حظرت تل أبيب روايتها وأثنت عليها ميركل.. روائية إسرائيلية تعد "تهديداً للهوية اليهودية"

تم النشر: تم التحديث:
L
ل

كانت الروائية الإسرائيلية دوريت رابينيان في قلب عاصفة غير متوقعة، العام الماضي 2016، إذ اختيرت روايتها الثالثة، "All the Rivers - كل الأنهار"، التي تدور قصتها حول علاقة بين حلمي، وهو فنان فلسطيني، وامرأةٍ إسرائيلية تُدعى ليات، لتُضاف إلى المنهج الدراسي القومي. ثم فجأة سحبتها وزارة التعليم بسبب موضوعها.

واعترفت دوريت بأنَّ محاولة الحظر تلك كان لها جانب إيجابي. فقد تضاعفت نسبة مبيعات الرواية منذ أن صارت حالة شهيرة في الصراعات الثقافية الإسرائيلية، في يناير/كانون الثاني عام 2016، وفقاً لما ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية.

وقد تُرجمت الرواية إلى 20 لغة، ونُشِرَت في المملكة المتحدة الشهر الماضي. وتستعد دوريت لبدء جولة من حفلات التوقيع في الولايات المتحدة، ستستمر شهراً، بحسب ما جاء في تقريرٍ لصحيفة الغارديان البريطانية.

وقد عبَّرت معالجتها للقصة تعبيراً ملائماً عن الطريقة التي تترصَّد بها حكومة الائتلاف اليميني الإسرائيلي، بزعامة نتنياهو، تترصد الإعلام والفنون، بالإضافة إلى صانعي الأفلام الوثائقية، والمنظمات غير الحكومية بالغة الأهمية، التي لا تروق لها.

وعلى الرغم من وجود أشياء تُفضِّل دوريت أن تنساها، بما في ذلك التهديدات التي تلقتها، فهي تقول إنَّ الشهور الأربعة عشر التي تلت حذف الرواية من المنهج الدراسي قد وسَّعت منظورها. وتقول: "مازلت أشعر بأنَّ الأمر جَلَل. أظن أنَّ الشهور التي مرَّت عليَّ منذئذٍ جعلتني أدرك أسباب الحظر. وجعلتني أنظر إلى الوضع الراهن في إسرائيل".

وكان ذلك يعني بالنسبة لدوريت أن تستكشف كيف صار البعض في إسرائيل يعتبرون الفن خطراً.

قالت دوريت: "يُعدُّ الفن والأدب دعوة سحرية للهوية والتعاطف. يُمكن لهوية في عمل أدبي أن تلتحم بهويتك، كي تهتم بشخص خيالي غريب عنك، وتتماهى معه، وتنظر بعينيه. هنا تكمن قوة الأمر. إنه ترياق للدرع الذي نضطر لارتدائها: درع الجهل واللامبالاة وعدم الاكتراث. فلو شعرت حقاً بكل شيء، لو لم ترتدِ هذه الدرع، سيؤلمك الأمر".

وتقترح دوريت أنَّ الدعوة للتعاطف هي ما جعلت اليمين الإسرائيلي يعتبرها تهديداً لإسرائيل المعاصرة. وهي جالسة في مقهى بميدان هابيما في تل أبيب، تذكر دوريت اللحظة التي علمت فيها أنَّ روايتها قد صُنِّفَت باعتبارها هدَّامةً، لكن بالنسبة لها حملت الرواية معنى آخر: الرغبة في تخليد ذكرى فنان فلسطيني، التقت به في نيويورك، ومات فجأةً.

وتضيف: "تلقيت مكالمة من محقق جريدة هآرتس الإسرائيلية الذي كان سيكشف الأمر كله. للأمانة، كنا نضحك في البداية؛ لأنَّ أسباب رفض الرواية التي أُعلنت بَدَت بالغة السخف. إذ قيل إنَّ روايتي كانت تهديداً للهوية اليهودية المستقلة؛ لأنها قد تشجع القراء الشباب على التورط في علاقات حميمية مع سكان البلد من غير اليهود".

لكن هذه بالضبط هي الطريقة التي أصدرت بها لجنة المناهج في وزارة التعليم الإسرائيلية حكمها على الرواية، ذلك الحكم الذي دعمه وزير التعليم نفتالي بينيت، الذي ينتمي إلى اليمين المتطرف.

وفي التفسير المكتوب لرفض الرواية، قالت داليا فينيغ، مسؤولة وزارة التعليم: "العلاقات الحميمة بين اليهود وغير اليهود، وبالطبع إمكانية ترسيخها بالزواج وتكوين أسرة، حتى ولو لم يحدث هذا في الرواية، يعتبرها جزء كبير من المجتمع تهديداً للهويات المستقلة (هويات العرب واليهود)".

في النهاية، أخذت الوزارة خطوة صغيرة إلى الوراء بأن سمحت للمدرسين باستخدام الرواية في المدارس إذا أرادوا، لكن بالنسبة لدوريت، فقد وقع الضرر بالفعل. وتقول دوريت إنَّ من سخرية القدر أنَّ الذين عارضوا الرواية في الواقع لم يفهموا أحد أفكارها الرئيسة: الخوف من فقدان الهوية.

وتقول دوريت: "اضطر اليهود، حين نُفوا، أن يُبقوا هوياتهم منفصلة داخل المجتمعات التي عاشوا فيها، واضطروا لخلق حدود معنوية، وتنعكس فكرة العزلة هذه في الرواية. وتُجسد شخصيتي، ليات، هذا الخوف من الضياع، ومن أن تبتلع هويةُ حبيبها هويتَها الخاصة. وكونه فلسطينياً، وفكرتها عن نفسها، يعكسان أمراً مهماً. يمكنك أن تُخرج البنت من الشرق الأوسط، لكن لا يمكنك أن تُخرج الجدران العازلة من داخل البنت. ومن سخرية القدر أن يكون الخوف من فقدان الهوية السبب وراء منع تدريس الرواية!".

وتفصل دوريت بين الهوية وفكرة الهوية التي يروِّج لها السياسيون القوميون، التي تصفها بكونها "مثل ظُلمة تفرض وجودها".

وبينما كانت تكتب، كان على طاولتها كتابٌ للفيلسوف الفرنسي إيمانويل ليفيناس. تقول دوريت: "إنه يُعلمنا أننا يمكننا أن نسترد إنسانيتنا بألا نهتم فقط بمنظورنا الخاص، بل بأن نرى تفاصيل الأشخاص الآخرين داخل جموع البشر".

اليوم، ترى دوريت ردود الأفعال تجاه روايتها في إطار حملة أوسع تشنها حكومة نتنياهو مستهدفةً تمويل، أو دعم، أي فنون لا تعكس آراء اليمين الإسرائيلي.

ويوم التقينا، كان خلاف جديد ينشب حول تمويل إنتاج الأفلام والأفلام الوثائقية، الذي يقع الآن في مرمى نيران وزيرة الثقافة القاسية، ميري ريغيف، وذلك بعد عرض مسلسل وثائقي جديد بعنوان "Megiddo"، يدور حول حياة المعتقلين الفلسطينيين.

ولامت دوريت نتنياهو على حملته ضد حرية التعبير، ووصفت وزراءه بالتلاميذ المبتدئين. وقالت: "إنهم خائفون للغاية من أي منظورٍ يسمح بمعرفة الآخر".

وتصف دوريت التوجهات الثقافية بكلمات محبطة. إذ تقول: "إنها مؤامرة فعالة للغاية لتخدير العقول الإسرائيلية حتى لا تكون واعية بالتلاعب التي تخضع له، وبكَم تخدم دوافع وطموحات السياسيين الذين يستمدون قوتهم من ذلك الجهل".

ولو كان الخلاف حول روايتها لا يزال مفاجئاً لها، فهذا بسبب أنها بدأت تكتب شيئاً شخصياً للغاية. وبدأ ذلك بسبب موت حسان حوراني غرقاً، وهو ما حثَّ دوريت على كتابة مقال طويل في صحيفة "غارديان" عام 2005.

وتقول دوريت: "أردت إحياء ذكرى شخص عرفته في نيويورك. لقد كان فناناً فلسطينياً فقد حياته بعدما قابلته بشهور قليلة. وشعرت بمسؤولية أن أكون شاهدة على شهره الأخير. كانت الرواية محاولة إنقاذ. أنا لا أعتبر نفسي شجاعةً. أشعر بالحاجة لأن أقول إنني أرى أنَّ الصداقة أعلى منزلة من الحب الرومانسي، خصوصاً للأشخاص المشتركين في صراع يتضمن حياةً وموتاً".

وتُكِن دوريت كراهيةً عميقة تجاه ما فعله وزير التعليم. وتقول: "إنه عدوي. لم أتوقع أن أقول هذا يوماً.. كنت في أحد اللقاءات، اضطررت للاختباء وراء ستار حتى لا أضطر لمصافحته". لكنَّ دوريت تلقت دعماً من أماكن غير متوقعة. إذ تقول: "تلقيت خطاباً من أنجيلا ميركل، التي قرأت الترجمة الألمانية لروايتي. هذا موقف غريب للغاية. أن يحظر سياسي إسرائيلي عملي، بينما تكون قائدة ألمانية قارئة متحمسة له".

في النهاية، يبدو أنَّ أكثر ما يقلق دوريت ليس الجزء الذي يخصها في الصراعات الثقافية الأخيرة، بل الأثر التراكمي لرغبة بعض قادة السياسة الإسرائيلية في إنهاء الجدال.

وهي تقول إنَّ نتيجة ذلك ليست فقط رفض جزء من حاضر إسرائيل، بل ومستقبلها أيضاً. وتقول: "إذا سمحت بوجود منظور واحد فقط، فأنت تُضيَّق العالم. ومن ثمَّ فهناك شيء ينقصنا لتفسير مستقبلنا. إلى أين نحن ذاهبون".

يُذكر أنَّ رواية "All the Rivers" قد نشرتها دار نشر Serpentine الواقعة في لندن.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.