عندما تصبح المستشفيات مسالخ!.. رحلة إلى عنابر التعذيب السرية في سوريا

تم النشر: تم التحديث:
L
ل

في إحدى الأمسيات خلال الأيام الأولى من الانتفاضة السورية، تراجعت فرقة محسن المصري عن نشاطاتها التي كانت ستؤديها عبر شوارع دمشق، وانتظروا قبالة الساحل لهدوء الأوضاع. ثم استقروا، وفتحوا حقائبهم، ونثروا فنونهم.

الآلاف من كرات بينغ بونغ، ورسومات خضراء ووردية وزرقاء وصفراء، ومَلابس عناصر الشرطة السابقين، الذين كانوا يسارعون إلى إيقافهم. سيظل السكان يعثرون على الكرات في الزوايا والشقوق عدة أشهر. وكل كرة منها كانت موسومة بكلمة واحدة: "الحرية".

إن عقوبة محسن المصري على أعماله في الاحتجاج السلمي ستضعه على متن رحلة إلى جهنم، وليس العجبُ ممن هلك كيف هلك، وإنما العجَب ممن نجا كيف نجا، حسب وصف تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأميركية.

في سلسلة من المقابلات، وصف محسن كيف تعرض للتعذيب والاستجواب على مدى عامين في 4 مرافق احتجاز قبل وصوله إلى المستشفى، في مركز نظام الوحشية على نطاق البلاد.

المستشفى، المعروف باسم 601، ليس الموقع الوحيد للتعذيب في سوريا. ولكن بعد أن شوهد في أحد المخابئ به مجموعةٌ من الصور التي تظهر الآلاف من الجثث الهيكلية، أصبح المستشفى واحداً من أكثر الأماكن سيئة السمعة.

l


قصر الأسد


قال "المصري" والمعتقلون السابقون والعسكريون الذين عملوا هناك، داخل المبنى، على بُعد نحو نصف ميل من قصر الرئيس السوري بشار الأسد، فإن السجناء المرضى يتعرضون للتعذيب وهم يرقدون على أسِرَّة مثقَلَةٍ بالقتلى. تُكدَّس الجثثُ في الحمامات والمراحيض وفي أي مكان آخر يمكن استيعابها فيه، ثم تُوثَّق توثيقاً دقيقاً وتُشحَن بعيداً للدفن الجماعي!

وفي مقابلات أجريت في كل من لبنان وتركيا وأوروبا، وصف أكثر من 12 من الناجين والمنشقين عن الجيش الأهوالَ التي لاقوها في المستشفيات العسكرية السورية بجميع أنحاء البلاد، والتي يقول محامو جرائم الحرب إنهم كافحوا من أجل إيجاد تعويضات مدنية لهم.

ينحدر المعتقلون السابقون من شتى مناحي الحياة. فمنهم: النخبة، والطبقة العاملة، واليساريون، والإسلاميون؛ وصِلَتهم الوحيدة بعضهم مع بعض هي المشاركة في انتفاضة سوريا عام 2011. وكان بعضهم هم مَن أشعل فتيل الثورة. وقال آخرون إنّ منهم مَن أضاف تعليقاً بسيطاً في الفيسبوك على منشورات الأصدقاء الذين دعموا الاحتجاجات.

يقول المحققون إن الشهادة والوثائق المستمدة من المستشفيات العسكرية السورية تقدمان مجموعة من أبرز الأدلة حتى الآن على الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، والتي يمكن أن تجعل يوماً ما أحدَ شخصيات الحكومية البارزة ماثلاً أمام المحكمة.

يقول "المصري" في لقاء أُجري معه في مارس/آذار 2017: "لقد اجتاحنا نظام كان مستعدّاً لنا. حتى المستشفيات كانت معَدَّة لتكون أماكن للمجازر!".

وقد استُخدم الطب ليكون وسيلةً من أسلحة الحرب منذ الأيام الأولى للانتفاضة؛ إذْ كان الأطباء المؤيدون للحكومة يبتُرون أطراف المتظاهرين حتى لو كانت الإصابات طفيفة.


يتضورون جوعاً



وقد هُيئَت المستشفيات العسكرية في جميع أنحاء سوريا منذ فترة طويلة لتكون عنابرَ للسجناء. ولكن منذ عام 2011، كانت هذه المستشفيات مملوءة بالرجال الذين تُركوا يتضورون جوعاً وكُسروا بسبب الظروف التي عانوها بالفعل.

وقد تم اعتقال أكثر من 100 ألف شخص أو تعرضوا للاختفاء القسري في سوريا منذ بدء الثورة في البلاد، وفقاً لقائمة جمعتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وهي مجموعة مراقَبة.

وخلال ذلك الوقت، لم تتمكن مجموعات المعونة الدولية من الوصول إلا إلى حفنة من السجون بإذن من الحكومة، ولم يكن أي من المحتجزين الذين قابلتهم واشنطن بوست ممن سُجنوا فيها.

بدأت محنة "المصري" في ربيع عام 2012، عندما أُلقي القبض عليه في طريقه إلى مؤتمر في تركيا. وعذب مراراً وتكراراً في أثناء نقله من سجن إلى سجن، حتى وصل إلى صيدنايا، وهو أحد أكثر السجون رعباً.


لا نريد الذهاب هناك


وفي تقرير نُشر في فبراير/شباط 2017، قالت منظمة العفو الدولية إن التعذيب والتجويع القسري شيء مُمَنهَج في السجن. لكن المصري قال إن السجناء تعلموا أن يظلوا صامتين عندما سأل الحراس مَن منهم يحتاج إلى الذهاب إلى المستشفى.

وأردف قائلاً: "لا يهم ما فعلوه لنا؛ فكان لزاماً علينا أن ندّعي أننا على ما يرام. فنادراً ما يعود الناس من تلك الرحلات".

وبعد أشهر من المجاعة، أُضيف اسم "المصري" إلى قائمة النقل الأسبوعية. وما إنْ حلَّ الظلامُ في مساء مايو/أيار 2012، حتى قُيِّد بالسلاسل مع رجُل آخر ونُقل إلى الشاحنات خارجاً. وبإرفاق رقمٍ بجسم "المصري"، أخبره الحارس بأن ينسى اسمه. ثم أُخِذَ معصوبَ العينين.

كل شخص يحصل على حظه من "الترحيب"، قال المصري- ضرب وحشي من قِبَل الحراس والطاقم الطبي وهم يرتدون معاطف بيضاء فوق الزيّ العسكري.

في مستشفى 601، دُفِع أضعفُ رجلٍ منا وطُرح أرضاً بطريقة وحشية. في مستشفى تشرين العسكري القريبة، قال محمد الحمّود، وهو فني سابق في المستشفى، إنه شاهد سجناء يُجرجَرون من شعورهم على السلالم.

قال مصطفى سومر -وهو طالب فيزياء من دمشق تم إرساله إلى مستشفى 601 في نهاية عام 2012: "كل شيء يدور حول السيطرة". وفي الداخل، شاهد مصطفى سجناءَ مقيّدين في أسِرَّتهم بالسلاسل بإحكام، حتى إنهم يجلسون ورُكَبُهم ملتصقة بضلوعهم.


أين يتغوّطون؟



نادراً ما كان يوجد فترات لدخول الحمام، حتى إن السجناء كانوا يتغوّطون حيث يجلسون، ويبقون في المكان نفسه أياماً!. يقول مصطفى: "كنا معصوبي العينين مع وجود هذه الرائحة حولنا. ولا يستطيع المرء التخلص من هذه الذكرى، حتى بعد أنْ ذهبت لحال سبيلها".

يوجد ما لا يقل عن 5 أفرع لقوات الأمن السورية تعمل بمثابة عنابر سجون داخل مستشفى 601 منذ 2011، وفقاً للجنة تحقيق للأمم المتحدة، هي هيئة أُنشئت لمراقبة الصراع.

وتقول في تقرير لها صدر عام 2013: "إن المحتجزين -بما في ذلك الأطفال- قد لاقوا صنوف العذاب: من ضرب، وحرق بالسجائر، وتعذيب يستغل الإصابات الموجودة مسبقاً". وخَلُصت اللجنة إلى أن العديد من المرضى تعرضوا للتعذيب حتى الموت داخل المستشفى.

يقول أحد المنشقين إن مستشفى حرستا العسكري، أيضاً في دمشق، نَقَل سِجنه من الطابق الأول إلى السابع لمنع المحتجزين من الهروب. "وكان هو الطابق الوحيد الخالي من المصعد، وكنا نعلم أنه لا يمكنهم القفز من النافذة".


عزرائيل وملاحقة الأطباء


ويقول المحققون إنّ تلك الانتهاكات يمكن أن تصبح ركائز أساسية في تقديم أي ملاحقة القضائية لأطباء تلك المستشفيات، وكذلك كبار الشخصيات في الحكومة السورية.

ففي مستشفى 601، قال "المصري" ومصطفى إنهما شاهدا ضباطاً رفيعي المستوى من فروع الأمن كانوا مرافقين للأطباء في جولاتهم. في بعض الأحيان، كان الفريق يتوقف عند أحد المسجونين لمناقشة طريقة علاجه. وفي أحيان أخرى، كان ينهال عليه الرجال بالضرب.

كان يساعد الأطباءَ بعضُ العاملين ممن يرتدون الزي الأزرق، وكثير منهم كانوا من أنصار الثورة السابقين تم اختيارهم من قِبَل جَلّاديهم. قال "المصري": "لقد كُسِر أفضل رجالنا وخضعوا لهم بسبب التعذيب. وإن لم يضربونا هم، فإنهم سيخاطرون بمصير أسوأ لأنفسهم".

استخدم الحراس أسماء مستعارة؛ لتجنب التعرف على هوياتهم. وقال 4 من الناجين أن أشهرهم كان عزرائيل، أو ملك الموت.

ووصفوه بأنه أضخم رجال الأسد في حصن اللاذقية الساحلي، وهو يحمل دائماً عصا مليئة بالشيفرات. كما قالوا إنه اعتاد اختيار بعض السجناء، أغلبهم مرضى بشكل مميت، لمصير يسميه "العدالة"، بينما يدعوه السجناء بالإعدام.

واسترجع "المصري" عزرائيل وهو يذيب أحد الأكياس البلاستيكية نقطة نقطة على وجه أحد السجناء، حتى وفاته بالسكتة القلبية ظاهرياً. كما أفاد سجناء آخرون باستخدامه قضيباً حديدياً لتحطيم جماجم شركائهم في الفراش.

توفي العديد منهم حيث ينامون، مشاركين زملاءهم الفراش حتى الصباح. بالنسبة لمصطفى، عنى ذلك مشاركته الفراش مع 3 جثث حتى شروق الشمس التالي، في شتاء 2012.

ومع تحول الانتفاضة في الخارج إلى حرب، يروي السجناء السابقون ازدياد هوس محققيهم بالمتواطئين، وبتعذيب السجناء بحثاً عن أسماء جديدة من المشتبه فيهم يمكنهم إلقاء القبض عليهم.


11 ألف قتيل والبقية ستأتي



تعترف الوثائق الموقعة بواسطة الحكومة وكبار مسؤولي الأمن بالزيادة المفاجئة في عدد القتلى، وتشكو أحياناً من تراكم الجثث.

وقال سكوت غيلمور، المحامي العام في مركز العدالة والمحاسبة "من المستحيل استجواب وتعذيب وقتل عشرات الآلاف من السجناء دون منهج متبع. قبل الثورة، لم يكن النظام ينتج آلاف الجثث، ثم فجأة أصبح يفعل. إذاً ماذا فعلت بهم؟".

في ديسمبر/كانون الأول من عام 2012، أصدر رئيس دائرة الاستخبارات العسكرية السورية أمراً لكل الفروع الأمنية بإرسال موتاهم إلى مشرحة المستشفى العسكري. وجاء في الوثيقة التي حصلت عليها لجنة العدالة والمحاسبة الدولية -إحدى وحدات التحقيق التي يقع مقرها في أوروبا- أنه يجب فحص وتقييد كل جثة.

نُشر عدد من هذه الصور علناً حول العالم في 2014، بعد تهريبها خارج سوريا على يد أحد المنشقين عن الشرطة العسكرية، والمعروف باسمه الحركي فقط "قيصر". جرى التقاط غالبية الصور داخل مستشفى 601، حملت جثثاً لأطفال في سن الحادية عشرة علامات للتعذيب والحرق وفقء العيون ونشر الأطراف. ووفقاً لبروتوكول الحكومة السورية، وثق قيصر وفاة نحو 11 ألف شخص بشكل منهجي.

وقال نديم حوري، الذي فحص الصور من أجل "هيومان رايتس ووتش": "عليك أن تدرك أن هذه هي الصور التي التقطها شخص واحد فقط خلال فترة زمنية واحدة؛ بل إنها جزء فقط مما قام بتوثيقه".


أخبار كاذبة


من جانبه، وصف الأسد مؤخراً هذه الصور بكونها "أخباراً كاذبة"، زاعماً معالجتها بما يتفق مع أهداف مجموعات حقوق الإنسان.

إلا أن المنشقين ذكروا أنه نقل العديد من الجثث المرقمة في أكياس بلاستيكية بمستشفى 601، وبعض المستشفيات العسكرية القريبة في تشرين وحرستا.

كما جمع محققو الأمم المتحدة والشركات القانونية الخاصة شهادات مماثلة من حمص وحلب ودرعا. بنهاية 2012، تصدع النظام، ووبخ الأمر الصادر في ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام الإدارات العسكرية الفردية لفشلهم في تسجيل موتاهم في الوقت المحدد.

وبحسب مصري، يُعاد الناجون مرة أخرى للسجون القريبة. بينما يُطلق سراح آخرين، مثل مصطفى، في الحال بعد ذهابهم إلى محكمة دمشق المكتظة بالسجناء، وبعد إقرار أحد القضاة بأنهم أُجبروا على الإدلاء باعترافات كاذبة تحت وطأة التعذيب. يتذكر الشاب كيف سقط بين أذرع والديه الباكيين.

بعد خروج "المصري" من 601، أُعيد إلى صيدنايا مرة أخرى، ليشهد عاماً آخر من التعذيب والليالي التي قضاها في الظلام بجوار الرجال الآخرين. لقد شعر بأنه ذهب في طيّ النسيان.

في شتاء 2014، حلم "المصري" بأنه يأخذ دشاً ساخناً، يزيل عنه عامين من القذارة، ويتركه نظيفاً. استيقظ ليجد حارساً في زنزانته، "أخبرني بأنه حان وقت الذهاب. لا أستطيع وصف ذلك الشعور. لقد كان ضخماً وغير قابل للوصف".

تذكر أيضاً عودته إلى دمشق، وكيف أغلق باب الحمام ليقف وحيداً برهة، أغلق عينيه بحثاً عن السكينة، وحين فتحها، رأى رجلاً شاحباً مهزولاً يحدق فيه في المرآة.

تابع "المصري" روايته: "بدأت في الصراخ". لم يتعرف "المصري" على نفسه.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة "The Washington Post". للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.