العدالة الواقفة بمصر في الحبس.. مطالب بـ"عفو رئاسي" عن محامي المنيا

تم النشر: تم التحديث:
ASF
sm

"الحل الوحيد هو إصدار السيسي لعفو رئاسي عن محامي المنيا التسعة، والإضراب أداة ضغط، ولكنني لو أضربت عن العمل لن يتركني أهالي الموكلين".

هكذا عبَّر أحد المحامين الذين لم يقتنعوا بجدوى قرار النقابة العامة للمحامين في مصر، بالإضراب عن الحضور أمام محاكم الجنايات على مستوى الجمهورية، اعتراضاً على صدور حكم من محكمة جنايات المنيا بسجن 9 محامين، 5 سنوات بتهمة إهانة قاض.

وأشار إلى أن الإضراب عن العمل رفاهية لا يمتلكها كثير من المحامين بسبب الظروف الاقتصادية من جهة، وخطورة بعض القضايا التي يتولون الدفاع فيها من جهة أخرى.

في المقابل، قال مجدي سخا، وكيل النقابة العامة للمحامين في مصر لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن إضراباً عن العمل تم تنفيذه لمدة يوم، احتجاجاً على الحكم، نجح في غالبية نقابات المحامين في محاكم الجنايات على مستوى الجمهورية، وانتهى يوم أمس السبت.

وبدأت النقابة من اليوم، الأحد 19 مارس/آذار 2017، اتخاذ الإجراءات القانونية لوقف تنفيذ الحكم، بتقديم إشكال والتماس إعادة النظر أمام المحكمة نفسها التي أصدرت الحكم، يوم الأحد 12 مارس/آذار الماضي، فضلاً عن تقديم طعن أمام محكمة النقض لإلغاء الحكم.


ماذا حدث في المنيا؟


ترجع أحداث القضية التي سجن في إثرها 7 محامين من محافظة المنيا إلى 12 مارس/آذار من عام 2013، حيث وقعت مشادة كلامية بين رئيس بمحكمة جنايات المنيا "المستشار أحمد فتحي"، وعدد من المحامين المترافعين أمامه في قضايا مختلفة، بسبب تعنت القاضي في سماع مرافعاتهم، وعدم السماح لهم بتقديم طلبات الدفاع، فاعترض أغلب المحامين المتواجدين بالمحكمة على أداء القاضي، وتجمهروا وأغلقوا باب المحكمة، ومنعوا القاضي من استئناف الجلسة.

وفي إثر ذلك حرَّر القاضي بلاغاً أمام نيابة شمال المنيا في اليوم التالي، أحالت بعده 22 محامياً، من بينهم نقيب محامي المنيا إلى محكمة الجنايات، بتهمة إهانة قاضٍ ومنعه من ممارسة عمله.

وفي أغسطس/آب 2015، أصدرت محكمة مصرية حكماً بالسجن 25 سنة على ثمانية محامين منهم، والحبس 3 سنوات لمحامٍ واحد، وبراءة 13 آخرين.

استأنف المحامون على الحكم أمام محكمة الجنايات نفسها، فأصدرت حكماً يوم الأحد الماضي، بتخفيف العقوبة من المؤبد إلى السجن 5 سنوات بحق 9 محامين، 7 منهم حضورياً، و2 غيابياً، رغم قبول القاضي صاحب البلاغ التصالح وإعلانه التنازل عن القضية أمام المحكمة قبل النطق بالحكم.


سر النزاع بين القضاة والمحامين


"وكيل النيابة أصغر مني سناً يقول لي لو شفتك في النيابة هاحبسك"، هكذا تصف المحامية نهلة عبد العزيز الوضع المتوتر بين المحامين والقضاة، مضيفة لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن "طلبة كلية الحقوق الذين يسعدهم حظهم بالتعيين في الهيئات القضائية يلقبون بالباشا والبيه، وهو ما يفرض على تعاملاتهم مع المواطنين بشكل عام والمحامين بشكل خاص نوعاً من الاستعلاء".

ويرى المحامون على الجانب الآخر أن وكيل النيابة أو القاضي ليس أكثر منهم دراية بالقانون، معتبرة أن وجود قانون رادع يلزم بتسجيل كل ما يقال على لسان القاضي والمحامي فور بدء التحقيق في أي قضية كافٍ لمنع تجاوز أي منهما في حق الآخر.

" الإضراب حل جيد، ولكن ليس كافياً"، هذا ما يراه طارق نجيدة المحامي بالنقض، الذي يقول لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن هناك "تعسفاً قضائياً ضد المحامين، وصل إلى حد القسوة، ما يؤكد بحسب نجيدة أن السلطة القضائية الآن "تمارس نوعاً من السحق لجناح العدالة، الذي قرر له الدستور مكانة توازي مكانة السلطة القضائية".

ويضيف أن نقابة المحامين ليس أمامها إلا طريق التسوية الودية، وهي الطريقة التي اتبعت في كل الأزمات السابقة، وهي تسوية مؤقتة دون حلول قاطعة تضمن عدم تكرار التعدي على المحامين.

"والطريق الثاني هو المواجهة، وهو ما أحسنت نقابة المحامين صنعاً باتباعه بقرارها بالإضراب، ولكنه غير كافٍ لأن السلطة القضائية لن تأخذه بعين الاعتبار، إلا إذا تبعه استمرار في التصعيد. فلا يكفي أن يضرب المحامون يوماً واحداً، وإنما عليهم أن يستمروا في الإضراب حتى يتم الإفراج عن المحامين المحبوسين"، حسبما يرى نجيدة.

وينص الدستور في المادة 198 على أن "المحاماة مهنة حرة، تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة وسيادة القانون وكفالة حق الدفاع، ويمارسها المحامي مستقلاً، ويتمتع المحامون بما كفله القانون لهم من ضمانات أثناء تأديتهم حق الدفاع أمام المحاكم، مع سريان ذلك أمام جهات التحقيق والاستدلال، بكافة الضمانات والحماية القانونية.

ويحظر في غير حالات التلبس القبض على المحامى أو احتجازه أثناء مباشرته حق الدفاع، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون".


الإضراب ليس كافياً


"هي محاولة لحفظ ماء وجه نقيب المحامين"، هكذا يصف المحامي علي أيوب قرار نقيب المحامين سامح عاشور بالدعوة إلى إضراب كلي للمحامين عن الحضور أمام محاكم الجنايات.

ويضيف لـ "هافينغتون بوست عربي"، أنه طالما استمر عاشور نقيباً للمحامين، فسيظل المحامون معرضين للحبس، "فنقيب المحامين كان أحد الأسباب التي أدت إلى إدانة محامي المنيا، خاصة أنه حضر كممثل عنهم أمام المحكمة".

وزاد: "بدلاً من أن يستعرض الاتهامات الموجهة لهم سواء بالتجمهر أو بإهانة القاضي أو بتعطيل مرفق العدالة وغيرها من التهم الفضفاضة، قصر دفاعه على إثبات تنازل القاضي أحمد فتحي عن القضية، وكأنه يؤكد التهم الموجهة للمحامين، وهو ما أدى إلى عدم اعتداد المحكمة بتنازل القاضي".

ولفت أيوب إلى أن جوهر النزاع المستمر منذ سنوات طويلة بين القضاة والمحامين ينحصر في سلطات القاضي المطلقة، في توجيه تهم فضفاضة إلى المحامين، وتعاون ضباط وزارة الداخلية المسؤولين عن تأمين المحاكم مع القضاة لإثبات تلك التهم على المحامين. وتابع أيوب قائلاً: "منذ صدور الحكم بحبس محامي المنيا وحتى الآن، لم تكشف محكمة الجنايات عن التهم التي ثبت ارتكاب المحامين لها وعاقبتهم بسببها بالسجن 5 سنوات".


الإضراب نجح


"الإضراب حقق أهدافه"، حسبما يقول وكيل نقابة المحامين مجدي سخا، موضحاً أن الإضراب نجح في كشف حالة الغضب العامة التي تنتاب المحامين بسبب حبس زملائهم، مضيفاً أن النقابة تعرف أنه لا سبيل لإلغاء حكم سجن المحامين سوى باتباع الإجراءات القانونية للطعن على الحكم، ولكن ما يهمها في المقام الأول هو التأكيد على أن المحامين لن يقبلوا بتلفيق التهم، "القاعدة العامة أن أي جريمة لها أركان. أما أن يتهم أي قاضٍ محامياً بالزور ويؤخذ كلامه كقرآن فهذا غير مقبول".


ماذا بعد حبس محامي المنيا؟


"عفو رئاسي هو الحل".. هذا ما يراه فريق من المحامين مثل المحامي أيمن رمضان، الذي قال إن الأزمة لن يحلها إلا إصدار الرئيس عبد الفتاح السيسي عفواً رئاسياً عن المحامين، تعفيهم من العقوبة التي قضت بها محكمة جنايات المنيا، لافتاً إلى أن هناك محامين آخرين ينتظرون أحكاماً أخرى بالسجن خلال شهر مارس/آذار الجاري، في وقائع مشابهة في مدينة مغاغة في المنيا بصعيد مصر، وفي مركز أبو كبير بمحافظة الشرقية، مضيفاً "إن لم يتدخل الرئيس لنزع فتيل الأزمة سيزج بنا في السجون".

ومن المقرر أن تصدر محكمة جنايات المنيا حكماً في قضية مشابهة ترجع أحداثها إلى عام 2013، حيث التزم المحامون في مدينة مغاغة بقرار النقابة العامة للمحامين وقتها، بتنظيم إضراب في جميع المحاكم اعتراضاً على تعديل قانون السلطة القضائية، بما يسمح بالمساواة بين المحامين والمحضرين، وهو ما وجهت محكمة استئناف بنى سويف في إثره تهم الإضراب والتظاهر والتعدي وتعطيل العمل بمنشأة قضائية، وتعطيل العمل بمحكمة مغاغة لـ20 محامياً، ومن المقرر أن تصدر المحكمة حكماً ضدهم في نهاية شهر مارس/آذار الجاري.

ومن المقرر أيضاً أن تصدر محكمة الجنايات، قبل نهاية مارس/آذار 2017، حكمها ضد 10 محامين، وجهت لهم محكمة الجنايات تهمة إهانة قاض، في واقعة ترجع أحداثها إلى أول يونيو/حزيران الماضي، حيث نشبت مشادة بين موظف بالمحكمة ومحام، ذهب بعدها المحامي للقاء وكيل النيابة للفصل بينهما، فقام بطرده، ما أثار غضب المحامين، الذين اعتصموا بمحكمة أبو كبير بمحافظة الشرقية، اعتراضاً على تصرف القاضي، وهو ما تبعه القبض على المحامين وتوجيه تهم الاشتراك مع مجهولين في تجمهر مؤلف من أكثر من 5 أشخاص.

واتهمهم القاضي بكون التجمهر لغرض تنفيذ فعل إجرامي هو احتجاز أعضاء نيابة أبوكبير الشرقية، ومنعهم من مغادرة النيابة لمدة 5 ساعات متواصلة، واستعمال العنف وتهديد موظفين عموميين لمنعهم عن أداء عملهم، وبعد مفاوضات أخلت النيابة سبيل المحامين على ذمة القضية، وأحالتهم إلى محكمة جنايات الزقازيق، التي من المقرر أن تصدر حكمها قبل نهاية شهر مارس/آذار.

وكان الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك قد تدخل، في يونيو/حزيران 2010، لإنهاء أزمة مشابهة بين السلطة القضائية والمحامين، بدأت في مدينة طنطا غرب القاهرة، بمحاولة محام دخول مكتب وكيل النائب العام بالمحافظة بالقوة، بعد أن ظل واقفاً أمامه لساعات، ليرد وكيل النائب العام بصفع المحامي على وجهه، قبل أن يتدخل زميل المحامي ويصفع وكيل النيابة، وانتهى الأمر بإصدار محكمة الجنايات حكماً على المحامين بالسجن لمدة خمس سنوات، لترد النقابة العامة للمحامين بالدعوة إلى إضراب في كل الدوائر لحين الإفراج عن زملائهم، بالتزامن مع تصعيد من رئيس نادي القضاة وقتها، أحمد الزند، ووصفه للمهنة بأنها عبء على مصر، ولن تنجو الدولة إلا بتدميرها.