السرّ في الوجبة (3).. وجبتان بريئتان من تسميم أطفال مصر والثالثة مشبوهة يقدِّمها الجيش في الصعيد

تم النشر: تم التحديث:
SAF
sm

بعد موجات التسمم المتكررة بالمدارس بسبب التغذية المدرسية، وقرار مجلس الوزراء المصري بمنع التغذية حتى نهاية العام الدراسي 2017. بقيت كل الأسئلة عن حالات التسمم معلقة: ما هو نوع التسمم الذي أصاب التلاميذ، ومن هم المتعهدون الذين وردوا وجبات فاسدة، ومتى تفتح الدولة تحقيقاً لإطلاع الرأي العام على حقيقة ما جرى.

في هذا التقرير يسجل "هافينغتون بوست عربي" شهادات وشكوك المسؤولين بوزارة التعليم بشأن الوجبة الجافة التي يتم توزيعها على تلاميذ الصعيد، ويأتي نحو 60٪ منها عن طريق جهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة.

ورغم اعتراف مجلس الوزراء في بيانه الأخير بأن إجمالي حالات الاشتباه بالتسمم قد بلغ 4887 حالة منذ بداية العام الدراسي الحالي 2016 /2017، لم يصدر بيان رسمي بحقيقة ما جرى وأسبابه.


لماذا لجأت الحكومة لتعليق توزيع التغذية؟


اجتماع الحكومة المصرية الذي قرر تعليق التغذية المدرسية كان بحضور عدد كبير من الوزراء وممثلي جهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة وجميع المعنيين بمشروع التغذية المدرسية في مصر، ولم يوجهوا أي إدانة للوجبة المدرسية، بل وتم توزيع عبوات من بسكويت التغذية المدرسية على الوزراء، وتناولوه داخل القاعة.

أحد حاضري الاجتماع تحدث لـ"هافينغتون بوست عربي" مشترطاً عدم ذكر اسمه. "القناعة الغالبة لدى الحاضرين أن الوجبة المدرسية بريئة من حوادث اشتباه التسمم الذي حدث خلال شهر مارس/آذار 2017 في العديد من المدارس، وأن قرار منع توزيع الوجبة المدرسية لنهاية العام الدراسي تم التوافق عليه من باب تغليب الأبعاد السياسية في الأزمة، بجانب أن غموض أسباب حالات القيء أثار مخاوف تكراره خلال الفترة المتبقية من العام الدراسي داخل مدارس المرحلة الابتدائية والتي لا تتخطى أسبوعين الأمر الذي دفع المعنيين لاتخاذ قرار وقف التغذية كون المدة المتبقية قصيرة جداً.


لماذا فشلت وزارة الصحة في اكتشاف السبب؟


"جميع تحليلات عينات القيء التي قامت بها المستشفيات المختلفة التي استقبلت الطلبة جاءت جميعها سلبية، ولم يظهر بها أي مؤشرات لحدوث حالات تسمم داخل المدارس".
كانت هذه هي إجابة د. مايسة حمزة مديرة عام الرقابة الغذائية بوزارة الصحة المصرية رداً على سؤال لـ هافينغتون بوست عربي، وجه لها على هامش مشاركتها في ندوة نظمتها وزارة الزراعة لمناقشة أزمة الوجبة المدرسية الأسبوع الماضي.

أحد الحاضرين بالندوة، التي أقيمت بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية في شارع جامعة القاهرة الشهير، تحدث عن إمكانية حدوث تسمم نتيجة انتشار طفيليات مرضية داخل المراحيض العامة داخل المدارس الحكومية لاسيما وأن مرحلة نمو هذا الطفيل في درجة حرارة مرتفعة كما يحدث في شهر مارس/آذار من كل عام.

ردت الدكتورة مايسة وعلى وجهها علامات الحيرة "بالفعل كان هناك تقرير معروض على مجلس الوزراء يشير إلى تلك الاحتمالية، إلا أن نتائج التحليلات لم تظهر وجود هذا الطفيل أو أي مؤشرات لسبب حالات القيء والحالة المرضية التي مر بها الأطفال".

مديرة عام الرقابة الغذائية بوزارة الصحة ذكرت أن وزارة الصحة تفرض حالة من الرقابة الصحية على الوجبات المدرسية من بداية مراحل تصنيعها في المصانع لضمان سلامة الوجبة، حيث يتم إرسال أسماء كافة المصانع المشاركة في مناقصة توريد الوجبات إلينا ويتم إرسال لجنة من الوزارة للتأكد من استيفاء المصانع للشروط الصحية، وكذلك لا يتم خروج شحنات الوجبات من المصانع إلا بعد حصولها على شهادة الإفراج الصحي لكل شحنة بعد مراجعتها من الوزارة، ولكن حتى الآن لم نتوصل إلى سبب حالة الإعياء التي أصابت الأطفال في المدارس.


من يمول وجبات التلاميذ في مصر؟


كانت وزارة المالية المصرية قد رصدت ميزانية لبرنامج التغذية المدرسية بقيمة نحو مليار جنيه للعام الدراسي الحالي 2016 / 2017، ووفقاً لما جاء في بيان منسوب إلى وزارة التضامن الاجتماعي المسؤولة عن تنفيذ هذا المشروع.

وتقول د. نيفين عثمان مستشارة وزيرة التضامن المصرية لملف التغذية المدرسية، إن إجمالي موازنة برنامج التغذية المدرسية يتخطى حاجز المليار و100 مليون جنيه، تتضمن 952 مليون جنيه من ميزانية الدولة، إضافة لمساهمة من الأمم المتحدة عبر برنامج الغذاء العالمي، ومن جمعية الشيخ خالد بن عبد الله السعودية التي تساهم في إعداد 27 ألف وجبة يومياً، ومساهمات من بنك الطعام وجمعية مصر الخير في توريد الوجبة المطهية لأنواع معينة من المدارس الحكومية هي 27 مدرسة مصرية".

جمعية خالد عبد الله الخيرية هي الذراع الاجتماعي لمؤسسة بيت الخبرة الاقتصادية التي تمول 27 ألف وجبة في المدارس الابتدائية لحي منشية ناصر في القاهرة عاصمة مصر.. ووفقاً لمصدر مسؤول داخل إدارة التغذية المدرسية في وزارة التربية والتعليم فإن بداية توريد وجبات الجمعية كان مع بداية الفصل الدراسي الثاني، وإجمالي تكلفة الوجبات المتفق عليها يتخطى 9 ملايين جنيه مصري.


من التلاميذ المستفيدون من برنامج التغذية؟


نيفين عثمان مستشارة وزيرة التضامن تقدر حجم العمل اليومي بنحو 10 ملايين و500 ألف وجبة مدرسية، يتم توزيعها على نحو 9.5 مليون طالب في أكثر من 25 ألف مدرسة على مستوى الجمهورية، وتتم إدارة المشروع بالكامل عن طريق لجنة عليا من وزارات التربية والتعليم والتضامن والصحة، التموين والتنمية المحلية والتعاون الدولي، وجهات وهيئات أخرى".
وتكمل عثمان أن "التوزيع هذا العام مقتصر على مدارس مرحلة ما قبل الابتدائي ومرحلة الابتدائي في جميع مدارس مصر الحكومية.

وبدأت التغذية المدرسية في مصر بإصدار قانون 25 لسنة 1942 والذي يلزم الدولة بتوفير النفقات اللازمة للتغذية لمراحل التعليم الأولية، وعليه توفر وزارة التربية والتعليم الوجبات الغذائية للمدارس في جميع المحافظات.

وفي العام الدراسي 2014/2015 تم توفير التغذية المدرسية لـ 9.6 مليون تلميذ بمراحل التعليم المختلفة، من خلال اعتماد مبلغ 792 مليون جنيه وفقاً لما نشرته وزارة التربية والتعليم في وقت سابق.


ما هي الوجبات الثلاث وأماكن توزيعها؟


وبعيداً عن الوجبات المطهية التي تقدم لعدد محدود من الطلبة، فإن هناك 3 أنواع من الوجبات يتم توزيعها على المدارس الحكومية العادية في جميع محافظات مصر:

1 فطيرة يتم إنتاجها بمعرفة مصانع وزارة الزراعة.

2 البسكويت المدعم بالحديد.

3 الوجبة الجافة المكونة من قطعتي جبن "مثلثات" وقطعة حلوى طحينية ورغيفين من العيش (توزع في الصعيد فقط).


الوجبة الأولى: فطيرة وزارة الزراعة


هناك 15 مصنعاً تابعاً لوزارة الزراعة توفر 2.5 مليون وجبة يومياً في صورة فطيرة، كما يقول علاء عزوز وكيل مركز البحوث الزراعية والمسؤول عن ملف التغذية المدرسية بالوزارة.
وذكر عزوز لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن الوجبة التي تنتجها وزارة الزراعة لم يحدث منها أي شكوى على مدار العام، إلا شكوى واحدة فقط كانت في محافظة بني سويف نتيجة هطول أمطار أثناء نقل الوجبات، وحدوث تغير في شكل الفطيرة، وتم استبعادها قبل توزيعها على الأطفال.

أقرب تلك المصانع للقاهرة يوجد بمدينة السلام شرقي المدينة. تردد المسؤولون قليلاً قبل السماح لـ هافينغتون بوست عربي بجولة داخله، وتطوع محمود خليل، أحد المشرفين كما عرف نفسه، للإجابة عن الأسئلة دون السماح بجولة حرة داخل المصنع بدون إذن مكتوب من وزارة الزراعة.

بحماس شديد تحدث خليل عن معمل جودة مجهز بأجهزة ومعدات وأدوات تحاليل متعددة لكافة مواد الخام الداخلة في تصنيع الوجبة، وعن الاختبارات والتحاليل المتكررة على المنتج النهائي قبل توزيع الوجبة، ولم يقطع حديثه سوى خروج إحدى الشحنات المعدة للتوزيع، وهنا يكمل وصفه قائلاً "الوجبة تكون مغلفة آلياً عبر معدات مخصصة لذلك، ورغم أن مدة صلاحيتها 21 يومياً، إلا أنه يتم إنتاج الوجبة وتوزيعها في اليوم التالي مباشرة".

ومع رفضه القاطع الدخول للمصنع من الداخل والاتجاه للانصراف من مدخل المصنع قال خليل: يا ريت تنقل حقيقة أن مصنعنا يعمل على أعلى مستوى علشان دا أكل عيالنا، وهو أحد أنجح مشاريع وزارة الصناعة، ومنذ 20 سنة والوزارة تنتج تلك الوجبة ولم تحدث حالة تسمم واحدة منها.. ويا ريت الحكومة تعرف سبب اللي حدث للتلامذة علشان تبرأ سمعتنا".


الوجبة الثانية: البسكويت بالعجوة


"نحن من وضعنا مواصفات البسكوتة التي يتم إنتاجها وتوريدها عبر مصانع خاصة، إنها 50 غراماً من بسكويت بالعجوة مدعم بالحديد لسن رياض الأطفال، وأخرى 80 غراماً لتلاميذ الابتدائية".

من داخل مكتبها في مركز البحوث الزراعية بمحافظة الجيزة قالت د. عفاف عبد الفتاح مدير المعهد القومي للتغذية التابع لوزارة الزراعة إن "الأمور تسير بشكل جيد. المعهد يقوم بتحليل لتلك البسكويتة من الحين إلى الآخر بعينات عشوائية، وقبل عقد المناقصة يتم التأكد من المواصفات الفنية والقياسية المحددة للشركات المشاركة".

وهنا يعود الحديث إلى صبحي عبد الرحمن مدير عام الإدارة العامة للتغذية المدرسية بوزارة التربية والتعليم. "الدولة تعتمد منهج اللامركزية في إنهاء تعاقدات توريد الوجبة المدرسية من البسكويت أو الوجبة الجافة، حيث يتم توزيع المخصصات المالية لكل محافظة من ميزانية مشروع التغذية المدرسية وفقاً لأعداد التلاميذ.

وتقوم كل محافظة بعقد مناقصة توريد سواء للبسكويت أو للوجبة الجافة التي توزع بالصعيد على أن يشكل المحافظ لجنة ممثل بها مديرو الوزارات المعنية بملف التغذية المدرسية داخل كل محافظة تكون هي المسؤولة عن عقد تلك المناقصة".. هكذا أوضح صبحي طريقة عمل المناقصات الخاصة بالوجبة المدرسية بعيداً عن فطيرة وزارة الزراعة التي تتم وفقاً لآلية التعاقد بالأمر المباشر بين مسؤولي المشروع ووزارة الزراعة.


الوجبة الثالثة في دائرة الشبهات.. فمن يصنعها؟


ملاحظة هامة ذكرتها الدكتورة نيفين عثمان مستشارة وزيرة التضامن المصرية لملف التغذية المدرسية، والتي قالت إن النسبة الأكبر لحالات الاشتباه في التسمم بعد تناول الوجبة المدرسية كان في محافظات صعيد مصر، ويكفي أن نذكر أن محافظة سوهاج تحديداً سجلت وزارة الصحة أكثر من 3000 حالة من أصل 4887 اشتباه في تسمم هذا العام في 11 محافظة، وأعداد قليلة جداً من تلك الحالات كانت خارج محافظات صعيد مصر.

وهنا نجد أن الوجبة الوحيدة التي تجمع الأطفال الذين أصيبوا بتلك الحالة دون غيرهم هي الوجبة الجافة التي يقتصر توزيعها على الصعيد والتي تتكون من قطعتي جبنة مثلثات مغلفة، وقطعة حلوى طحينية مغلفة، ورغيفين "فينو" أو بلدي، وفقاً لما قاله مدير عام الإدارة العامة للتغذية المدرسية بوزارة الزراعة.

فروع جهاز الخدمة الوطنية التابع للجيش المصري هي المسؤولة عن عمليات التوريد مباشرة، كما يضيف المسؤول المختص بوزارة التربية والتعليم، "وفقاً للمتفق عليه مع الشركات التي رست عليها عطاءات توريد الوجبة الجافة، ودور جهاز الخدمة ضمان توريد كافة الوجبات في توقيتها كونه المنوط به التعامل مع الموردين المتعاقد معهم".

وكشف مسؤول ملف التغذية المدرسية داخل وزارة التربية والتعليم أنه يتم التعامل مع الجهاز مثله مثل أي مورد في حالة التعاقد على التوريد منه مباشرة، وأن الجهاز يمد الوزارة بحوالي 60% من الوجبات خصوصاً في محافظات الصعيد.

مصادر داخل وزارة التربية والتعليم أكدت أن معظم العطاءات التي تم إجراء مناقصة عليها لتوريد الوجبات المدرسية في محافظات الصعيد تمت تحت إشراف الحاكم العسكري بكل محافظة، وأن هناك الكثير من الموردين هم من الموردين المتعاملين من جهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، وذلك في حالة عدم قيام الجهاز بالتوريد بنفسه لتلك الوجبات.س