50 ألفاً من أهل حمص بانتظار التهجير القسري.. وأسعد لحظاتهم كانت بعد القصف!

تم النشر: تم التحديث:
HOMS
Anadolu Agency via Getty Images

لم تكد أكبر عملية تغيير ديموغرافي شهدتها سوريا والتي طالت أحياء مدينة حلب الشرقية نهاية عام 2016 تنتهي، حتى عاد قطار التهجير القسري للتوقف في محطة جديدة استعداداً لتهجير أكثر من 50 ألفاً من سكان حي الوعر، آخر معاقل المعارضة المسلحة في مدينة حمص (وسط سوريا).

وظل هؤلاء السكان محاصرين بالحي نحو 4 سنوات فيما يعد واحداً من أطول عمليات الحصار في التاريخ الحديث .


أكبر وأرخص سجن في العالم


"نحن نعيش في ثاني أكبر السجون المفتوحة بالعالم بعد قطاع غزة"، هكذا يصف سامر (27 عاماً) تجربة حي الوعر المريرة لـ"هافينغتون بوست عربي".

وأضاف أن "أكثر من 50 ألفاً من البشر يتشاركون هنا الكيلومترات المربعة القليلة ذاتها، بلا ماء أو كهرباء أو حتى مواد غذائية، عدا بضع قوافل إغاثة نجحت الأمم المتحدة في إدخالها على فترات متقطعة خلال السنوات الأربع الأخيرة".

"هو سجن بلا تكلفة -يتابع سامر مبتسماً- عدد من الجنود وبضعة قناصين هو كل ما احتاجه النظام السوري لسجن أكثر من 50 ألفاً سنوات، سجننا دون أن يتحمل تكلفة محاكمتنا، إقامتنا أو طعامنا، سجن ضاق بنا لحد الاختناق".

ويتابع قائلاً: "هذا السجن حوّل أطفالنا إلى رجال يحملون مسؤولية عائلاتهم بعد أن فقدوا معيلهم إما بالاعتقال، وإما بالقتل وإما بالإعاقة، حوّلنا كتلة واحدة نتقاسم ما يُبقينا على قيد الحياة بعد أن قتل كل أمل فينا".

الحصار الخانق الذي شهده سكان الحي منذ عام 2013، إضافة إلى عمليات القصف والاقتحام شبه اليومية، دفعت لجنة المفاوضات التي تمثل سكان الحي إلى التوقيع مؤخراً على اتفاقية لإجلاء السكان نحو المناطق الخاضعة للثوار شمال سوريا برعاية وإشراف روسيين.


ليست المفاوضات الأولى


لم يكن اتفاق التهجير هو بداية المفاوضات بين سكان الحي ونظام الأسد، فقد شهد الحي عدداً من المبادرات التي تقدم بها سكان الحي؛ بهدف إنهاء المعاناة التي يعيشونها، كان آخرها المفاوضات التي توقفت في الخامس عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2016 بعد مماطلة النظام في تنفيذ الشروط المتعلقة بوقف إطلاق النار والكشف عن مصير 7365 معتقلاً من أبناء المدينة.

ودخل الحي بعد ذلك فصلاً جديداً من فصول معاناته مع الحصار، لكن بوتيرة قصف أعنف طالت المرافق الحيوية كافة التي كانت تؤمّن لسكان الحي البقاء على قيد الحياة؛ كالمشافي، والنقاط الطبية ومستودعات الأغذية، وحتى المساحات الصغيرة التي خصصها المجلس المحلي للزراعة.

آلاف القذائف انهالت على الحي خلال الأيام الأخيرة، كما يقول عادل (28 عاماً) لـ"هافينغتون بوست عربي"، بينها أكثر من 140 صاروخاً فراغياً، خلّفت 48 قتيلاً مدنياً، بينهم 13 طفلاً و10 نساء، ودماراً طال عشرات الأبنية وأخرج مركز الدفاع المدني والمشفى الوحيد عن الخدمة.

الهدف من الحملة -يتابع عادل- كان إجبار لجنة الحي على العودة إلى طاولة المفاوضات دون التمسك بأي شرط مسبق؛ كوقف إطلاق النار أو الكشف عن مصير المعتقلين من أبناء المدينة، كانت رسالة الضباط الروس واضحة: إما الرضوخ لشروط التهجير وإما تكثيف القصف وقتل كل المدنيين.

الاتفاق نص على بدء نقل السكان الراغبين في الخروج على دفعات بمعدل 1500 شخص أسبوعياً نحو ريف حمص "الرستن وتلبيسة"، إدلب أو المناطق الخاضعة لسيطرة قوات درع الفرات المدعومة من تركيا، الاتفاق سيتم بإشراف روسي ورعاية منظمة الهلال الأحمر فيما ستتولى كتيبة شرطة عسكرية روسية ضبط الأمن في الحي والحفاظ على حياة من اختار البقاء والانخراط في عملية التسوية مع النظام دون منحهم أي ضمانات، على ألا يتم اقتيادهم إلى الخدمة العسكرية أو اعتقالهم ومحاكمتهم بتهمة الإرهاب.


لن نكون آخر المهجَّرين


"القصة لن تنتهي هنا"، كما يقول محمد الحمصي (31 عاماً) المقيم بحي الوعر غرب مدينة حمص، لـ"هافينغتون بوست عربي".

وأضاف: "التهجير القسري بدأ منذ عدّة أعوام، تحديداً عندما أجبرت قوات النظام سكان أحياء حمص القديمة عام 2013 على ترك بيوتهم بعد أشهر طويلة عاشوها في ظل الحصار والقصف والتجويع، السيناريو تكرر بعدها في داريا، وحلب، والمعضمية، وخان الشيح، وقدسيا والتل، ولن يتوقف عندنا".

وذكر أن التهجير "سيطول كل المدن والأحياء التي رفضت يوماً الخضوع لنظام بشار الأسد ما لم يتحرك المجتمع الدولي وبشكل جدي هذه المرّة، وسنرى المصير ذاته يتكرر في إدلب، وريف دمشق، ودرعا وريفي حلب وحماة"، على حد تعبيره.


أوروبا


فخر مراد (43 عاماً)، الأب لـ3 أطفال والمقيم بحي الوعر، قال لـ"هافينغتون بوست عربي"، إنه سيصبح رقماً يضاف إلى أعداد اللاجئين السوريين الكبيرة حول العالم.

وأضاف: "سأحاول وعائلتي أن نكون في أولى القوافل المغادرة، مبدئياً إلى مدينة إدلب ومنها سأحاول العبور إلى تركيا، على أمل الوصول إلى أوروبا".

واستدرك قائلاً: "بالتأكيد بعد سنوات الحصار الطويلة، لا أملك المال الكافي لهذه الرحلة الصعبة، لكنني ما زلت أملك القدرة على المحاولة".

وعن الصعوبات التي ستواجهه خلال الرحلة، يقول فخر: "تحدثت وعائلتي ساعاتٍ، قرأنا عن المخاطر، عن الموت غرقاً في البحر أو جوعاً بالغابات، عن رصاصات حرس الحدود التي لا تخطئ هدفها في كثير من الأحيان، وعن ظروف اللاجئين الصعبة، حاولنا الإحاطة بكل التفاصيل، لكن النتيجة كانت واحدة، المراهنة على أرواحنا مرة واحدة في سبيل حياة كريمة تضمن لنا الحدود الإنسانية الدنيا للحياة".


أسعد لحظاتنا!


أما عارفة (35 عاماً)، فقالت لـ"هافينغتون بوست عربي"، إنه "أخيراً، حان لسنوات (البرغل) -كما يسمونها في الحي- أن تنتهي، سنوات الجوع والحصار، سنوات القهر والقذائف المستمرة، سنوات كانت سعادتنا تتلخص فيها بإحصاء أبنائنا وأحبائنا المتبقين على قيد الحياة بعد أي غارة أو قصف"، حسب وصفها.

وعن وجهتها هي وأطفالها إذا ما تم تنفيذ الاتفاق، قالت: "لا أملك أي فكرة عن مصيرنا، كل ما يهمني هو الخروج بأطفالي من هنا، أملك بعض الأقرباء في المناطق التي ما زالت خارجةً عن سيطرة النظام، سأذهب إلى هناك مبدئياً، وبعدها يمكنني التفكير فيما سأفعله بعد ذلك".

عارفة، فقدت زوجها نهاية عام 2012 بعد حملة اعتقالات طالت الحي ولَم تتمكن هي وطفلاها منذ ذلك الوقت من معرفة مصيره.