هل الجمهور دائماً على حق؟ 5 روائع سينمائية فشلت في شباك التذاكر

تم النشر: تم التحديث:
S
social media

في كل موسم سينمائي ومع سرد حصاد العام، تبرز دائماً إيرادات شباك التذاكر كمؤشر قوي يستدل به صناع السينما على شعبية الفيلم ومدى نجاحه التجاريّ، كما يسترشد به الجمهور كمحفز للإقبال على مشاهدته في دور السينما.

المثير للدهشة، أن العديد من الروائع التي يعشقها الجمهور حالياً لم يحالفها الحظ بشكل غريب في الوجود فترة طويلة في قوائم شباك التذاكر الأسبوعية بأميركا والعالم؛ بل وتفوقت عليها في بعض الأحيان أفلام أقل منها تميزاً حازت شعبية مؤقتة، ثم ذهبت الآن في طيّ النسيان.

نرصد معكم في هذه القائمة تحفاً سينمائية خالدة ترشحت وفازت بالعديد من الجوائز، وتصدّرت قوائم تفضيلات الجماهير والنقاد على السواء رغم أنها حققت فشلاً ذريعاً في أثناء عرضها السينمائيّ، لنطرح به سؤالاً هاماً، وهو: هل حكْم الجمهور الفوري على فيلم من خلال إيراداته هو ما يعطي الفيلم قيمةً وثقلاً فنياً؟ أم أنه دائما ما يأتي اليوم الذي يعطي فيه الجمهور للفيلم فرصة أخرى لمشاهدة متأنية، كما حدث مع تلك الروائع، ليغيّر رأيه بشأنها ويمنحها لاحقاً ما تستحق من احتفاءٍ ومكانة؟


It's A Wonderful Life.. من فيلم منسيّ عابر إلى وجبة كريسماس مثالية!







في عام 1946، قدم المؤلف والمخرج فرانك كابرا فيلمه الأشهر "إنها لحياة رائعة"، عن شاب طموح جيمس ستيوارت يحلم بالسفر حول العالم، لكن أحلامه تتساقط وتتلاشى لظروف خارجة عن إرادته فيضطر إلى البقاء في مدينته الصغيرة التي يضيق بها ذرعاً.

ومع تدهور الأحوال الاقتصادية في أثناء الحرب العالمية الثانية، يمر بضائقة مالية تجعله على حافة الانتحار، الأمر الذي أثار سؤالاً مهماً لدى الجمهور والنقاد على السواء: أين تلك الحياة الرائعة التي وعدهم بها كابرا كي يجعلها تتصدر أفيشات الفيلم؟

رغم كل هذه العقبات التي يواجهها البطل لم يكن الفيلم كئيباً كما يبدو، لكنه كان مليئاً بكوميديا الموقف ومفعماً بالأمل ليختمه كابرا بإحدى أجمل نهايات الأفلام في تاريخ السينما.

لكن الفيلم واجه تجاهلاً من الجمهور أكثر من 30 سنة حتى حظي بشهرته الطاغية بشكل مفاجئ منتصف السبعينات؛ فالمثير للسخرية أن هذا الفشل في تحقيق أكثر من 3 ملايين دولار بشباك التذاكر في أثناء عرضه، وهو ما غطّى بالكاد ميزانية إنتاجه، جعل الشركة المنتجة تفشل في تجديد عقود حقوق امتلاكه ليصبح منتجاً فنياً متاحاً للمشاع.

وحينها، عُرض على الكثير من القنوات المفتوحة، خاصةً في عطلات الكريسماس والتي تدور أحداث الفيلم الأخيرة في أثناء إحداها؛ لينبهر كابرا نفسه بردود الفعل، حتى إنه كان يقول مندهشاً: لقد أصبحت فخوراً بالفيلم وكأنّي أفنيت عمري في تربية طفلي ثم فاجأني وأصبح رئيساً للجمهورية!


Vertigo.. هيتشكوك يضحّي باسمه أم يجدد دماءه؟






كانت الخمسينات بمثابة الفترة الذهبية للمخرج الكبير ألفريد هيتشكوك، حتى إنه كان يخرج فيلمين كل عام تقريباً. توقف هيتشكوك عامين؛ ليلتقط أنفاسه، ثم فاجأ عشاق السينما عام 1958 بفيلمه "vertigo"، الذي تدور قصته حول محقق سابق، جيمس ستيوارت، تقاعد بعد أن فشل في إنقاذ صديقه من الوقوع من ارتفاع شاهق ليلقى حتفه، مما جعله يعاني أزمة نفسية تزامنت مع إصابته برهاب المرتفعات؛ بسبب حادث زميله.

ثم كلّفه أحد أصدقائه القدامى مهمة غريبة؛ وهي مراقبة زوجته التي تقوم بتصرفات غير مفهومة، تدّعي بها أن هناك روحاً ميتةً تستحوذ عليها وتأمرها بتلك التصرفات، الأكثر غرابة من هذا هو أن المحقق بعد فترة من مراقبتها يقع في غرامها ليتولى هو بنفسه تحويلها إلى صورة من يحب.

عُرف عن هيتشكوك ثورته الدائمة على الأفكار المعتادة بأفلام الغموض والإثارة البوليسية، وفي هذا الفيلم يكشف الخدعة مبكراً جداً وقبل انتصاف الفيلم، في مغامرةٍ غير مأمونة العواقب، أعطت للفيلم قيمته الفنية الخالدة وجعلت الأنظار تتوجه للإشفاق على البطل سجين ذكرياته والمهووس بإعادة محبوبته إلى الحياة، بدلاً من السعي فقط وراء كشف اللغز كما هو سائد بتلك الفئة.

لكن هذه المغامرة أدّت إلى خسارة هيتشكوك حينها إيرادات ضخمة كانت متوقعة، فقد كان بارعاً في مغازلة عقول ومخاوف الجمهور الدفينة والتربع على عرش شباك التذاكر في الوقت نفسه.

حقق الفيلم 3 ملايين فقط طوال فترة عرضه وهو رقم هزيل مقارنة بباقي أفلامه.

لكن الفيلم وجد طريقه لاحقاً إلى جذب اهتمام الجمهور، ليصير الآن واحداً من الأفلام التي يتعلم منها صناع السينما كيف يرسمون شخصية زاخرة بالأبعاد النفسية التي تتداخل مع مخاوفنا الخفية.


Once Upon A Time in America.. الفيلم الذي قضى على صاحبه!






بعد عقدين رائعين صار فيهما المخرج الإيطالي سيرجيو ليوني في أوج شهرته الطاغية، بعد أن اقتحم هوليوود بثلاثية الدولارات التي أبهرت صناع السينما وأعادت لأفلام الغرب الأميركي الحياة، خاصة بعد النجاح المدويّ الذي صنعه مسك ختام الثلاثية الطيب والشرس والقبيح من بطولة كلينت ايستوود، إضافةً إلى ما كان أشبه بتتمتها حدث ذات مرة في الغرب من بطولة هنري فوندا.

بدا حينها للجميع أن ليوني اختار طريقه لقلوب المشاهدين والذي يضمن به شعبية لن ينافسه فيها أحد، حتى إنه عُرض عليه تولي تحويل رواية ماريو بوزو "الأب الروحي" إلى فيلم فرفض، فظن الجميع حينها أنه يستعد لفيلم آخر تدور أجواؤه أيضاً بالجنوب الأميركي كما اعتاد، لكن ليوني كان قد اتّخذ قراراً أخذ من عمره 12 عاماً حتى أوشك الجمهور أن ينساه.

اتجه ليوني ناحية الساحل الشرقي ليخرج رائعة سينمائية مستوحاة من رواية سيرة ذاتية عام 1984، عن عصابة كوّنها حفنة من الشباب بالحيّ اليهوديّ في مانهاتن، جمعتهم في صداقة طويلة عقوداً حتى نال منهم الشيب وأصبحوا رجال أعمال ذائعي الصيت. الفيلم من بطولة روبرت دي نيرو وجيمس وودز، وشهد أول ظهور لجنيفر كونلي.

كلّفه الفيلم ما يقرب من 30 مليون دولار، ليخرج في النهاية بفيلم تجاوزت مدته الثلاث ساعات ونصف الساعة، نال به ثناءً نقدياً كبيراً حينما عُرض بمهرجان كان، لكنه سقط بشكل مدوٍّ في شباك التذاكر ولم يحقق أكثر من 5 ملايين فقط حين قرر موّزعو الفيلم بأميركا أن يقتصوا من أحداثه ساعة ونصف كاملة جعلت الفيلم يبدو مبتوراً وغير مترابط الأحداث، الأمر الذي أثار حنق ليوني الذي توقف عن الإخراج بعد أن أتعبه المجهود الذي بذله في حلمه السينمائي الأعظم ليصوغ به وصيته الفنية الأخيرة، وتوفّي في صمت بعدها بـ5 سنوات إثر أزمة قلبية.


The Shawshank Redemption.. أبداً لا تفقد الأمل


في عام زاخر بالعديد من الأفلام القوية فنياً والناجحة جماهيرياً؛ إذ شهد عام 1994 أفلاماً بحجم Forrest Gump و Pulp Fiction وLeon، ظهر على الهامش فيلم لمخرج يخوض تجربته السينمائية الطويلة الأولى، وهو الفرنسيّ فرانك درابونت الذي لم يكن أخرج قبلها إلا بضعة أفلام قصيرة وفيلم تليفزيوني.

رفض توم هانكس بطولة هذا الفيلم ليتفرّغ لفورست الذي أهله للحصول على ثاني أوسكار له على التوالي، ليحلّ محلّه الممثل الأقل منه شهرة تيم روبنز، ليقوم بدور محاسب بنكيّ ناجح يُسجن بسبب جريمة قتل لزوجته وعشيقها، ويقابل في السجن مجتمعاً ذا تركيبة غريبة عليه من القتلة والمحتالين، لكنه يندمج معهم بسرعة؛ بل يحوز شعبية كبيرة عندما يتسبب في خوضهم تجربة فريدة مكّنهم فيها من أن يذهبوا بعيداً عن أسوار السجن، ليشعروا لأول مرة من فترة طويلة بالحرية.

الغريب أن فيلم "الخلاص من شاوشنك"، المقتبس من رواية لكاتب الرعب الشهير ستيفن كينغ، لم يحقق المرجو منه في شباك التذاكر، فلم تتخطَّ إيراداته 16 مليون دولار في 10 أسابيع رغم أن ميزانيته تخطت 25 مليوناً، وعلى الرغم من ذلك فقد نال ثناءً نقدياً ملحوظاً بالإضافة إلى 7 ترشيحات للأوسكار.

لكن قد يزول الاستغراب عندما نعلم أنه اصطدم في أول أيام عرضه بفيلم لشاب مهووس يدعى كوينتن تارنتينو وهو Pulp Fiction، وقد أقبل عليه الجمهور متسائلين: ما الذي يجعل فيلم عصابات كوميدياً ينال جائزة راقية بحجم سعفة كان الذهبية؟!

لكن، ما لبث فيلم "الخلاص من شاوشنك" أن حاز شعبية جماهيرية هائلة فور نزول نسخة الفيديو منه في العام التالي، ليخلّد صوت مورجان فريمان كأحد أفضل الرواة في السينما، ويتربع الفيلم على رأس قوائم أفضل أفلام العِقد ويصبح حالياً الفيلم صاحب التصنيف رقم 1 باختيار الجمهور بحسب موقع IMDb.


Fight Club.. توقعات خائبة تصنع كلاسيكية معاصرة










63 مليوناً تحت تصرّف مخرج واعد اسمه ديفيد فينشر، وبطل شاب براد بيت تلمّس طريق الشهرة مبكراً، والبطل الآخر الذي سيكون راوي الفيلم إدوارد نورتون الذي ترشّح للأوسكار عن دوره الثاني بفيلم Primal Fear، كل هؤلاء اجتمعوا معاً؛ لتحويل رواية حققت نجاحاً هائلاً للأديب تشاك بولانيك إلى فيلم رغم أجوائها الغريبة التي تدور حول بشر قرروا إطلاق العنان لوحشيتهم من خلال نادٍ أسبوعيّ يتصارعون فيه حتى تسيل منهم دماء الخلاص، وبطل يستقيظ في أماكن غريبة لا يدري كيف وصل إليها حتى يجد نفسه تدريجياً صار قائداً لما يشبه التنظيم السريّ الذي سيعيد تشكيل اقتصاد أميركا بالكامل.

رغم كل هذه المقوّمات المبشرة، استقبل الجمهور فيلم "نادي القتال" في أكتوبر/تشرين الأول من عام 1999 بفتورٍ بالغٍ، جعل الفيلم يتصدّر قوائم أكبر إخفاقات العام، بـ37 مليوناً فقط طوال مدة عرضه.

كان الفيلم صاحب جرعة فكرية ثقيلة لم يستسغها المتفرجون، رغم أجوائه القتالية التي قد تجذب عيون الشباب منهم لأول وهلة.

لكن، ما حدث بعد ذلك هو المفاجأة الكبرى حين طُرح الفيلم على أقراص ديفيدي؛ حيث بيعت منه 6 ملايين نسخة بالولايات المتحدة وحدها، تزامناً مع نجاحه الساحق بدور السينما حول العالم والذي وصل إلى ضعف ما جناه الفيلم داخل أميركا، مما جعله يتخطى الـ100 مليون دولار كإيرادات تصاعدية، الأمر الذي جعله يتحول لاحقاً إلى ما يشبه الهوس الشعبيّ العارم والذي قلّده الشباب كثيراً وقتها، وهم بالمناسبة لم ينتبهوا إليه إلا متأخراً؛ لأن رائعة أخرى نجحت في إزاحته بعيداً وقتها وحازت إعجاب الجميع، وهي فيلم The Matrix صاحب البعد الفلسفيّ المغلف بإبهار بصريّ وتقنيات جديدة صنعت شهرة الأخوين واتشوسكي حينها.