اتهامات لأميركا بقتل مدنيين سوريين في مسجدٍ زعمت أنهم من القاعدة.. طائرةٌ من دون طيَّار ارتكبت المذبحة

تم النشر: تم التحديث:
ALEPPO
Anadolu Agency via Getty Images

قصفت طائرة أميركية بدون طيار قرية في ريف حلب شمال يوم الخميس الماضي الموافق 16 مارس/آذار، مستخدمةً صواريخ وقنبلةً تزن 500 رطل، وقال البنتاغون إن "الهجوم أدى إلى مقتل عددٍ كبيرٍ من مسلحي تنظيم القاعدة"، فيما قال السكان المحليون إنه هجوم على مسجد مكتظ بالمدنيين.

وتحدث مسؤولون أميركيون إن "الهجوم على قرية الجينة أدى إلى مقتل عشرات المسلحين خلال اجتماع للتنظيم الإرهابي". غير أن نشطاء محليين والمرصد السوري لحقوق الإنسان أفادوا بمقتل ما لا يقل عن 46 شخصاً، كما دُفن عددٌ أكبر من الأشخاص تحت الأنقاض عندما استهدف الهجوم مسجداً خلال تجمعٍ ديني.

ووصف المرصد السوري وهو منظمة رقابية متمركزة في بريطانيا، المشهد في قرية الجينة بـ"المذبحة"، وأفاد بأن معظم القتلى مدنيون. وتظهر صور من المنطقة رجال الإنقاذ وهم يخرجون جثثاً مشوهةً من بين الركام والحطام.

وقال محمد الشغال، وهو صحفي وصل إلى مسرح الحدث بعد الهجوم بوقتٍ قصيرٍ: "إن المكان ممتلئ بالجثث" وأضاف بأن المسجد قد دُمِّر.

وتأتي الضربة الجوية المثيرة للجدل في وقت تخطط فيه إدارة ترامب إلى توسيع تواجد قواتها العسكرية في سوريا، ضمن جهودها لتعزيز عمليات مكافحة الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط وبعد أسابيع من تنفيذ عمليةٍ عسكرية أميركية ضد "تنظيم القاعدة" في اليمن، أدت إلى سقوط قتلى بين المدنيين.

ويأتي أيضاً الهجوم الجوي الأخير بينما يدرس البيت الأبيض خيار إلغاء القرارات التي أصدرتها إدارة أوباما والتي كانت تهدف إلى تجنب سقوط ضحايا بين المدنيين خلال العمليات العسكرية، ما يعد إشارةً أخرى على تبني الرئيس الحالي دونالد ترامب منهجاً أكثر تشدداً في تعامله مع التهديدات الإرهابية الخارجية.

aleppo

وإذا ما تأكدت الأنباء الأخيرة، سيصبح قتل المدنيين يوم الخميس الماضي واحداً من بين أسوأ حوادث القتل الخطأ، التي تُتهم بها الولايات المتحدة الأميركية منذ بدء حملتها الجوية في العراق وسوريا منذ أكثر من عامين. وقد أنكر مسؤولون في البنتاغون وجود أي مزاعم موثوق بها بشأن سقوط ضحايا بين المدنيين خلال الهجوم لكنهم سيبدأون في التحقيق حول الأمر إذا ما ظهرت أدلة يُعتمد عليها.

وبينما تستهدف الحملة الجوية الأميركية القائمة، غالباً، تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في سوريا، يطلق الجيش الأميركي أيضاً حملة عسكرية موازية ضد ما يصفه بتنامي نفوذ تنظيم القاعدة هناك.

وشنت الطائرات الأميركية هجمات على عشرات المواقع في شمال غرب سوريا، حيث أصبحت جبهة "تحرير الشام" هي القوة الصاعدة هناك. وتعد المنطقة أيضاً موطناً للعديد من جماعات المعارضة المسلحة المتورطة في الحرب الأهلية الدائرة في سوريا.

ووصف سكان قرية الجينة حدوث انفجارات ضخمة ليلة الخميس الماضي، والتي هزّت الأرض ودفعت المدنيين إلى الهرب من بيوتهم في ذهول وهم ينزفون. وأفاد ثلاثة مدنيين بتجمّع ما لا يقل عن 200 شخص في المسجد وفي مبنى مجاور له لتلقي التعاليم الدينية خلال وقت الهجوم.

وأكد التصوير الجوي تعرض غالبية الجزء الشمالي من المسجد للتدمير، لكن لم يتضح بعد ما إذا كان القصف يستهدف المسجد بشكلٍ مباشر.

aleppo

وقال النقيب البحري والمتحدث باسم البنتاغون جيف ديفيس للمراسلين إن القذائف الأميركية أصابت "قاعة تجمعات غير مشيدة بالكامل"، والتي كان يستخدمها مقاتلو "تنظيم القاعدة" للتجمع وأضاف بأنه كان يوجد مسجدٌ بالقرب من هذه القاعة لكنه لم يُضرب أثناء الهجوم.

وأكد مسؤول أميركي آخر، والذي تحدث بشرط عدم الإفصاح عن اسمه لأنه غير مُصرح له بالتحدث علناً حول الأمر، أن الضربة الجوية كانت مبنية على معلومات استخباراتية موثّقة. وأضاف بأن المسلحين كانوا متجمعين لمناقشة عمليات مستقبلية.

وقال إريك باهون، متحدث آخر باسم البنتاغون، إن المقاتلين استخدموا المبنى، المُشيد نصفه فقط، كمكان لـ"تعليم وتلقين المقاتلين تعاليم وأفكار تنظيم القاعدة".

وقال مسؤول أميركي إنه اُستخدم خلال الهجوم طائرتان بدون طيار من طراز "ريبر"، والتي أطلقت أكثر من أربعة صواريخ "هيلفاير" وأسقطت قنبلةً موجهةً، وزنها 500 رطل،
خلال ضربةٍ جوية لاحقة.

وقال محمد شكرودي، ناشط محلي، إن الهجوم الأخير حدث بينما كان يهرع الناس خارج المسجد وأضاف: "كانوا يركضون بينما يسقط الصاروخ الرابع".

كان يُعتقد بأن المسجد يقطنه العديد من العائلات النازحة من مدينة حلب المجاورة، والتي سوّت قوات النظام السوري أغلب مناطقها بالأرض خلال حملةٍ عسكرية ممتدة لاستعادة الجزء الشرقي للمدينة من قوى المعارضة.

وقال كريس وودز، مدير منظمة "إيروورز" (الحروب الجوية) وهي مجموعة متمركزة في بريطانيا وتحاول تتبع مزاعم سقوط ضحايا مدنيين خلال الحرب على تنظيم "داعش" والتحقق منها: "سواء كانت الطائرات بدون طيار الأميركية قد استهدفت مسجد الجينة بشكلٍ مباشرٍ مثلما يدعي البعض أو ضُرب المسجد بطريق الخطأ خلال الهجوم الجوي الأميركي على منطقةٍ مجاورة له، لقد سقط عددٌ كبير من المدنيين في كلتا الحالتين، وفقاً لهيئة الدفاع المدني السورية (الخوذ البيضاء) والإعلام المحلي والجماعات المراقبة لضحايا الحرب".

وقالت المنظمة إن وتيرة سقوط قتلى بين المدنيين، بسبب القصف الجوي لقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأميركية بالإضافة إلى العمليات العسكرية الأميركية المنفردة، قد
تزايدت بصورة هائلة في سوريا والعراق.

وقال وودز: "إن تحجيم الأضرارِ التي تلحق بالأشخاص غير المتورطين في القتال خلال المعركة الدائرة يجب أن يظل أولويةً رئيسية وليس مجرد فكرةً هامشية لاحقة".

وبينما يؤكد الجيش الأميركي على تجنب سقوط قتلى بين المدنيين منذ بدء عملياته العسكرية ضد تنظيم "داعش"، فإنه اعترف بسقوط ضحايا مدنيين بما لا يقل عن 200 شخص منذ 2014.

aleppo

وحالياً، يدرس مسؤولون أميركيون إمكانية إلغاء القواعد، التي أصدرها الرئيس السابق باراك أوباما والتي تهدف إلى خضوع الضربات الجوية المكافحة للإرهاب إلى فحصٍ مشدد من قبل البيت الأبيض وتُتطالب الولايات بضرورة توافر "معلومات شبه مؤكدة" بأن الضربات الجوية خارج مناطق الحرب لن تقتل مدنيين.

وسيعيد التغيّر المُقترح جزءاً كبيراً من سلطة اتخاذ القرار إلى وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية "السي آي إيه"، لكن نشطاء يقولون بأن التغيّر سيتسبب أيضاً في تهميش دور الأشخاص الموجودين في الدول التي تعاني من مشكلات مكافحة الإرهاب وسيخلق المزيد من المخاطر التي تهدد الأمن القومي على المدى الطويل.

ولم يتضح بعد ما إذا كان قصف الجينة قد تأثر بأي تغيّر في هذه القواعد.

وبعد مضي ست سنوات على اندلاع الثورة السورية، لا يبدو أن أياً من الفصائل المتصارعة، سواءاً كانت الحكومة المدعومة من روسيا وإيران، أو القوى المعارضة المعتدلة والصغيرة المدعومة من الولايات المتحدة، أو الجماعات المسلحة العديدة الأخرى، تمتلك فرصاً واضحة لتحقيق النصر.

باتت المناطق الشمالية الغربية لمحافظة إدلب ومدينة حلب موطناً لمئات الآلاف من المدنيين النازحين بسبب القتال الدائر بين القوات الموالية لرئيس النظام بشار الأسد وجماعات المعارضة المسلّحة الموجود على طول الشريط الحدودي للبلاد بمحاذاة تركيا.

وبالإضافة إلى الهجمات الجوية الأميركية، يُنفذ كل من السلاح الجوي التابع للنظام والآخر التابع لروسيا العديد من العمليات في المنطقة، ما حوّل ساحة المعركة إلى نموذجٍ مصغرٍ للصراعاتِ الجيوسياسية، التي باتت تُعرف الحرب السورية طويلة الأمد.

وسمح استمرار الصراع المسلح لجبهة "تحرير الشام"، التي تمتلك صلات قوية بـ"تنظيم القاعدة"، بلعب دورٍ أكبر في الحرب.

ويُعتقد بأن توسيع نشاط الحملة العسكرية الأميركية ضد القاعدة قد بث الرعب في صفوف التنظيم. وكان الرجل الثاني في قيادة التنظيم أبو الخير المصري قد قُتل في هجومٍ جويٍ على سيارته بنهاية فبراير/شباط الماضي. وقالت القيادة المركزية الأميركية إن غارةً جوية منفصلة على معسكر تدريب لتنظيم القاعدة قد تسببت في مقتل أكثر من 100 مسلح في يناير/كانون الثاني الماضي.

وقال نشطاء وصحفيون في شمال شرق سوريا إن التنظيم بات أكثر حذراً بشأن التواجد في تجمعات كبيرة، مثل التجمعات التي ذكر الجيش الأميركي حدوثها يوم الخميس الماضي في قرية الجينة. ويفضل أعضاء "تنظيم القاعدة" السفر باستخدام الدراجات النارية بدلاً من السيارات وبدون ذكر معلوماتٍ عن خطط تحركاتهم مسبقاً.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.