صورة للسيسي خلف ترامب.. ووقوف العاهل الأردني على صندوق.. هكذا تُوزّع أميركا الأدوار في الشرق الأوسط

تم النشر: تم التحديث:
KING ABDULLAH
social media

عندما اعتلى العاهل الأردني الصندوق الذي أعدته الإدارة الأميركية له في أثناء مؤتمر صحفي بحديقة الورود بالبيت الأبيض في واشنطن؛ ليبدو بطول الرئيس الأميركي، كان واضحاً أن الرئيس دونالد ترامب يتعامل مع زواره -خاصة الزعماء العرب- بمكيالين.

الملك الأردني عبد الله الثاني، بطوله الذي يقارب 167.5 سم، بدا على منصة المؤتمر الصحفي بمستوى ترامب الذي يفوقه بنحو 21 سم، الأمر الذي استدعى إلى أذهان من تابع تلك المراسم صورة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وهو يقف وسط موظفي البيت الأبيض خلف الرئيس ترامب الجالس في صدر مكتبه البيضاوي، وكأنه واحد من الموظفين.

هذان المشهدان كانا سيبدوان عاديين لو لم يكن يُعرف عن ترامب رسائله التي يوصلها عن طريق جسده وحركاته في كل لقاء أجراه مع زعماء العالم حتى الآن.

فما الذي دفع ترامب لمعاملة الرجلين بمكيالين؟


العاهل الأردني فرض نفسه


في الواقع، وبقدر الحماسة التي أبدتها الدوائر السياسية المحيطة بالرئيس السيسي وتناول الصحافة العالمية لهذا اللقاء، فإن طموحات الرئيس السيسي لم تكن تتجاوز لقاءً حميمياً بعيداً عن الرسميات مع ترامب، وهذا ما بدا عليه الأمر فعلاً.

في المقابل، الترقب الذي ساد أجواء اللقاء بين العاهل الأردني والرئيس الأميركي كان له مبرراته. فالرئيس ترامب الذي واصل حديثه عن منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة، وتعهَّد بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى مدينة القدس، سيستقبل ملكاً يراه كثيرون قوةً معتدلةً تلعب دوراً هاماً في المشهد السياسي المُضطرِب بالشرق الأوسط؛ نظراً لموقع الأردن الحيوي بين إسرائيل، والعراق، وسوريا.

هذا الأمر أكده إيلان غولدنبرغ، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بمعهد مركز الأمن الأميركي الجديد في واشنطن، لصحيفة فورين بوليسي، عندما ذكر أنَّ "الأردن ليس فقط جزيرة الاستقرار؛ بل أيضاً جزيرة الثقة. إنه أكثر شريك عربي يمكن الاعتماد عليه".

ويقول غولدنبرغ: "يستطيع عبد الله تحقيق التوازن لسياسات واشنطن أكثر من أي زعيم عربي آخر. هناك الكثير من المسؤوليات الملقاة على عاتق هذا الرجل".


السيسي يحتاج ترامب


بالعودة إلى الرئيس المصري، فإن السيسي هو الذي يحتاج إلى دعم الرئيس ترامب؛ بل ربما كان يتطلع السيسي إلى أول قبول رسمي له من قِبل رأس الإدارة الأميركية، بعدما رفض الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما استقباله خلال زيارته للولايات المتحدة.

بالنسبة للسيسي، يعتبر احتضان القائد الأميركي الجديد له، الذي يشاركه الكراهية تجاه الإسلام السياسي، بمثابة ضمان توفير الدعم المالي والعسكري الذي يحتاج إليه لإنعاش اقتصاد بلاده واستعادة مكانتها كوسيط النفوذ الإقليمي.

إضافة إلى السعي للحفاظ على 1.3 مليار إلى 1.5 مليار دولار من المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تحصل عليها مصر سنوياً من واشنطن.

ويأتي الاجتماع بين الزعيمين في وقت حرج بالنسبة السيسي، بعد أشهر من تحرير سعر الصرف للجنيه، وارتفاع التضخم السنوي ليصل إلى أكثر من 30% وانخفاض قيمة الجنيه مقابل الدولار إلى النصف. ويعتبر عجز الموازنة في مصر من أعلى المعدلات في الشرق الأوسط.

كما لم تستطع حملات النظام المكثفة على المسلحين المتطرفين القضاء عليهم.

فهل هذا هو السر الوحيد لتعامل ترامب "الدوني" مع السيسي؟

دبلوماسي مصري سابق قدم فرضيتين توضحان السر وراء عدم عقد مؤتمر صحفي مشترك بين الرئيس المصري ونظيره الأميركي، من الأساس، عكس المؤتمر الذي جمع ترامب مع الملك عبد الله في البيت الأبيض.

الأولى أن يكون هناك عدم توافق بينهما في بعض القضايا، والثانية تتعلق باحتمال وجود اتفاق سري بينهما لم يرغبا في الإفصاح عنه.


ربما لا يكون الاحتمال الأول صحيحاً، والدليل على هذا كان لقاء الرئيس ترامب بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الشهر الماضي، فعلى الرغم من عدم التوافق الواضح بينهما وهو ما ظهر في رفض ترامب مصافحة ميركل، إلا أن الزعيمين عقدا بالفعل مؤتمراً صحفياً.

الاحتمال الثاني أيضاً ربما لا يكون صحيحاً، فإذا كان هناك اتفاق سري ما، فهذا لا يمنع إقامة مؤتمر صحفي حتى ولو كان الحديث فيه عاماً وبروتوكولياً، خصوصاً أنه بين رئيس أكبر دولة في العالم، وربما رئيس أهم دولة عربية.

هذا الأمر لاحظه أيضاً بعض الصحفيين في الولايات المتحدة؛ إذ ذكرت جويس كرم، مدير مكتب صحيفة الحياة في واشنطن، أن المؤتمر الصحفي بين الملك عبد الله وترامب هو الأول لمسؤول عربي رفيع المستوى. فلم يسبق عقد أي مؤتمر لترامب مع كل من الرئيس المصري ورئيس الوزراء العراقي وولي ولي العهد السعودي، وإن كان الأخير لا يمثل القيادة الأولى للسعودية ومن ثم يمكن تفهم الأمر.


ويبدو أن الملك الأردني يعامَل بالفعل باعتباره رئيس دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حتى إنه تم وضع صندوق صغير ليقف عليه الملك الأردني؛ كي يبدو في نفس طول الرئيس الأميركي. وفي هذا إشارة إلى أن التعامل بين الرئيسين هو تعامل من المستوى نفسه.


لكن في الوقت ذاته، اعتبر البعض صورة السيسي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض بمثابة إهانة له، باعتباره بدا كأنه أحد أعضاء فريق عمل ترامب وليس رئيس دولة.


أين السر إذاً؟

الاحتمال الذي قد يبدو منطقياً في هذه الحالة، هو عدم رغبة السيسي في التعرض لمواقف محرجة من قِبل الإعلام الأميركي، خصوصاً ما يتعلق بملف حقوق الإنسان.

وهاجمت غالبية الصحف ووسائل الإعلام الأميركية الرئيس السيسي، ووجهت له انتقادات حادة فيما يتعلق بهذا الملف الشائك.

واعتبر الكاتب الأميركي إيشان ثارور -على سبيل المثال- في تحليل صحفي نشرته صحيفة واشنطن بوست، تحت عنوان "سلطوي الشرق الأوسط المفضل لدى ترامب يأتي إلى واشنطن"، أن شعار الرئيس الأميركي الذي بات يردده في كل مكان وهو "أميركا أولاً" يشير إلى "تحول هائل في مواقف واشنطن الدبلوماسية"، ويعتقد أن العلاقة مع مصر تأتي في مقدمة هذه التغييرات.


حرم الرئيس


من الاختلافات الأخرى التي لفتت النظر أيضاً، كان المتعلق باصطحاب ملك الأردن قرينته الملكة رانيا في الزيارة.

وبالتزامن مع لقاء الزعيمين، التقت الملكة رانيا، التي تشتهر بأنشطتها الحقوقية الداعمة للتعليم وتمكين المجتمع، السيدة الأولى ميلانيا ترامب لتناول الغداء وزيارة مدرسة ابتدائية محلية.

لكن في المقابل، لم يصطحب الرئيس المصري زوجته في هذه الزيارة. ربما يكون الأمر مفهوماً نسبياً نتيجة ابتعاد السيدة انتصار عامر عن دائرة الأضواء وعدم ارتباطها بالأنشطة المختلفة، عكس سيدة مصر الأولى سابقاً سوزان مبارك.