لهذه الأسباب لن يتراجع بوتين عن دعمه لبشار الأسد

تم النشر: تم التحديث:
PUTIN AND ASSAD
REUTERS FILE PHOTO / Reuters

5 سنواتٍ من الاستثمار السياسي، وما يربو على مليون طنٍ من الأسلحة، وعشرات المليارات من الدولارات، ودور روسيا سواء كلاعبٍ إقليمي مُهيمن موجود أو كقوةٍ عالمية صاعدة– كل ذلك سيكون على المحك إذا ما تخلَّى فلاديمير بوتين عن بشار الأسد.

تُعَد هذه هي الاعتبارات التي سيواجهها وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، في أثناء سفره إلى موسكو لمحاولة إثناء الرئيس الروسي عن دعمه لبشار الأسد بعد هجوم الأسبوع الماضي بغاز الأعصاب على بلدة خان شيخون، بحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

وقبل القمة الأولى رفيعة المستوى بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية منذ انتخاب دونالد ترامب، تصاعدت الآمال بأنَّ العمل الفظيع قد يكون عامِلاً مُحفِّزاً للتغيير في بلدٍ دمَّرته الحرب وأفشلته السياسة الدولية.

ومع ذلك، يكاد يكون في حُكم المؤكَّد أنَّ تلك الآمال ستتحطَّم. فخلال الصراع، وخصوصاً منذ أن أصرَّ الكرملين على دعمه للأسد في سبتمبر/أيلول 2015، اتَّبعت روسيا استراتيجية الانتصار بأي ثمن، والتي تحدَّت وبصورةٍ منتظمة حدود الحرب الحديثة، ووضعت نظام الأسد في موقف المنتصر بميدان المعركة.

وسوَّغت الوسائل القاسية نهايةً يراها بوتين أقرب من أي وقتٍ مضى. ومنذ الهجوم الكيماوي الذي وقع الثلاثاء الماضي، 4 أبريل/نيسان، والذي حمَّلت كلٌ من الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، والمعارضة السورية مسؤولية القيام به لسلاح الجو التابع للأسد، منحت روسيا غطاءً للنظام. ونسَّق الطرفان (روسيا والأسد) ردّاً وتمسَّكا به، وألقيا باللائمة في المذبحة على مخزونٍ كيماوي لتنظيم القاعدة، رغم عدم وجود أي دليلٍ في بلدة خان شيخون يشير إلى أنَّ شيئاً كهذا كان موجوداً هناك.

وبدلاً من تعديل موقفها، بدأت روسيا التصعيد بصورةٍ أكبر، فأطلقت دبلوماسيين يدَّعون أنَّ واشنطن تعمل مع الإرهابيين وحشدت وسائل السُخريّة التي تُديرها الدولة لتأكيد تلك السردية، تماماً بالقوة نفسها التي أظهرتها قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

ولا يوجد في موسكو أي استعدادٍ للتنازل عن أية أرضيةٍ للولايات المتحدة في سوريا، وهو الأمر الذي لن يدفع تيلرسون تجاهه بقوةٍ على أي حال. وعلى الأرجح سيكون ادِّعاء تيلرسون أنَّ روسيا "فشلت في التزامها تجاه المجتمع الدولي"، وأنَّ الولايات المتحدة تعتقد أنَّ موسكو كانت متساهلةً في الإشراف على نزع المخزونات السورية من غاز السارين، من بين الموضوعات المطروحة على الطاولة خلال لقاء الأربعاء، 12 أبريل.

لكن بغض النظر عن المعلومات الاستخباراتية التي قد يختار تيلرسون إعلانها بمنأى عن الأنظار في جلساتٍ خاصة، يبدو أنَّ إدارة ترامب لا تملك سوى القليل من التأثير. وكان الهجوم بغاز السارين، وقرار ترامب السريع بضرب مطار النظام الذي على ما يبدو أقلعت منه الطائرة التي حملت الغاز، أخباراً جيدة للرئيس الأميركي المرتبك، وسمحت له على الأقل بوضع مسافةٍ بينه وبين بوتين في وقتٍ تخضع فيه العلاقة بين الرجلين لتدقيقٍ كبير.

ومَنَحَ الهجوم إدارة ترامب كذلك الفرصة لإعادة تقديم نفسها كحاميةٍ للقيم العالمية، وهو الشيء الذي تخلّى عنه الرئيس بصورةٍ ثابتة لصالح المصالح الأميركية الداخلية المتنامية خلال خطاب تنصيبه في يناير/كانون الثاني الماضي.

ويبقى هناك رأيٌ قويٌ في أرجاء المنطقة بأنَّ الضربة الأميركية ربما فاجأت بوتين وأظهرت أنَّ الرئيس الأميركي الجديد لا يمكن التنبؤ بتصرفاته أكثر مما اعتقد الأسد، غير أنَّ سوريا كانت مجرد لحظةٍ قوية، وفرصةً للوافد الجديد لاتخاذِ مقعدٍ له في العملية.

وليس هناك ما يدعو لاعتقاد أنَّ قمة الأربعاء ستؤدي إلى تصعيدٍ في التوتُّر؛ بل على العكس؛ هناك أسبابٌ كثيرة لاعتقاد أنَّ هذا اللقاء سيُفسِح المجال قريباً أمام العمل كالمعتاد. ويبقى مدى عمق العلاقات بين بوتين وترامب وإمكانية تأثيرهما على المشكلات العالمية أمراً غير معروف، وهي عوامل يعتقد قادة المنطقة أنَّها ستمنع الولايات المتحدة من شنِّ ضربةٍ ثانية أو محاولة التوسُّط في حلٍ سياسي بسوريا.

وفي ظل غياب سلف ترامب، أوباما، الذي انسحب بصورةٍ كبيرة من الصراعات في الشرق الأوسط، ناور بوتين وأوجد لروسيا مكانةً كبيرة في الفضاء الجيوسياسي للمنطقة. ويُعَد الأسد مديناً له؛ بسبب الدعم العسكري الذي قدَّمه للحرب، وهو الدعم الذي، إلى جانب الدعم الإيراني، جعل الرئيس السوري قريباً من تحقيق نصرٍ عسكري. وتحالفت تركيا مع موسكو، في حين لا يُوجد أمام الولايات المتحدة سوى مجالٍ صغير لتتحرَّك فيه، حتى لو أراد ترامب ذلك.

وبينما لا تجري الأمور في سوريا على طريقة بوتين، يبقى الأسد أهم من أن يمكن التخلِّي عنه. وإذا ما كان تيلرسون يُخطِّط لاستحثاث "حس الفضيلة" الروسي، فمن المستبعد أن يُجدي ذلك نفعاً مع زعيمٍ لم يستثمر في سوريا قدراً هائلاً من الدماء والأموال فحسب؛ بل وكذلك قدراً متزايداً من هيبة رئاسته. وينظر الكثيرون في سوريا إلى عقد الآمال على أيٍّ من بوتين أو ترامب باعتبارهما أبطالاً للبشرية على أنَّه رهانٌ خاسر.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.