كواليس قرار ترامب.. هل غيّرت فعلاً صورتان لأطفال سوريا من استراتيجية الرئيس الأميركي؟

تم النشر: تم التحديث:
A
ا

حين تولى الرئيس ترامب الرئاسة الأميركية، كان لدى فريق عمله طلب محدد، فالرئيس كما وصفوه متلقٍّ سمعي بصري، بمعنى أنَّه يفضل أن يرى الأشياء لا أن يسمع عنها، لذا كان طلبهم من كل من يعرض شيئاً على الرئيس أن يعتمد في عرضه على الصور والرسومات البيانية أكثر من الكلمات.

لذا، ما أن باشر ترامب مهام عمله حتى وضع فريق عمله الخاص يده على خطة أوباما للطوارئ المتعلقة بسوريا، وجزأوا المعلومات فيها إلى أجزاء أبسط وأسهل في استيعابها، وزودوها بالصور، وفقاً للساسة الأميركيين الذين كانوا على اطلاع بطلب فريق ترامب الرئاسي، وفق ما ذكرت صحيفة واشنطن بوست الأميركية.

وهذا الأسبوع، كانت الصور هي ما حرك الرئيس، صور شنيعة لهجومٍ كيماوي راح ضحيته مدنيون أبرياء، أخرجته عن صمته وهو صاحب شعار "أميركا أولاً"، والممثل لتيار ينادي بعدم التدخل في سوريا، ودفعته ليأمر بإطلاق 59 صاروخ توماهوك على أهداف سورية مساء الخميس، 6 أبريل/نيسان.

ومن جهتهم، صرح مسؤولون كبار وأعضاء في الكونغرس بأنَّ الرئيس كان مصدوماً بشكلٍ خاص بصورتين بالتحديد: أولاهما كانت لأطفال شاحبين متفاوتي الأعمار يُرشُّون بالمياه في محاولاتٍ حثيثة لإزالة غاز الأعصاب عنهم، أما الثانية فكانت لأبٍ مكروب يحمل على يديه طفليه التوأمين وقد تسمما حتى الموت ولُفَّا في قماشٍ أبيض.

ويقول أحد كبار مستشاري الرئيس إنَّه حين أُذِيعَت أخبار المذبحة على قناة الأخبار التي يتابعها الرئيس طيلة اليوم وحتى وقتٍ متأخر من المساء، استدار ترامب إلى طاقمه وراح يحدثهم كم أنَّ صور ما يحدث في سوريا "فظيعة" و"مفزعة".

وقالت كيليان كونواي، مستشارة الرئيس في تصريحٍ لها يوم الجمعة، 7 أبريل/نيسان 2017: "ما شهده العالم بالأمس لم يكن تصرف ترامب بكونه رئيساً للولايات المتحدة الأميركية فحسب، إنما بكونه أيضاً أباً وجداً".

وتابعت: "لقد صُعِقَ العالم لمشاهدة أطفال تستغيث لتتشبث بالحياة، من يستطيع أن ينسى نظرة الرعب في أعينهم؟ بمن في ذلك رئيسنا القوي الحازم الحاسم ترامب".

ولم تكن الصور المروعة هي الدافع الوحيد للتحرك العسكري الذي أمر به ترامب، فبغض النظر عما يثير اهتمامه بشأن السوريين، الشعب الذي مُنِعَ لاجئوه من الدخول إلى الأراضي الأميركية لمدة 120 يوماً بسبب قانون حظر السفر الذي أصدره ترامب نفسه، يبحث ترامب بنهم عن أي نصر يحققه في ولايته الرئاسية المضطربة الحديثة.

وسيمنحه الهجوم على سوريا مظهراً مستقلاً عن روسيا ورئيسها بوتين، والذي تسببت مزاعم تدخله في السباق الرئاسي الأميركي عام 2016 بالكثير من الاضطرابات. كما سيجعله الهجوم يبدو أكثر قوةً وتماسكاً من أوباما، الذي تلقَّى نقداً حاداً حين وضع خطاً أحمر بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، ثم لم يتخذ أي موقف حين تجاهل بشار الأسد ذلك واستخدمها.

ومن جهته تساءل السيناتور كريس ميرفي، عضو الكونغرس الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت، عن التحول خلال 24 ساعة في موقف ترامب من سوريا، مشيراً إلى أنَّه حتى استخدام نظام الأسد لأسلحة كيميائية لم تكن سوريا تمثل أولويةً لدى إدارة ترامب، ويُذكَر أنَّ المتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر كان قد صرح الأسبوع المنصرم قائلاً إنَّ الولايات المتحدة يجب أن تتقبل استمرار الأسد في السلطة.

وتابع ميرفي: "لا توجد استراتيجية فيما يتعلق بسوريا، من الجلي أنَّه اتخذ هذه الخطوة انطلاقاً من تأثره بالصور التي شاهدها على شبكات التلفاز، ذلك يجب أن يثير قلق الجميع إزاء الطبيعة الوهمية لسياسة هذه الإدارة خارجياً، واحتمال عدم احترامها لسلطة الكونغرس فيما يخص خوض الحروب".

يُذكَر أنَّ ترامب قد ألمح أكثر من مرة خلال الأسبوع الماضي إلى تعاطفه مع الضحايا الأصغر سناً، وفي تصريحٍ له مساء الأربعاء قال: "عندما تقتل أطفال أبرياء، رُضَّع أبرياء، رُضَّع، رُضَّع صغار، مستخدماً غازاً كيميائياً مميتاً، سيتساءل الناس مصدومين عن نوع ذلك الغاز"، كان ذلك في المؤتمر الصحفي الذي أجراه في حديقة الورود مع الملك عبدالله الثاني ملك الأردن، مردفاً: "في ذلك تجاوز للعديد من الخطوط بعد الخط الأحمر".

وحين خاطب ترامب الأمة بصوتٍ خافت يوم الخميس، تحدَّث عن الأطفال الصغار الذين قُتِلوا ببشاعة في الهجوم قائلاً: "لا يجب أن يتعرض أي طفل من أطفال الرب لمثل هذه الفظاعة".

وبعد مرور قرابة 54 ساعة من عرض الصور عليه في التقرير اليومي صباح الثلاثاء، أصدر ترامب، الذي كان وقتها في ناديه الخاص بمنتجع مار ألاغو للقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ، أوامره لاستهداف قاعدة الشعيرات الجوية.

وفي السابعة وأربعين دقيقة من مساء الخميس، وبينما كان ترامب والرئيس الصيني يتناولان وجبة من سمك الدوفرسول المُحمَّر بصلصة الشمبانيا، وشرائح اللحم المُجفَّف المميزة المفضلة لدى ترامب، كانت مدمرة بحرية أميركية تطلق الصاروخ الأول من بين أكثر من خمسين صاروخاً أضاءت سماء شرقي سوريا.

وقال مساعدو البيت الأبيض ونواب ترامب إنه بينما أثَّرت الصور في الرئيس بشكلٍ جلي، إلا أنَّه اتخذ قراره النهائي بعد استشارة مستشاريه في عمليةٍ وصفوها بالتداولية والشمول.

وخلال يومين ونصف من العمل المكثَّف، عقد فريق الرئيس لشؤون الأمن القومي العديد من اللقاءات رفيعة المستوى مع ممثلين من البنتاغون، ووزارة الخارجية، ووكالة الاستخبارات الأميركية، ومجلس الأمن القومي.

وفي تصريحٍ له، قال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، والذي كان ضالعاً في اتخاذ القرار: "لم يكن القرار عاطفياً بالمرة، فالرئيس ترامب قيَّم كل الحقائق، موازناً بين خيارات الرد وعدم الرد على الهجمات التي حدثت في عهده، وخَلُص إلى نتيجة أنَّه لم يعد ممكناً غضّ الطرف عما يحدث".

لكنَّ العملية كانت بشكلٍ خاص، وربما بشكلٍ متعمّد، سريعةً جداً، على النقيض من طريقة إدارة أوباما، الذي كان يفخر بكونه يأخذ القرارات بناءً على المعلومات لا على المشاعر، وهو الأمر الذي تهكم منه منتقدوه، واعتبروه "مرتجفاً" على حد تعبير ديك تشيني، نائب الرئيس الأميركي السابق، مبكراً في ولاية أوباما الأولى.

وقيل إنَّ ترامب اطَّلع على أخبار الهجمات الكيميائية صباح الثلاثاء، وسأل عن الخيارات المتاحة يوم الأربعاء، ووصله الرد صباح الخميس، نفس اليوم الذي أذن فيه بتنفيذ الضربة.

وقال مسؤولون عسكريون أميركيون إنَّ ترامب كان قد طلب من وزارة الدفاع أن تتأهب لردٍ محتمل بعد أن أكد البنتاغون مسؤولية النظام السوري عن الهجمات الكيميائية التي وقعت يوم الثلاثاء، وعن هجماتٍ سابقة وقعت أيام 25 و30 مارس/آذار الماضي ضد مدنيين قرب قاعدة جوية بمحافظة حماة.

وكانت القيادة المركزية الأميركية قد وضعت خططاً لمهاجمة النظام السوري لسنوات، وكانت لديها من الموارد في المنطقة ما يؤهلها لشن هجومٍ سريع فور اتخاذ القرار.

وتداول مجلس الأمن القومي، ووزير الدفاع جيم ماتيس، ومسؤولون آخرون رفيعو المستوى مساء الأربعاء حول الخيارات المتاحة، طبقاً لتصريح مسؤولين عسكريين رفيعي المستوي. وفي النهاية زوّد المستشارون الرئيس بثلاثة خيارات قلّصها هو لاثنين فقط، وطلب منهم مزيداً من التفاصيل.

وقال كبار مسؤولي وزارة الدفاع والبيت الأبيض إنَّ ترامب اختار الخيار "الأنسب" بين كل الخيارات المتاحة.

وأكد ريتشارد فونتاين، رئيس مركز الأمن الأميركي الجديد، والذي كان ماتيس عضواً في مجلس إدارته، أنَّ الخيارات ربما كانت تتضمن كل شيء، من عدم فعل شيء على الإطلاق، وحتى هجمات جوية شاملة ربما تتضمن قاذفات القنابل والطائرات الحربية.

وتابع: "أتوقع أنَّهم قالوا للرئيس إن كان ينتوي فعل شيء فيجب أن يفعله الآن، ولا داعي لأن يتردد حياله لأسابيع".

وكان ترامب قد عقد اجتماعاً آخر على متن الطائرة الرئاسية يوم الخميس في طريقه إلى بالم بيتش بولاية فلوريدا، بصحبة مستشار الأمن القومي هربرت ماكماستر، ووزير الخزانة ستيفن منوتشين، ووزير الاقتصاد ويلبور روس، ورئيس موظفي البيت الأبيض رينس بريبوس، والمستشار ستيفن بانون، الذين انضموا إليه في قاعة اجتماعات الطائرة ذات الجدران المكسوة بالخشب، في حين انضم لهم لفيفٌ من السياسيين من واشنطن عبر خط فيديو مؤمن، بينما كانت الطائرة الرئاسية تتجه جنوباً.

وقال مساعدو ترامب إنَّه ما إن حطت الطائرة حتى أصدر ترامب أوامره لماتيس بالتحرك، وفور تلقي وزير الدفاع للأوامر مررها إلى جوزيف دانفورد، قائد الجيش الأميركي، وجوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية الأميركية.

أُطلِقَت الصواريخ بعد ذلك بقرابة ثلاث ساعات، في تمام الساعة 3:40 فجراً، لتقليل عدد الضحايا بين المدنيين قدر الإمكان.

خلال هذه العملية، يبدو أنَّ ترامب، الذي بنى حملته الانتخابية على رؤية عالمية شعارها "أميركا أولاً"، ترتكز على اعتقاد أنَّ سياسة أميركا الخارجية أصبحت تدخلية للغاية في شؤون الدول الأخرى، قد بدأ في تغيير موقفه تماماً.

رفعت كذلك تلك الهجمات مخاوف وتساؤلات لم تُجَب بعد، فهل تحمس ترامب بالفعل لشن هجومٍ على سوريا جزئياً لأن أوباما لم يفعل ذلك أبداً؟ وهل كانت تقوده حاجته إلى نصرٍ سياسي محلي وخارجي؟ وما هي أهداف واستراتيجية الإدارة الأميركية على المدى الطويل في سوريا؟

ليس واضحاً كذلك ما إذا كان ترامب يدرك حقاً عواقب قراره. فروسيا، التي لطالما دعم رئيسها الأسد، والتي تعمل قواتها داخل سوريا بالفعل، احتجَّت بشدة في البداية على الهجوم، وألغت اتفاق دفاعٍ جوي ضخم كان هدفه تجنُّب الصدام مع سلاح الجو الأميركي، قبل أن تتراجع وتوافق على استمرار الاتفاق.

وحتى رغم محاولات البيت الأبيض لحشد دعم الكونغرس والعواصم الأوروبية لقراره، فإنَّ المسؤولين الأميركيين يعترفون بأنَّ الهجوم، والذي وصفوه بأنَّه يتناسب مع انتهاك الأسد للقواعد الدولية، لم يحرم الأسد من القدرة على شن هجماتٍ مماثلة أخرى.

ومع أنَّ ترامب كان يلوم سابقاً أوباما على ما آل إليه الوضع في سوريا، إلا أنَّ تصريحاته يوم الخميس كانت مقصودة وموضوعية، وذلك طبقاً لأحد كبار مستشاريه.

وقال المستشار ذاته بأنَّ الرئيس الأميركي كان يرسل رسالةً بهذا الهجوم، ليس فقط لسوريا وروسيا، لكن لكوريا الشمالية، وكذلك الصين التي كان رئيسها في بالم بيتش حينها للقاء ترامب، بأنَّ الولايات المتحدة لن تتراجع أمام أي صراع.

ويوم الجمعة، قال شون سبايسر للصحفيين في البداية في منتجع مار ألاغو إنَّه سيقدم بياناً بشأن آخر أخبار الأزمة السورية أمام الكاميرات. ولكن، قبل بداية المؤتمر الصحفي، تراجع سبايسر، إذ يبدو أنَّه أراد من الإعلام التركيز على صور الرئيس الأميركي في المؤتمر الخاص بسوريا اليوم السابق وفي لقائه مع الرئيس الصيني.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.