هيباتيا السكندرية.. شعلة الحرية الفكرية التي أطفأها التعصب الديني

تم النشر: تم التحديث:
PIC
social media


على خلاف السمة العامة للحقبة الزمنية للقرن الخامس الميلادي، ظهرت هيباتيا كأوَّل امرأة يلمع اسمها في علوم الفلسفة والرياضيات والفلك، رغم كونها عاشت في زمنٍ تأثر فيه الناس بشدة بفلسفة أرسطو الكارهة للنساء بدعوى أنهن لا يمتلكن قدرات فكرية كالرجال، وناقضت هذه الفلسفة فلسفة أفلاطون وفيثاغورس اللذين نادا بالمساواة الفكرية للنساء وتشجيع تعليم المرأة.


وصفها سقراط بـ"الملهمة الخالدة"




pic

تلقت هيباتيا السكندرية تعليمها على يد والدها "ثيون" العالم الرياضي والفلكي المشهور الذي كان يُلقي دروساً في متحف الإسكندرية "السيرابيوم"، وعُرفت هيباتيا بدفاعها عن الفلسفة والتساؤل، فكانت تتبع النهج الرياضي لمدرسة أفلاطون، وكان تفضل المنطق بدلاً من المعرفة التجريبية.

وصف الفلاسفة هيباتيا بأنها كانت ذات جمال وجاذبية شديدين، حكيمة وجدلية في خطاباتها، تتميز بسرعة البديهة والدبلوماسية في تصرفاتها، فاستحوذت على إعجاب كل من يتحدث إليها أو يستمع لها، وفاقت والدها براعة حتى وصفها سقراط في كتابه "التاريخ الكنسي في القرن الخامس عشر"، بأنها وصلت درجة من الثقافة جعلتها تتفوق على كل الفلاسفة المعاصرين، وأن شخصيتها الفريدة جعلتها ملهمة خالدة على مر العصور.


علقت على نظريات كبار علماء عصرها




pic

دَرست هيباتيا الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، وجميع العلوم الفلسفية والرياضية والفلكية لأولئك الذين قدموا إليها من جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية، حتى وجهاء الإسكندرية أصبحوا طلاباً لها، وكان الكثير من الناس يستعينون بحكمتها وعقلانيتها في كل مرة يواجهون فيها مسائل عامة؛ سعياً للتقرب منها، وتقلَّد الكثير من تلامذتها مناصب حكومية رفيعة.

من المثير للانتباه، أنه لم تُحفظ أي من أعمال هيباتيا، ولكن طبقاً لما ورد على لسان أكثر طلابها شهرة "سينيسيوس القيرواني"، الذي وُجدت له العديد من الرسائل المُرسَلة لهيباتيا وزملائه وتحدث فيها عنها باحترام وتقدير، فإنها كتبت تعليقاً على نظريات عالم الرياضيات السكندري ديوفانتوس، وتعليقاً آخر على الهندسة المخروطية لأبوللونيوس، إلى جانب تعليقات أخرى على أعمال إقليدس وبطليموس، ولكن الأثر الوحيد المؤكد لها من نشاطها الأدبي، موجود في تعليقات والدها "ثيون" على الكتاب الثالث لبطليموس "Algamest"، والذي ذكر فيه أن جزءاً كبيراً منه أنجزته ابنته.

استطاعت هيباتيا أيضاً رسم مواقع الأجرام السماوية، واخترعت مقياس ثقل السائل النوعي "المكثاف"، المستخدم في قياس كثافة ولزوجة السوائل، وصنعت نوعاً من آلات الإسطرلاب، والبعض يرجح أن أعمالها المتبقية كُتبت بالعربية، والبعض الآخر يرى أن الجزء الأكبر من أعمالها يتمثل في مساعدة والدها في وضع نصوص النظريات الرياضية والفلكية وتجميع جداول أماكن الأجرام السماوية.


نهاية مأساوية




pic

مع بداية عام 412م، ظهرت قوة دينية جديدة متزمتة بقيادة أسقف كنيسة الإسكندرية "كيرلس"، الذي كان متعصباً ومتطرفاً تجاه اليهود والفلاسفة الذين اتهمهم بالهرطقة، ودخل في صراع سياسي مع حاكم الإسكندرية "أوريستوس"؛ بسبب صداقته لهيباتيا والتي اعتبرها حجر عثرة يمنعه من السيطرة الكاملة على الإسكندرية؛ نظراً للتأثير الكبير لها على عقول الكثير من المسيحيين واليهود والوثنيين.

اعتبر كيرلس دراسات هيباتيا خطراً عظيماً على الديانة المسيحية وأنها تمثل هرطقة شيطانية تفسد العقول، وعلى الرغم من أن الإسكندرية كانت من قبلُ مكاناً منفتحاً يسمح للرجال والنساء من الشرق والغرب والوثنيين والمسيحيين واليهود بالعمل جنباً إلى جنب بعضهم مع بعض، فإن هناك فصيلاً واحداً من المتعصبين المسيحيين أراد السيطرة السياسية والدينية على المدينة، فاضطهدوا كل من لا يدين بالمسيحية وأيضاً من يدرس الفلسفة والرياضيات والعلوم التي ترتبط بهما.

شيئاً فشيئاً، أخذ كيرلس يخطط للتخلص من هيباتيا فهاجمها في خطاباته وأوغر صدور المسيحيين ضدها، وفي ظهر أحد الأيام كانت هيباتيا في طريق عودتها إلى منزلها، عندما هجم عليها فئة من الكهنة والرهبان، وجروها من عربتها وجردوها من ملابسها، وبالطبع يعد ذلك فعلاً مشيناً لامرأة من أصل نبيل مثلها، وكانوا يهتفون بضرورة قتل الساحرة، وللأسف ازداد الوضع سوءاً بعد ذلك فاجتمع الغوغاء حولها وسحبوها إلى معبد كان قد حُوِّل إلى كنيسة، وقاموا بسلخها وهي على قيد الحياة، ومزقوا أطرافها وأحرقوا جسدها.

على الرغم من كون كيرلس المتهم الأول في اغتيال هيباتيا، فإنه بعد وفاته مُنح لقب "قديس" بموجب قانون كنسي، كما أنه لم يُعاقب الكهنة والرهبان المسؤولين عن قتلها، وبعد وفاة هيباتيا بدأ العصر المضطرب؛ إذ اشتبكت الفصائل المتناحرة من أجل السيطرة على المدينة. وباختصار، يُمثل اغتيال هيباتيا نهاية حقبة العالم الوثني اللاتيني ذي الطابع المتحرر فكرياً وثقافياً وبداية هيمنة التعصب الديني وقمع المختلفين ممن بقوا على الديانات الوثنية القديمة، وتحريم دراسة الفلسفة وما يرتبط بها من علوم.