"ترامب لا يمسك لسانه".. تصريحات الرئيس الأميركي تضع أعضاء إدارته في مشكلة، فهل يستغلها القضاء ضده؟

تم النشر: تم التحديث:
TRUMP
Anadolu Agency via Getty Images

أوقف قاض اتحادي في ولاية هاواي ثاني محاولة من الإدارة الأميركية لفرض حظر سفر على مواطنين من بلدان متهمة بتصدير الإرهاب، وألقى باللائمة مباشرة على الرئيس ترامب ومستشاريه، معتبراً أن الهدف من هذه السياسة هو منع المسلمين من دخول أراضي الولايات المتحدة.


تصريحات نارية


لو تعلق الأمر بمسؤول سياسي آخر ربما كان سيكتفي بالإعراب عن خيبة أمله وينتهي الأمر برمته، لكن بالنسبة لترامب، الأمر مختلف، تقول الواشنطن بوست، بحيث لم تمر ساعة واحدة، حتى انتهز ترامب فرصة تجمع حاشد انعقد ليلة الأربعاء في ناشفيل، ليطلق العنان لتصريحاته النارية بشأن ما وصفه بـ"الحكم الرهيب"، مما زاد من حدة التشنج المتفاقم والعصف بالشأن السياسي المتضرر في المقام الأول.

صرخ ترامب أثناء التجمع قائلاً: "إن المرسوم الذي تم تعطيله هذه المرة هو عبارة عن صيغة مخففة من المرسوم الأول" مضيفاً "دعوني أقول لكم شيئاً، أعتقد أنه يتعين علينا العودة إلى المرسوم الأول والنظر في الأمر برمته".

لم تكن هذه الفورة سوى واحدة من جملة تصريحات ترامب ومستشاريه ومزاعمهم النارية التي لا تقوم على أي أساس، دون اكتراثهم لمعارضة القضاة الفيدراليين وكبار المشرعين من كلا الحزبين وتفنيدهم لمثل هذه المزاعم.

وفي يوم الخميس –لليوم الثاني عشر على التوالي– استمر البيت الأبيض في دفاعه عن مزاعم ترامب غير المؤسسة التي تدعي بأن سلفه، باراك أوباما، كان قد أمر بالتنصت على مكاتب ترامب في نيويورك خلال حملة الانتخابات الرئاسية، رغم موجة التصريحات المتعاظمة الصادرة عن مسؤولي الاستخبارات وأعضاء الكونغرس، التي تنفي كلها وقوع مثل هذا الأمر.


تصريحات مثيرة للجدل


وعلى غرار ذلك جاء في تصريح رئيسي لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، يوم الخميس، في بيان لهما: "بناء على المعلومات المتوفرة لدينا، ليس هناك أي مؤشرات تدل على أن برج ترامب تعرض لعملية مراقبة من قبل أي عنصر من عناصر حكومة الولايات المتحدة، سواء قبل يوم انتخابات 2016 أو بعده"، في حين قال شون سبيسر، السكرتير الصحفي بالبيت الأبيض، بشأن تصريح ترامب الأصلي: "إنه متمسك به".

يقول أنصار ترامب أن خطابه الطليق والصريح، سواء في تصريحاته العلنية أو المعبر عنه في وسائل التواصل الاجتماعية، يفسر إلى حد كبير سر جاذبيته ورسوخ مكانته وسط قاعدته السياسية، لكنه في الوقت نفسه يجعل مسألة الحكم أكثر صعوبة.

تعهد ترامب في الأسابيع الأخيرة بتوفير "التأمين للجميع" بتكلفة أقل، مما عقد المهمة وجعلها مستحيلة بالنسبة للجمهوريين في الكونغرس المنهمكين حالياً في محاولتهم لصياغة
مشروع قانون يقلص من حيز قانون أوباما الخاص بالرعاية الصحية.

وقد بعث ترامب إشارات متضاربة بشأن ما إذا كان يدعم "تعديل ضريبة الحدود"، الذي يشكل عنصراً أساسياً في الجهود الرامية إلى خفض الضرائب التي أحدثت شرخاً وسط الجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ الذين يتوقون لإرشاد ترامب.

إلى جانب ذلك، أجبرت تصريحات الرئيس المتكررة حول إعجابه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، سفير بلاده لدى الأمم المتحدة ووزير خارجيته على طمأنة الحلفاء، من خلال استخدامهما خطاب أكثر صرامة وانتقاد ضد عدو يؤاخذ عليه تدخله في الانتخابات الأميركية العام الماضي.


الضرر الأكبر من تصريحات ترامب


تسببت مزاعم ترامب التي نشرها على تويتر -دون ذكر أي دليل– حول اتهامه أوباما بالتنصت على برج ترامب العام الماضي، في التشويش على موارد التحريات في الكونغرس وتقويض مصداقيته بين قادة الحزب الجمهوري، الذين يُعتمد عليهم في تنفيذ جدول الأعمال الطموح للرئيس.

رغم كل ذلك، قد يكون أكبر ضرر من نوعه، أحدثته تصريحات ترامب، هو عند محاولاته إنفاذ حظر السفر – وما تلاه من تصريحات نارية خلال التجمع الحاشد في ناشفيل.
وكان ترامب قد أثار جدلاً ملتهباً خلال الحملة الانتخابية عندما دعا لفرض حظر مؤقت على جميع المسلمين الأجانب من دخول الولايات المتحدة، ثم تحوّل فيما بعد ليطلق تعهدات مبهمة ترمي إلى منع الأشخاص المنحدرين من البلدان التي لديها تاريخ من الإرهاب.

قال ستيفن ييل- لوهر، وهو أستاذ في قانون الهجرة في كلية الحقوق في جامعة كورنيل "أنا واثق من أن المعارضين سيستخدمون تصريحات الرئيس التي أدلى بها الليلة الماضية كدليل آخر على أن القصد الحقيقي من الأمر التنفيذي هو منع هجرة المسلمين إلى الولايات المتحدة".

استدل القضاة، لدى إصدارهم الأحكام التي توقف محاولات حظر السفر، الأولى والثانية، بتصريحات ترامب ومستشاريه المقربين كدليل على نية الإدارة الأميركية لاستهداف المسلمين بطريقة لا تتفق مع الدستور - حتى وإن أصر محامو ترامب على أن الأمر ليس كذلك.

وكان من شأن الصيغة المخففة من الحظر الصادرة يوم الأربعاء أن تمنع مؤقتاً إصدار تأشيرات جديدة لمواطنين من ستة بلدان ذات أغلبية مسلمة، وتعليق قبول دخول اللاجئين الجدد. وفي وقت مبكر من يوم الخميس، أصدر قاض اتحادي في ولاية ماريلاند أمراً قضائياً ثانياً ضد هذا الإجراء، يقضي بتعليق الجزء الذي يوقف إصدار تأشيرات دخول فحسب.

وبينما يقول بعض الخبراء القانونيين أنه لا يزال أمام ترامب فرصة قوية لتكون له الغلبة في المحكمة العليا، بناء على ما يملكه من صلاحيات تنفيذية، فقد تساءل آخرون ما إذا كانت التعليقات الصادرة عن إدارته تجعل من المستحيل تقديم حجج مقنعة تثبت أن الحظر طابعه علماني أصلاً ولا يستهدف ديناً بعينه.

وقال مو إليثي، المدير التنفيذي لمعهد السياسة والخدمة العامة في جامعة جورج تاون، يبدو أن ترامب ومستشاريه "يعززون صحة مخاوف المحكمة، كلما أتيحت لهم الفرصة لتوضيح قضيتهم.، ويضيف إليثي الذي عمل ضمن طاقم حملة الانتخابات الرئاسية لصالح المرشحة هيلاري كلينتون لعام 2008 "يبدو أنهم لا يعرفون متى يتعين عليهم التزام الصمت".

يعود تاريخ هذه السياسة المقترحة إلى شهر ديسمبر 2015، عندما دعا ترامب بطريقة دراماتيكية خلال تجمع انتخابي إلى "منع تام وشامل للمسلمين من دخول الولايات المتحدة إلى أن يفهم ممثلو بلدنا ما الذي يجري" ولا يزال هذا التصريح متاحاً على موقع حملة ترامب.


القضاء وتصريحات إدارة ترامب


وفي وقت لاحق، أثناء الحملة، وسط تفاقم الضجة، بدأ ترامب يشير إلى الحظر كونه إجراء وقائياً يستهدف دولاً معينة وليس جماعة دينية محددة، لكنه رفض، في بعض المناسبات، الفكرة المثيرة للجدل التي تعتبر أنه طرأ تغيير في مقترح الرئيس، وتضييق من حيز مفعوله.

وقال بهذا الشأن في يوليو 2016 "في الواقع لا أعتقد أن هناك تراجعاً، بل أعتبره في الواقع توسعاً، إنني أبحث الآن عن مناطق جغرافية، نظراً لانزعاج الناس عندما استخدمت كلمة المسلمين، بما أنه لا يمكن للمرء استخدام كلمة مسلمين. . وهذا لا يزعجني، أن أتحدث عن أقاليم بدلاً من مسلمين".

وثمة أمر آخر يقوض ادعاء الإدارة ويدحض زعمها بشأن الطابع العلماني للغرض من وراء الحظر، يتمثل في ما صرح به ترامب على شبكة الإذاعة المسيحية يوم 27 يناير –قبيل مرسوم دخول الحظر الأول حيز التنفيذ– عندما قال أنه يعطي الأولوية للمسيحيين الذين يتعرضون للاضطهاد، عند النظر في مسألة قبول اللاجئين.

ولدى توقيعه هذا المرسوم قال ترامب إن "الهدف من هذا الإجراء هو حماية الوطن من دخول الإرهابيين الأجانب إلى الولايات المتحدة، وكلنا يعلم ماذا يعني ذلك"، دون أن يقدم مزيداً من التوضيح .

وفي اليوم التالي، ظهر مستشار ترمب، رودولف جولياني، على قناة فوكس نيوز وبدا كأنه يقدم تفسيراً لتصريح ترامب. قال جولياني "سأخبركم بالقصة كاملة، عندما صرح [ترامب] لأول مرة، تحدث عن "حظر المسلمين" ثم استدعاني بعدها وطلب مني إنشاء لجنة بهذا الخصوص، وأن أرشده إلى الطريق الصحيح لتحقيق ذلك بشكل قانوني".

trump

استند قاضي المحكمة المحلية الأميركية ديريك واتسون في هاواي، في قراره العنيف المتضمن في وثيقة تتألف من 43 صفحة، الصادر يوم الأربعاء، إلى تلك التعليقات وكذلك إلى الظهور الأخير لمستشار سياسي بارز في طاقم إدارة ترامب، ستيفن ميلر، على قناة فوكس نيوز، قال خلاله أن المحاولة الثانية لمرسوم الحظر سيتضمن "اختلافات تقنية طفيفة في معظمها" وسيشهد الأميركيون" نفس النتيجة السياسة الأساسية لصالح البلاد."

في تجمع ليلة الأربعاء في ناشفيل، وجه ترامب انتقاده للقاضي واتسون، موضحاً أنه لا يوجد فارق كبير بين القصد من المرسوم الأول والثاني. وقال ترامب "يُعد المرسوم الذي عطله القاضي واتسون صيغة مخففة من المرسوم الأول الذي أوقفه أيضاً قاض آخر، وما كان ينبغي له أصلاً أن يعطله".

وخلال مؤتمر صحفي عقده يوم الخميس، قال سبايسر إن الإدارة قد "صاغت" المرسوم الثاني آخذة في الاعتبار الشواغل التي أثيرت حول المرسوم الأول، وأنه واثق من أن تكون الكلمة لصالح الرئيس في نهاية المطاف، وأن التعليقات التي أدلى بها ترامب ومساعدوه، بما في ذلك التي أصدروها على تويتر "غير وثيقة الصلة" و"لا تتماشى مع الكيفية التي يفترض أن يفسر بها [القضاة] القانون."

قال ليون فريسكو، نائب مساعد المدعي العام لمكتب التقاضي الخاص بقضايا الهجرة في وزارة العدل في عهد أوباما، أن أي شيء يقوله الرئيس أو أفراد إدارته الآن من المرجح أن يصبح جزءاً من التقاضي الجاري حالياً. مضيفاً، قد يجد معارضو ترامب فيما صدر عن الرئيس نفسه من تصريحات، ومن مستشاريه المقربين، أقوى دليل لإثبات أن الرئيس قصد ازدراء المسلمين من خلال إصداره هذا الحظر، بدلاً من حماية الأمن القومي.

وأقر فريسكو بالمقابل باحتمال انتصار ترامب في نهاية المطاف أمام المحكمة العليا، وقال على وجه الخصوص، أن القاضي في هاواي لم ينظر بشكل مباشر في ما إذا كانت تعليقات ترامب ومستشاريه "تقوض بشكل قاطع قدرة الرئيس على إصدار مرسوم من هذا القبيل."

واعتبرت وزارة العدل أن تصريحات ترامب ومستشاريه لا ينبغي أخذها في الحسبان، لأنه من وجهة نظر الإدارة، يجب على المحاكم أن تنظر فقط في التصريحات الرسمية والمرسوم ذاته لتحديد الغرض منه.

قال تيموثي نفتالي، وهو مؤرخ بجامعة نيويورك، متخصص في تاريخ الرؤساء، لقد سنحت الفرصة أمام ترامب عقب انتخابه رئيساً لتحديد مسار مختلف لكنه لم يفعل. و"كان عليه، بصفته رئيساً، أن يقول لقد أخطأت عندما دعوت لحظر المسلمين من دخول الولايات المتحدة"، لكنه لم يفعل ذلك قط، ويبدو أنه يحاول الآن فعله بعناء".

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة washingtonpost.com للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.