سلوك ترامب في تجارة العقارات يرشدنا لخطواته التالية.. هكذا يفكر خارج الصندوق والمنطق أحياناً

تم النشر: تم التحديث:
A
ا

في تعامله مع سلسلة من التحديات الدولية، من الشرق الأوسط إلى آسيا، الأسبوع الماضي، أكَّدَ الرئيس الأميركي ترامب أنّه لا يوجد شيءٌ يقيني فيما يخص سياساته الخارجية، إلى درجةِ أن عقيدة ترامب الناشئة تُفضي على ما يبدو إلى الانفكاك عن حبال العقيدة من الأصل، حسب تعبير صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.

عدد كبير من وسائل الإعلام والمحللين في الغرب يحاولون الإجابة عن هذا السؤال الصعب كيف يفكر ترامب بعد أن بدا أن الرجل قد غير وجهة نظره 180 درجة من تقبل استمرار وجود بشار الأسد في السلطة إلى ضربه دون حتى الحصول على إذن من الكونغرس.

وعلق تقرير لصحيفة "إندبندنت" البريطانية نقله موقع "عربي 21" على الضربة التي وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لسوريا بالقول: "إن "هذا ما تحصل عليه عندما يكون لديك رئيس انفعالي، فخلال 48 ساعة تحول ترامب من شعار (أميركا أولاً) إلى الغوص عسكرياً في قلب صراع يدور على بعد آلاف الأميال من الوطن.

كما لفت تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية إلى أنه في أسبوعٍ واحد استضاف فيه ترامب رؤساء الدول الأجنبية وشنَّ هجمةً بصواريخ كروز ضد حكومة سوريا، متخلياً عن مبادئه الخاصة ومجبراً قادة العالم على إعادة النظر في افتراضاتهم عن طريقة قيادة الولايات المتّحدة في ذلك العهد الجديد.

اتبع ترامب نهجاً ارتجالياً وظرفياً بشكلٍ كبير يُمكنه التسبب في جرعةٍ غير محمودة العواقب من التقلُّب في العلاقات مع الخصوم المحتملين، لكن يُمكنه أيضاً أن يفتح الباب لتعاملٍ أميركي أكثر تقليدية مع العالم يطمئن مخاوف الحلفاء.

وبصفته مواطناً ومرشحاً للرئاسة، قضى ترامب أعواماً يُجادل بأن الحرب الأهلية في سوريا ليست مشكلة أميركا، وأن أواصر الصداقة يجب أن توصل مع روسيا، وأن الصين دولة عدوة لا يجب دعوة قادتها لتناول العشاء.

لكنه، في غضون أيام معدودة، دفع أميركا إلى التدخُّل بشكلٍ أكثر مباشرةً في المستنقع السوري، وأحدث صدعاً جديداً في العلاقات مع روسيا، ودعا الرئيس الصيني إلى عشاءٍ بهيجٍ في منزله بولاية فلوريدا.

ويُضعف ترامب، بشنّه تلك الهجمة على سوريا حليفة روسيا، موقف منتقديه الذين صوَّروه على أنَّه مرشحٌ مانشوري (تم تجنيده سراً) يُنفّذ أوامر الرئيس فلاديمير بوتين بعد تدخُّل الكرملين في انتخابات العام الماضي لصالحه.

بالنظر إلى تقلُّبه الدائم، لا يعني أي أمرٍ من هذه الأمور أن ترامب قد استقر إلى الأبد على أي موقف ثابت، فقد جهَّز البيت الأبيض قراراً تنفيذياً، ربما يُوقِّعه الرئيس في الأيام المقبلة، يستهدف الدول التي تُغرق السوق الأميركي بالحديد الصلب، ومنها الصين.

وسيُرسل ترامب وزير الخارجية ريكس دبليو. تيلرسون يوم الثلاثاء 11 أبريل/نيسان 2017 إلى موسكو، حيثُ سيتولّى مهمّة إضافية وهي محاولة تخفيف حدّة المشاحنات التي وقعت في الأيام الماضية، بالإضافة إلى استكشاف إمكانية الشراكة الفعلية مع روسيا في قتال تنظيم داعش في سوريا.

وقال ترامب في خطاب ألقاه يوم السبت الماضي "قراراتنا ستهتدي بقيمنا وأهدافنا - وسننبذ طريق الأيديولوجيا المتصلبة الذي يقود في أغلب الأحيان إلى عواقب غير مقصودة".

يبدو هذا المفهوم - مفهوم المرونة - عنصراً أساسياً في فهم ترامب. إنَّه يكره أن يظل محصوراً في قالبٍ جامد؛ هكذا قال متأملاً في حديقة الورد بالبيت الأبيض الأسبوع الماضي، بينما يفكِّر في أول عملية عسكرية جديدة تحمل عواقب جيوسياسية في عهده.

قال ترامب للمراسلين: "أحب النظر إلى نفسي على أنني شخصٌ بالغ المرونة. لست مضطراً إلى انتهاج طريقة واحدة فحسب". وأوضح أنَّه يحبُّ عدم القدرة على توقع أفعاله، إذ قال: "لا أحب الإفصاح عن المكان الذي سأذهب إليه أو الأشياء التي سأفعلها".

كانت هذه المرونة من العلامات المُميِّزة لصعوده في مجال العقارات، ولم يُزعج ترامب استخدام منتقديه لكلمة "مضطرب" - فقد نجح هذا في إيصاله إلى البيت الأبيض. لكن الآن، بصفته قائد الدولة الأقوى في العالم، يُحاول قادة العالم التوصل إلى نهجٍ يتبعه الرجل.

تقول كاثلين هيكس، المسؤولة السابقة بوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) التي تعمل الآن بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: "ما من عقيدة ناشئة تحكم سياسات ترامب الخارجية بالمعنى التقليدي. غير أنَّ هناك سماتٍ ناشئة تتماشى مع خِصال الرجل نفسه: التقلُّب، واتباع الهوى، وعدم الانضباط".

فيما يخص سوريا، كان ترامب يسخر من الرئيس باراك أوباما لأنَّه رسم "خطاً أحمر" يحظر استخدام الأسلحة الكيماوية، ونصحه بعدم شنِّ ضربة عقابية ضد سوريا عندما تعدَّى الأسد ذلك الخط في 2013. ذلك الهجوم، الذي راح ضحيته 1,400 شخص، تتقزَّم إلى جانبه هجمة الأسبوع الماضي، والتي حصدت 84 نفساً فقط. وقبل أيامٍ معدودة من هجوم الأسبوع الماضي، أشار تيلرسون إلى أن واشنطن تتقبَّل بقاء الأسد في السلطة.

ليس الأسد هو القائد الوحيد الذي امتحن ترامب. لقد أطلقت كوريا الشمالية صاروخاً تجريبياً تلو الآخر في الأعوام المنصرمة، كما لو كانت تحاول لفت انتباه ترامب.

واستجابة ترامب حتى الآن متزنة، إذ حثَّ الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال زيارته على فعل المزيد من أجل كبح جماح كوريا الشمالية. لكن مساعدي ترامب للأمن القومي جهَّزوا خياراتٍ بديلة لترامب في حالة امتنعت الصين عن اتّخاذ موقفٍ أكثر حزماً، من ضمنها إعادة الأسلحة النووية إلى كوريا الجنوبية.


دوافع ترامب


كان واضحاً من كلام ترامب في المؤتمر الصحفي مع الملك عبدالله الثاني، عندما تحدث عن غضبه بسبب استخدام غاز الأعصاب ضد (الصغار الرضع)، بأن هناك شيئاً قادماً، وإن كان أتى على صورة وابل اسمي من صواريخ كروز ضد قاعدة جوية في حمص في غرب سوريا"، حسب ما ذكرت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية.

لكن اللافت هو تقرير لـ"سي إن إن" يُزعم أن التغير في موقف إزاء الأزمة السورية أقدم بكثير من هجوم خان شيخون الكيماوي، فوفقاً للتقرير فإنه قبل شهور وتحديداً قبل عطلة الكريسماس الماضية بأسبوع تحدث ترامب خلال لقاء غير مسجل مع الصحفيين عن الأزمة السورية التي تثقله قبل أن يَتولى مهام منصبه في البيت الأبيض.

وحسب التقرير فقد سمح المتحدث باسم البيت الأبيض، الجمعة 7 أبريل/نيسان 2017، لـ"سي إن إن" بالكشف عن فحوى اللقاء الذي وصف خلاله ترامب قتل المدنيين في سوريا بـ"الهولوكوست"، وأن الولايات المتحدة لديها مسؤوليات إزاء هذا الصراع المدمر، وهي الكلمات ذاتها التي قالها قبيل إصداره الأوامر بإطلاق الصواريخ الـ59.

الكثير من حلفاء أميركا التقليديين رحبوا بتحرُّك ترامب في سوريا، وكانوا من قبل قد وبَّخوا أوباما على عدم لعب دورٍ قيادي أكبر في الشرق الأوسط، وخافوا من أن ترامب سينسحب إلى الداخل أكثر وأكثر.

وعبَّر قادة أوروبيون عن ارتياحهم لأنّ ترامب قد تحرك ولأنَّه لم يتمادى في تحرُّكه، حسب "نيويورك تايمز".

وقال تشارلز غرانت، مُدير مركز الإصلاح الأوروبي في لندن: "لقد عرفنا أن ترامب ليس انعزالياً إلى الدرجة التي خشيها الكثير من الأوروبيين - ويبدو أنَّه يكترث لضحايا هجمات الغاز في سوريا. عرفنا أنّه يفهم الضرر الواقع على النفوذ الأميركي جراء الاعتقاد بأنّه نفوذٌ يُضعفه الابتعاد عن استخدام القوة، وهو اعتقادٌ نما في عهدِ أوباما".


عكس أوباما


يلمس هذا عاملاً محركاً آخر في تعامل ترامب مع التحديات الخارجية - وهو فعل عكس ما كان ليفعله أوباما. كانت غريزة ترامب الأولى بعد الهجوم الكيماوي السوري هي إلقاء اللوم على أوباما لأنَّه لم يفرض خطَّه الأحمر بالقوة، ولا يهم أن ترامب نفسه كان قد حثَّه على عدم فعل هذا وقتها، بل إنَّه أكَّد أثناء الإعلان عن الهجمة الصاروخية ليلة الخميس أن تعامل سلفه مع الأزمة في سوريا "فشل فشلاً ذريعاً".

غير أن ترامب، سواءً كان ينتوي ذلك أم لا، تبنَّى لغةً مشابهةً للغة أوباما ورؤساء كُثُر من قبله في تحديد الأولويات الأميركية. وبينما قال ترامب في الماضي إن الولايات المتحدة ليست لها مصالح قومية في سوريا، فإنه قال الأسبوع الماضي إن عدم الاستقرار هناك "يهدِّد الولايات المتحدة وحلفاءها".

وقال أيضاً إن "الولايات المتحدة تُناصر العدالة"، متحمِّلاً مسؤولية التصرف في حالات انتهاك حقوق الإنسان، وهو ما فعله رؤساء سابقين في أوقاتٍ مختلفة.

وقد تحاشى ترامب مثل هذه اللغة حتى الآن. وقبلها بثلاثة أيامٍ فقط، استضاف ترامب رئيس مصر المستبد، عبد الفتاح السيسي، ولم يذكر علناً آلاف الأشخاص الذين اعتقلتهم حكومة القاهرة في موجة القمع السياسي، وفقا لتقرير نيويورك تايمز.

وبهذه الضربة فإن ترامب يبدو أنه يعتقد بأنه أصلح الخلل الذي تسبب به باراك أوباما، حيث تم تحذير العالم، والمقصود بالعالم هو موسكو بالإضافة إلى دمشق، بأن هذا الرئيس سيستخدم القوة العسكرية الهائلة لبلده إذا أثيرت حفيظته، وليس مهما أن يستدير 180 درجة خلال عدة أيام ليصل إلى تلك المرحلة"، حسب "الإندبندنت".

فالرئيس باراك وباما الذي سبقه جعل نفسه وبلده يبدوان ضعيفين، فبعد أن قال إن الأسلحة الكيماوية خط أحمر ستؤدي إلى فعل أمريكي، تراجع عندما تم تجاوز الخط الأحمر".

"النتيجة أن القوة الأميركية ستعني شيئاً مرة أخرى، ولن يسخر من أميركا ثانية، وقد يكون لذلك تأثير مفيد في مناطق أخرى من العالم أبعد من سوريا، فطهران تنبهت، وكذلك ربما بيونغ يانغ".

وهذا ما يُلاحظه أيضاً غرانت وآخرون فالضربة، والتي نُفّذت أثناء تناول ترامب العشاء مع شي جين بينغ، يُمكن أن يتردد صداها في آسيا كذلك، تاركةً كوريا الشمالية تتساءل عمَّا إذا كان الرئيس الأميركي قد يلجأ إلى العنف بهدف إيقاف تطويرها للصواريخ الباليستية.


هل يحارب الصين؟


لكن كاثلين هيكس قالت لنيويورك تايمز إن مرونة ترامب - أو تقلُّبه - هي أمرٌ "خطيرٌ جداً" بحد ذاته. إن لم تتمكَّن الدول الأخرى من التوقّع الدقيق لأفعال وردود أفعال الرئيس الأميركي، وفقاً لكاثلين، فإنّها ربما تتخلى عن الحذر في تصرفاتها. وتمديد الصين مطالباتها البحرية في بحر الصين الجنوبي يُعد مثالاً على ذلك، حسب تقرير "نيويورك تايمز".

تقول "تخيَّل لو أن دونالد ترامب ردَّ حينها بطرقٍ لم تتوقعها الصين، واندلعت حروبٌ كبرى. إنَّ الخطوط الواضحة المستمدة من المصالح الجلية والإرادة المفروضة هي الأفضل بشكلٍ عام. ولا أظنّ أن دونالد ترامب يحبُّ أن يتقيَّد بالخطوط الواضحة".

هذا ما تراه الإندبندنت أيضاً، فالعالم سيستنتج أننا أمام بيت أبيض حائر في سياسته الخارجية، كما هو في السياسات الأخرى كلها؛ لأن التناقضات كثيرة جدا، فهذا هو الرئيس الذي أغلق أميركا أمام اللاجئين الفارين من المذابح في سوريا، والآن يتحدث عن وفاة الأطفال الرضع ليرسل بصواريخه".

فهذا هو الرجل الذي قال عام 2013 عندما كان أوباما يفكّر في السؤال ذاته بالضبط حول ضرب سوريا من عدمه، من خلال "تويتر": (مرة أخرى أقول لقائدنا الغبي، لا تهاجم سوريا، وإن فعلت فإن كثيراً من الأشياء السيئة ستحدث، ومن تلك المعركة لا تكسب أميركا شيئاً)".

"يجب الملاحظة أن هذا الهجوم لا يأتي رداً على عدوان على أرض أميركا، فالويل والثبور إذن لأي حكومة تجد نفسها متهمة بدعم أي هجوم مستقبلي على الأراضي الأمريكية، وتتسبب بمقتل أميركيين".

"بالنسبة لترامب، فإن حدسه السياسي سيقول له إن التحرك يرضي الأميركيين، وهو محق بذلك، فهو فاز في الانتخابات جزئياً؛ بسبب عدم الارتياح في قلب أميركا (ولايات الوسط الأميركي)، حسب تقرير الإندبندنت. وستكون النغمة الجديدة لوسط أمريكا هي: القوة هي الموضة والمراوغة في الكلام لم تعد مقبولة".

ويتساءل التقرير: "ما الهدف النهائي من هذا الفعل بالضبط؟ والأهم من هذا ماذا كان يأمل ترامب أن يحقق من تدمير عدد من الطائرات ومدرج؟ كل ما نعرفه عنه يشير إلى أنه لن تكون لديه أجوبة عن هذه الأسئلة، فهو فقط يعرف أنه يريد ضرب الأسد ويستعرض عضلاته وعضلات أميركا".

ويخلص تقرير الإندبندنت إلى أنه "في الوقت الحالي، على أي حال، فإن العضلات جواب شافٍ، وستزيد شعبيته وحتى الديمقراطيون سيترددون قبل الانتقاد، وقالت كلينتون في أول مقابلة عامة لها في نيويورك قبل أن تطلق الصواريخ: "أظن أنه كان علينا أن نكون أكثر استعدادا لمجابهة الأسد"، وأضافت للصحفي نيكولاس كريستوف من "نيويورك تايمز": "أعتقد أنه كان علينا ولا يزال علينا أن ندمر مطاراته العسكرية لنمنع طائراته من قصف الأبرياء وإسقاط غاز السارين عليهم"، وربما كان ترامب يستمع لذلك".