"خارطة الحب".. هكذا ترحل بنا أهداف سويف عبر الزمان والمكان

تم النشر: تم التحديث:
S
social media

" كثيرا ما تبدأ القصة من أغرب الأشياء: مصباح سحري، نتفة من حديث وقع على الأذن، خيال يتحرك على حائط.. أما قصتنا هذه فتبدأ بصندوق، صندوق قديم من الجلد البني جف وتشقق، صندوق ذو غطاء أحدب مربوط بحزامين اسودت الأبازيم فيهما من القدم والإهمال".

لم تكن أمل الغمراوي تتخيل أن ينفتح هذا الصندوق العتيق، الذي أحضرته لها الصحفية الأميركية الشابة إيزابيل باركمان، عن كل هذه الذكريات والأسرار الدافئة، والمعتقة، عن عائلتها، وأجدادها، وماضٍ زاخرٍ بالأحداث!

أمل، التي عادت إلى مصر مؤخراً، تاركةً زوجها الإنكليزي، وابنيها، في لندن، يهاتفها أخوها الموسيقار عمر الغمراوي، من نيويورك؛ ليخبرها أن هناك صحفية أميركية، ستحل عليها ضيفة، لأنها تود أن تسأل عن بعض الأشياء، وتتعرف إلى آراء الناس حول الألفية الجديدة.

حين تلتقي إيزابيل بأمل، وتفتحانِ الصندوق، ويفوح عبق الماضي في الأرجاء؛ تكتشف الاثنتانِ أنهما قريبتان، وأن الصندوق يحوي رسائل ويوميات جدتيهما!

تسافر بك سطور الرواية فجأة، إلى بدايات القرن العشرين، حين تأتي الليدي الإنكليزية الأرستقراطية، آنا ونتربورن، إلى مصر؛ مدفوعة برغبةٍ شديدة للتعرف إلى هذا البلد عن قرب، بعد أن تعلقت بها عبر لوحاتٍ، دأبت على مشاهدتها في متحف "ساوث كنزنجتون" بلندن.

تلتقي الليدي آنا بالمناضل الوطني، عريق النسب، شريف باشا البارودي؛ لتنشأ بينهما عاطفة حبٍ رائقة، تلمس عمقها في وصف آنا، الذي تركته مسطوراً في يومياتها "هل ينمو الحب بلا نهاية؟ أشعر كل يوم بحبي له يتجذر عمقاً في روحي أكثر وأكثر. أسكن بين ذراعيه ملتصقة به، حتى أشعر بنبضات قلبه وكأنها تصدر عن قلبي أنا، وأعجب أني منذ أربعة أشهر فقط لم أكن أعرفه".

تتوج هذه العاطفة بالزواج، لتدخل الإنكليزية الأرستقراطية، بيتاً مصرياً عريقاً في مصريته، ونضاله ضد المحتل الإنكليزي! فتحمل قضيتهم، وتعايش نضالهم وتتبناه.

تنعقد صداقةٌ لطيفةٌ بين آنا وليلى البارودي، شقيقة شريف باشا، وتحبها زينب هانم، والدة شريف باشا، وتنجب آنا لهذه العائلة المحبة حفيدة رائعة الجمال تدعى نور، وحين يقتل شريف باشا برصاصاتٍ غادرة، تعود آنا إلى لندن مع نور الصغيرة لتكبر هناك، وتتزوج وتنجب ياسمين، والدة إيزابيل، التي ترث صندوق جدتها آنا، وتلتقي بعمر مصادفة في نيويورك؛ فيدلها على شقيقته أمل، التي يتصادف أنها حفيدة ليلى البارودي!

وهكذا تربط أحزمتك، فسطور الرواية لا تتوقف عن السفر بك بين بدايات القرن ونهايته، بين رسائل آنا، ويوميات ليلى البارودي، وبين أمل الغمراوي، و إيزابيل، والحاضر، الذي لا يقل ثقلاً وتعقيداً عن الماضي!

ما بين نضال مصر قديماً؛ لتنفض عنها المحتل الأجنبي، وتتخلص من الحاكم العثماني، لتتمكن من النهوض وتحقيق العدالة لأبنائها. وبين مصر، بعد ما يقرب من مائة عام، خلال التسعينيات، بحراكها، وتململها، ونشاط الإسلاميين، وصراعهم مع الدولة، خاصة في صعيد مصر، وحراك المثقفين والتنويريين، ومظاهراتهم، وفلسطين حاضرة كخيطٍ أصيل في النسيج كله، منذ بدايته وحتى النهاية!



s

ربما كانت مصر بطلة الرواية حقاً، مثلما قالت صحيفة الإندبندنت، إنها مصر الغنية بتفاصيلها التاريخية والإنسانية، القادرة على امتصاص الأشخاص والأحداث في مسامها! أو مثلما تقرأ في سطور الرواية "في مصر، ترى طبقات التاريخ بالعين المجردة".

تغوص في ثراء التفاصيل، وتقرأ مبتسماً تعليقات "فتحية"، زوجة حارس البناية التي تقطن بها أمل، المغرقة في العامية الطريفة، وتمتمات "مبروكة"، الخادم في بيت البارودي، ومربية شريف باشا، وتقرأ عن تفاصيل الثياب، والألوان، والأرائك، والمشربيات، سيناء ورمالها وجبالها وفيروز بحرها وصفاء سمائها، تستيقظ من استغراقك في دهشة؛ لتسأل نفسك أكثر من مرة هل حقاص هذه رواية كتبت بالإنكليزية!

كتب النص الأصلي للرواية، التي رُشحت لجائزة البوكر الأدبية، باللغة الإنكليزية، من تأليف الكاتبة أهداف سويف، الأديبة المصرية وأستاذة الأدب الإنكليزي، والدتها فاطمة موسى، المترجمة والناقدة الأدبية، التي ترجمت هذه الرواية إلى العربية، في نصٍ بديع، يضع القارئ في حيرةٍ حقيقية، بين الأم والابنة، بين اللغة الرائقة، والحبكة المتينة الشيقة، التي لم تنتقص الكتابة الإنكليزية من مصريتها وقوتها، أو مثلما تصف رضوى عاشور صديقتها، بأنها "تكتب المعاني العربية، باللغة الإنكليزية دون أن تشوهها".


أهداف سويف


ولدت أهداف سويف عام ١٩٥٠م في القاهرة، وتلقت تعليمها بين لندن -حيث كانت والدتها تدرس الدكتوراه بجامعتها- وبين القاهرة، حتى حصلت على ليسانس الآداب الإنكليزية، في جامعة القاهرة عام ١٩٧١م، ثم الماجستير في الجامعة الأميركية بالقاهرة، وحصلت بعدها على منحة في جامعة لانكستر بإنكلترا، حازت بموجبها درجة الدكتوراه في اللغويات عام ١٩٧٨م.

تزوجت سويف، من الشاعر والناقد الإنكليزي، أيان هاملتون، الذي توفي عام ٢٠٠١م، بعد معاناة مع مرض السرطان، ولديها من الأبناء عمر وإسماعيل، وتحيا متنقلة بين القاهرة ولندن.

والكاتبة معروفة باهتماماتها السياسية، ومواقفها من الأحداث المختلفة، التي مرت وتمر بها مصر، وهي شقيقة ليلى سويف، وخالة الناشط والمدون علاء عبد الفتاح. بالإضافة إلى جهدها في مناصرة القضية الفلسطينية، ونقل معاناة الشعب الفلسطيني، عبر مقالاتٍ وتقارير دأبت على نشرها في صحيفة الغارديان البريطانية؛ نقلت فيها المعاناة الفلسطينية بشكلٍ حي ومباشر، حين سافرت إلى الأراضي المحتلة عام ٢٠٠٠م، بتكليف من الغارديان التي كانت تكتب لها، وجمعت هذه المقالات بعد ذلك في كتاب "في مواجهة المدفع".

وللكاتبة مؤلفات أخرى، مثل "عائشة"، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الغارديان في العام الذي نُشرت فيه، وكذلك روايتها "عين شمس"، التي لم تترجم بسبب طولها الشديد.

وصلت "خارطة الحب" إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر الأدبية عام ١٩٩٩م، وتُرجمت إلى ٢١ لغة، وبيع منها أكثر من مليون نسخة، عُرضت قراءات لها في الصحف العالمية الكبرى، مثل الغارديان، ونيويورك تايمز، وصدرت نسختها العربية عن دار الشروق بترجمة والدتها، فاطمة موسى.

وعندما تحكي أهداف عن اعتنائها بعناصر روايتها، والبحث والتحقيق التاريخي، الذي قامت به تقول "استغرقت في كتابة روايتي خارطة الحب، أربع سنوات، ومع عزمي على إنجازها وفق معايير عالية متقنة، ذهبت في مصر إلى أرشيف الأهرام والمقتطف".

تتابع "وكنت أقرأ الإعلانات، فأتعرف إلى الذي كانت تشتريه المرأة آنذاك، وأطلع على تفاصيل الحياة اليومية لتلك الفترة، لألقى أجوبة وافية حول تساؤلات لدي من نوع: هل كانوا يستعملون الكهرباء، أم القنديل؟، وأيضاً استعنت بكتب المذكرات في العالم العربي والغربي حول تلك الفترة التي شهدت بداية الهجوم على فلسطين العام 1905".

ويمكن للقارئ أن يكتشف حجم المجهود العظيم، الذي بذلته الكاتبة في البحث والتحقيق؛ إلى الدرجة التي تجعله يتساءل عما إذا كانت هذه رواية عن الحب؟ أم السياسة والتاريخ؟ والمدهش بحق، أنك لا تستشعر بغلظة المعلومات والأحداث التاريخية، والسياسية المعاصرة، ولا تنفصل عنك المشاعر الدافئة، بينما تنتقل بين أوصاف الحب والغزل، وبين الهم السياسي والإرث التاريخي المعقد، الذي يبدو مقدراً على المصريين حمله فوق ظهورهم عبر الأزمنة المختلفة!

"ومصر؟ ما الذي تتقنه مصر؟ المرونة؟ القدرة على الصمود؟ قدرتها على استيعاب الأشخاص والأحداث وامتصاصها في مسام كيانها؟ هل هذا صحيح أم أنه مجرد ترضية وتعزية؟ بل وتهربٌ من المسؤولية؟ وإذا كان هذا صحيحاً، كم يمكن لمصر أن تستوعب وتظل هي مصر؟".