الغزيون في ورطة بعد أن شجعتهم السلطة الفلسطينية على الاقتراض من البنوك.. الخصومات في الرواتب تشرد عائلات في القطاع

تم النشر: تم التحديث:
S
social media

حالة من الغضب الكبير انتابت موظفي السلطة الفلسطينية في قطاع غزة، في أعقاب الخصومات الكبيرة التي طالت مرتباتهم بداية الشهر الجاري، بقرار من حكومة السلطة الفلسطينية.

هذا الأمر ألقى بشكوك حول الدافع وراء القرار في هذا التوقيت، وإذا ما كان أحد الردود التي توعَّد بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس حركة حماس، في أعقاب تشكيل الأخيرة هيئة خاصة بإدارة قطاع غزة.


الاتحاد الأوروبي هو السبب


عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أحمد مجدلاني، أكد في اتصال مع "هافينغتون بوست عربي"، أن الخصومات الأخيرة جاءت بعد الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي.

ويبدو أنه في الوقت الذي أقرت فيه بريطانيا، نهاية ديسمبر/كانون الأول عام 2016، عدم تمويل رواتب الموظفين العموميين للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة الذين لم يتمكنوا من العمل، كانت متغيرات جديدة تطفو على السطح في التعامل مع شكل المساعدات الدولية، وخاصة الأوروبية المقدمة للسلطة.

فقد أعلن الاتحاد الأوروبي، في أول فبراير/شباط لعام 2017، أن خطوات جديدة سيبدأ تنفيذها فيما يتعلق بقرار وقف المساعدات، ليفاجأ موظفو السلطة في القطاع بخصومات طبيعة العمل والعلاوات الإدارية، بما يقدر بنسبة 30% من رواتبهم في غزة فقط دون الضفة.

وقال الناطق الرسمي باسم حكومة الوفاق، يوسف المحمود، في وقت سابق، إن "الخصومات طالت العلاوات فقط، وجزء من علاوة طبيعة العمل، دون المساس بالراتب الأساسي"، مشيراً إلى أن "الخصومات بسبب الحصار المالي الذي تتعرض له السلطة".

ووفق وزارة المالية الفلسطينية، يبلغ عدد عدد موظفي السلطة الفلسطينية تقريباً 157 ألف موظف مدني وعكسري، وذلك حتى نهاية عام 2016، منهم قرابة 60 ألف موظف في قطاع غزة، تبلغ قيمة رواتبهم 38 مليون دولار شهرياً.


فتح وحماس تستنكران القرار


وأصدرت حركة فتح في قطاع غزة بياناً دعت فيه الرئيس محمود عباس للتدخل الفوري لوقف هذا القرار "الجائر بحق أهلنا وشعبنا في قطاع غزة"، كما دعته لإقالة هذه الحكومة "التي تُصَدِّر الأزمات لأبناء شعبنا، وتشكيل حكومة وحدة وطنية"، على حد وصفها.

عضو اللجنة المركزية لحركة فتح في الضفة الغربية، جمال محيسن، اعتبر قرار حكومة الوفاق الوطني برئاسة رامي الحمد الله باطلاً، ويجب أن يتوقف بأسرع وقت.

وقال محيسن لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن أي إجراء عقابي لحماس يجب أن يوجه ضدها، وليس ضد السلطة وموظفيها والمواطنين.

وأعرب الناطق باسم حركة حماس، حازم قاسم، عن موقف الحركة من قرار الخصومات، قائلاً في تصريح لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن الخصومات جاءت ضمن "سياسة الإهمال التي تمارسها حكومة الحمد لله تجاه غزة، حيث تتعامل مع غزة كأنها خارج الإطار الوطني، وهذا توجه خطير".

ودعت حماس حكومة الحمد لله للتراجع عن قرار الخصومات، والتوقف عن التمييز بين أبناء الشعب، والقيام بواجباتها تجاه قطاع غزة.


#مجزرة_الرواتب


القرار لم يشمل 60 ألف موظف فقط، بل شمل عائلاتهم أيضاً، في وقت تمتلئ فيه البنوك بالقروض الخاصة بالموظفين.

وامتلأت الشبكات الاجتماعية بعبارات الشجب والاستنكار لقرار الخصومات، وانطلق هاشتاغ #مجزرة_الرواتب سريعاً، حيث علق موظفو السلطة والمسؤولون والمواطنون في غزة.

فقد بلغ رصيد المواطن هاني أبو عودة بعد الخصومات "صفراً"، أي أنه لم يتقاضَ شيكلاً واحداً، نتيجة الخصومات، في حين كان رصيد أحد موظفي السلطة في غزة بالسالب بعد الخصومات.

مئات الموظفين احتشدوا في ساحة الجندي المجهول وسط قطاع غزة، للتعبير عن سخطهم على قرار الخصومات، فيما تتواصل الدعوات لتكرار التظاهرات الخميس والأسبوع القادم.

وعبَّر أحد موظفي السلطة عن رأيه في فيديو مسجل قائلاً: "لقد تحولنا إلى متسولين، والرئيس عباس تحول إلى رئيس للضفة فقط وترك غزة تعاني"، وتساءل الموظف: هل ما قام به عباس ضمن إملاءات خارجية، أم أن قراره من رأسه؟

أحد المدرسين، الذي رفض الإفصاح عن اسمه خوفاً من قطع راتبه، قال لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن راتبه قطع مع مجموعة كبيرة من الموظفين قبل عدة أشهر، وبعد محاولات عديدة عاد الراتب دون دفع المستحقات.

وأضاف: "اليوم أنا أعاني من أقساط شقة سكنية اشتريتها من مشروع حمد، ولم يتبق من راتبي شيء بعد الخصومات لأنفق على أبنائي".

وأصدرت النقابة العامة لموظفي الحكومة في قطاع غزة بياناً قالت فيه إن خطوة الخصومات "تشكل حالة فك ارتباط سياسي وإداري وقانوني، بين السلطة الوطنية الفلسطينية وقطاع غزة، وتعزز وتكرِّس الانقسام البغيض، بهدف كسر إرادة أبناء شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، التي لم يتمكن منها الاحتلال".

وطالب البيان الرئيس عباس بالتراجع عن هذه الخطوة، لما لها من سلبيات على المشروع الوطني الفلسطيني برمته.


لماذا جاء القرار في هذا الوقت؟


وعن الانعكاسات الاقتصادية لقرار الخصومات، قال المختص الاقتصادي محمد أبو جياب لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن هذه الخطوة ستحرم السوق الفلسطيني في غزة من السيولة النقدية، التي ستنعكس سلباً على القطاع التجاري والاقتصادي.

وأضاف: "البنوك الفلسطينية سمحت بقروض مسهلة منذ أعوام سابقة لموظفي السلطة، أدى ذلك لوجود أقساط كبيرة عليهم، ونسفت الخصومات ما تبقى من رواتبهم في البنوك".

أما الخبير الاقتصادي نهاد نشوان فقال في تسجيل مصور عبر فيسبوك إن "حجم الجباية من قطاع غزة، من الجباية وضريبة البلو 115 مليون دولار شهري، في حين ما تنفقه السلطة على غزة 53 مليون دولار للرواتب، و14 مليون دولار على الوزارات، ما مجموعه 67 مليون دولار نفقات، بفائض 48 مليون دولار".

وتوقع نشوان أن تتخذ السلطة خطوات أكثر خطورة، تشمل تقاعداً مبكراً لعدد كبير من موظفيها تبتدئها بمن هم أعمارهم فوق الخمسين، للسعي نحو فك الارتباط الكامل مع غزة.

الكاتب والمحلل السياسي أحمد منصور قال لـ"هافينغتون بوست عربي"، معلقاً على قرار الخصومات: "القرار لم يمر دون موافقة عباس، وذلك يعزز الشعور المتنامي بأن قطاع غزة لم يعد على سلم أولويات السلطة الوطنية، ويتناقض مع كافة التصريحات السابقة لرئيس السلطة ورئيس الوزراء بعدم التخلي عن غزة".

وتخوف منصور أن يتبع القرار وقف تام لرواتب الموظفين في غزة، مما يدفع بتسيير مسيرات موجهة ضد حركة حماس التي تسيطر على القطاع.

وأضاف: "ما يحدث ضمن مخطط إقليمي لفك ارتباط الضفة الغربية عن غزة بالكامل، ومحاولة لاستئصال حماس من خلال حرب قادمة وضم غزة إلى سيناء".

وكان الرئيس عباس توعَّد غزة بردود غير مسبوقة، بعد تشكيل حماس هيئة خاصة بإدارة قطاع غزة، بعد تخلي حكومة التوافق عن مسؤولياتها، على حد وصفها.