناطق مستقرّة في جميع أنحاء سوريا، وخلق الظروف الممهِّدة لعملية سياسية من خلال جنيف، يُمكننا فيها إشراك كل الأطراف في الطريق إلى الأمام".

من خلال تلك العملية، والتي لم "يجرِ البدء فيها" بعد رغم تصريح تيلرسون في السادس من أبريل، سيقرر المجتمع الدولي "مصير بشار الأسد".

ولا شيء في تصريح تيلرسون أفاد بأنَّ "مصير" الأسد سيكون رحيله عن السلطة. و"المناطق المستقرة" في سوريا، التي سهّلت روسيا خلقها، قوّت من موقف الأسد، ولم تُبدِ روسيا أي علامة على تخليها عن عميلها. ولم يحدد تيلرسون متى "ستُنهي" الولايات المتحّدة حربها ضد داعش.

الأكثر من ذلك، أنَّ تيلرسون ألمح إلى أنَّ إسقاط الأسد سيكون كارثياً، مُشيراً إلى مغامرة أوباما في ليبيا التي أسقطت معمر القذافي. وقال: "كل مرة تتدخل فيها وتُجري تغييراً عنيفاً في القيادة العُليا، يكون من الصعب جداً خلق ظروف تمهّد للاستقرار على المدى الطويل".

لكن، إن كان تيلرسون يفضّل الاستقرار على تغيير النظام مرة أخرى، فإنَّ نيكي هالي فعلت العكس.

ففي تناقضٍ مع تصريحها في الثلاثين من مارس/آذار، قالت نيكي إنَّ الولايات المتّحدة يمكن أن تكون لها "أولويات متعددة" في سوريا تتجاوز هزيمة داعش. واتفقت مع تيلرسون على أهمية "الحل السياسي"، لكنّها ملأت الفراغات بشأن الحدّ الذي تريد الولايات المتّحدة الوقوف عنده. وقالت: "لا نرى أي طريقٍ لتحقيق السلام في المنطقة في ظل وجود الأسد على رأس الحكومة السورية، ويجب أن نحرص على دفع تلك العملية. الحل السياسي يجب تحقيقه لمصلحة شعب سوريا".

وحسب ما قالته نيكي لمحطة "إن بي سي"، فإنَّ الرسالة الموجَّهة إلى روسيا هي: لن نسمح لكم بالتغطية على جرائم هذا النظام بعد الآن".

وفي حوارٍ له مع قناة "فوكس نيوز"، بدا أن ماكماستر يُدعِّم رؤية نيكي للدبلوماسية الأميركية في سوريا، مُلقياً عبء تقرير مصير الأسد على روسيا.

وقال ماكماستر: "من الصعب جداً فهم كيف يُمكن لحلٍ سياسي أن ينشأ من استمرار نظام الأسد. ولا نقول إنّنا الطرف الذي سيدفع في اتجاه ذلك التغيير"، مُضيفاً أنَّ روسيا عليها أن تسأل "أسئلةً صعبة" مثل: "هل ندعم ذلك النظام القاتل الذي يرتكب جرائم القتل الجماعي بحق شعبه ويستخدم أبشع الأسلحة المُتاحة؟".

وغاص ماكماستر في مستنقع "داعش أولاً" من بعد تيلرسون، إذ قال: "ينبغي أن تكون هناك درجة من النشاط الموازي، وكذلك وضع هزيمة داعش أولاً".

وبسؤالها عن سبب رسم الولايات المتّحدة الخط الأحمر عند الأسلحة الكيماوية عوضاً عن البراميل المتفجّرة التي استخدمتها قوات الأسد في قتل عددٍ لا يُحصى من المواطنين السوريين، ردّت نيكي هالي قائلةً: "هذا قرارٌ متروك للرئيس اتخاذه". وبتوجيه السؤال نفسه لماكماستر، اتفق معها قائلاً: "الرئيس سيتخذ أي قرارٍ يظنّه في مصلحة الشعب الأميركي".


السياسة رقم 5 - الولايات المتّحدة ستردّ عسكرياً على البراميل المتفجّرة: 10 أبريل/نيسان


أشار شون سبايسر، المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض، يوم الإثنين إلى أنَّ ترامب قد اتخّذ القرار الذي ألمح إليه ماكماستر ونيكي. فالآن تضع الولايات المتّحدة البراميل المتفجرة في مكانة الأسلحة الكيماوية. وحيث إنَّ الولايات المتّحدة استجابت للأسلحة الكيماوية بصواريخ التوماهوك، فإنَّ تعليقات سبايسر تُشير إلى تدخل عسكري أكبر في سوريا غير مرتبط بالأسلحة الكيماوية، حتى مع تعريف ماكماستر للضربة بطريقةٍ تُشير إلى أنَّ الولايات المتّحدة تسعى إلى مجرّد ضربة رادعة ذات مصداقية لمنع استخدام الأسلحة النووية في المستقبل.

وقرأ سبايسر من ملاحظاتٍ مُعدَّة مسبقاً، على الأرجح بشكلٍ متعمد، قائلاً: "منظر إلقاء الغاز على الناس وتفجيرهم بالبراميل يضمن أننّا إذا رأينا هذا النوع من التحرّكات في المستقبل مرةً أخرى فإنَّ احتمالات التحرّك العسكري ستكون مفتوحة".

لاحقاً، بعد تعرضه للانتقادات، قال سبايسر إنّه كان يُشير فقط إلى البراميل المتفجّرة التي تحتوي على غاز الكلور، أو أية مواد كيميائية مصنّعة أخرى. لكن هذا سيمثّل أيضاً توسعاً كبيراً في قواعد تدخل الولايات المتحدة في سوريا. فالنظام متهم باستخدام غاز الكلور في هجماته 16 مرة على الأقل منذ عام 2013.

وخلال ساعات، أصدر ماتيس بياناً آخر حدّد فيه أهداف الولايات المتّحدة بشكلٍ معتدل، ووضوحٍ غير معتادٍ من إدارة ترامب.

وقال ماتيس، وهو واحدٌ من المحُاربين القدامى في حربي العراق وأفغانستان: "كانت الضربة العسكرية الأميركية الموجّهة لمطار الشعيرات في السادس من أبريل/نيسان رداً محسوباً على استخدام الحكومة السورية للأسلحة الكيماوية".

وأضاف: "وجّه الرئيس بتنفيذ تلك الضربة من أجل ردع الاستخدام المستقبلي للأسلحة الكيماوية، وإظهار أن الولايات المتّحدة لن تقف ساكنة بينما يقتل الأسد الأبرياء بالأسلحة الكيماوية، التي يحظرها القانون الدولي، وأعلنت سوريا عن تدميرها سابقاً".

ولم يذكر ماتيس البراميل المتفجرة، مما يُشير إلى موقفٍ أقل حسماً من الموقف الذي قدّمه سبايسر.

وسنرى ما إذا كان تيلرسون سيُعلن عن السياسة رقم 6 في سوريا عند ذهابه إلى موسكو.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.