أوروبا والمواجهة مع تركيا.. كيف يستفيد الطرفان من الأزمة المشتعلة بينهما، وإلى متى ستستمر؟

تم النشر: تم التحديث:
1
Getty Images

إذا كنا نريد فهم اللعبة التي تحاك ضد رجب طيب أردوغان، فإنه يمكن القول إن "موقف فرنسا الذي اتخذته تجاه الاستفتاء التركي هو الموقف الأكثر ذكاء"، وذلك على حد تعبير المختص في العلوم السياسية والأستاذ في "جامعة السوربون باريس1" وجامعة "قلعة السرايا" بإسطنبول، أحمد إنسيل.

في غضون الشهر القادم، وبالتحديد يوم 16 أبريل/نيسان، سيصوت الأتراك ويدلون برأيهم في الاستفتاء المتعلق بتعزيز صلاحيات الرئيس رجب طيب أردوغان. ولكن في الأسابيع الأخيرة، دخلت أنقرة في معركة كبيرة مع العديد من الدول الأوروبية، على غرار ألمانيا وهولندا بسبب رفضهم لإجراء مثل هذا الاستفتاء على أراضيهم، نظراً لأن أنقرة كانت قد هددت في السنة الماضية الاتحاد الأوروبي بإعادة النظر في اتفاقية الهجرة.

ومع مرور الوقت، تصاعدت حدة هذه التهديدات وأثارت جدلاً سياسياً كبيراً، مما أثار غضب ناخبي ومناصري أردوغان، المتواجدين خارج الأراضي التركية. وفي هذا السياق، شرح إنسيل في لقاء مع صحيفة "nouvel observateur" الفرنسية أبعاد الأزمة بين تركيا وبعض الدول الأوروبية، متوقعاً أن التوتر الحاصل بين الجانبين سيبقى حتى نهاية الاستفتاء بتركيا.

وفيما يلي نص الحوار الذي أجرته الصحيفة مع المحلل أحمد إنسيل والذي يتعامل في مجمله مع الرئيس التركي باعتباره "عدواً ماكراً وخطراً على أوروبا يجب التعامل معه ولكن بذكاء".

نوفال أوبسرفاتور: بعد إلغاء بعض اجتماعات حزبه في هولندا أو ألمانيا، ندد أردوغان "بالممارسات النازية" التي تنتهجها هذه البلدان. لكن، لماذا يصر أردوغان على إجراء هذا الاستفتاء خارج تركيا؟

أحمد إنسيل: في الحقيقة يصر الرئيس التركي على إجراء هذا الاستفتاء خارج الحدود التركية، نظراً لأنه ليس متأكداً من فوزه في الاستفتاء داخل بلاده. فضلاً عن ذلك، هناك عدد كبير من الناخبين الذين لم تعد لهم ثقة كبيرة في وعود حزب العدالة والتنمية. لذلك، يحاول أردوغان حشد دعم الناخبين الأتراك المتواجدين في الخارج خاصة وأن أصوات بضعة آلاف من شأنها أن ترجّح كفة الميزان لصالحه.

فضلاً عن ذلك، يعتبر رجب طيب أردوغان التوترات الأخيرة، التي تصاعدت في الفترة الأخيرة، لصالحه فضلاً عن أنها تساعده على إظهار نفسه "كضحية" ساهم كل من الغربيين المسيحيين والأجانب في أذيّتها.

من جانب آخر، ساهم موقف هولندا من الاستفتاء التركي في تعميق حدّة هذا الخلاف، فضلاً عن وجود اليمين المتطرف، الذي يُعرف بميولاته المعادية للإسلام. ولكن في الواقع، كلا الطّرفان مستفيدان من تعميق فجوة هذا الصراع. وفي الحقيقة، أثّر الموقف الهولندي على كل من الدنمارك وألمانيا اللتين رفضتا بدورهما السماح بإجراء الاستفتاء على أراضيها.

وكنتيجة لذلك، أعتقد أن هذه الأزمة السياسية التي تتخلل المشهد السياسي الدولي، ستتعقد أكثر وستستمرّ لبضعة أسابيع أخرى إلى حين إجراء هذا الاستفتاء.

نوفال أوبسرفاتور: تُعتبر أنقرة شريكاً إستراتيجياً للاتحاد الأوروبي، وخاصة في إدارة تدفق المهاجرين إلى أوروبا. ولكنها تهدد الآن "بإعادة النظر" في الاتفاقية التي تم إبرامها قبل سنة مع أوروبا. إذن إلى أي مدى يمكن أن تتفاقم هذه التوترات؟

أحمد إنسيل: إن الجدال مع أوروبا يعدّ بمثابة فرصة لأردوغان حتى يتمكن من الظفر بحشد قومي من حوله. من جهة أخرى، كان باستطاعة أردوغان التدخل عسكرياً في سوريا، إلا أن ذلك أصبح صعباً، نظراً للنفوذ الكبير الذي تملكه كل من روسيا والولايات المتحدة الأميركية في هذا المجال.

أما في أوروبا، تعتبر تركيا دولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ولكن في الواقع، يتم تعليق هذه المفاوضات، في كل مرة يتم فيها تناول هذا الترشح على طاولة مفاوضات الاتحاد الأوروبي. في المقابل، في حال قامت تركيا بإلغاء اتفاق الهجرة، فإن الاتحاد الأوروبي سوف يلغي كل المساعدات المزعم توجيهها إلى تركيا بين 2014 و2020. علاوة على ذلك، من المحتمل أن يعيد الاتحاد الأوروبي إمّا النظر في إمكانية إنشاء اتحاد جمركي أو تعليقه، أو إلغائه.

نوفال أوبسرفاتور: بعد السماح لأردوغان بلقاء مؤيديه في مدينة متز الفرنسية، انتقد فرانسوا فيون فرانسوا هولاند، نظراً لأنه لم يعرب عن تضامنه مع الموقف الأوروبي. وبالتالي، هل كانت فرنسا على حق عندما سمحت بإقامة مثل هذه الاجتماعات على أراضيها؟

أحمد إنسيل: على الرغم من أنها سوف تواجه الكثير من الانتقادات من اليمين واليمين المتطرف، إلا أن فرنسا اتخذت موقفاً صائباً خاصة وأن موقف كل من ألمانيا وهولندا، يعتبر غير مبرر وليس مناسباً بالمرة. ومن الواضح أن إجراء هذا الاستفتاء قد يكون سهلاً في فرنسا لأن نسبة الجالية التركية المتواجدة في فرنسا ضئيلة جداً، حيث أن حوالي 70 ألف تركي فقط مدرجون ضمن القوائم الانتخابية لهذا الاستفتاء. في المقابل، تعدّ نسبة الأتراك المتواجدين في ألمانيا أو هولندا، أكبر بكثير من فرنسا. ولذلك، يجب علينا أن نفهم خلفية بعض القرارات التي تتخذها بعض الحكومات الأجنبية.

نوفال أوبسرفاتور: هل تخدم هذه المواقف المختلفة مصالح أردوغان؟

أحمد إنسيل: إن الموقف الذي اتخذته فرنسا يعدّ الأذكى، وينم عن مسؤولية وحنكة سياسية كبيرة. لذلك، لا يجب على العديد من البلدان تعميق فجوة هذا الخلاف، خاصة عندما تدرك أن ذلك هو بالضبط ما يسعى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان إلى الوصول إليه.

"هذا الموضوع مترجم عن صحيفة nouvel observateur الفرنسية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا".