هل يعين العاهل المغربي محامياً طالب بـ"تقليص سلطاته الملكية" رئيساً للحكومة بدل بنكيران؟

تم النشر: تم التحديث:
ABDELILAH BENKIRANE
Anadolu Agency via Getty Images

بمزيج من الوجوم والحرص على وحدته الداخلية وعلاقته مع القصر الملكي، استقبل حزب العدالة والتنمية المغربي قرار إعفاء أمينه العام، عبد الإله بنكيران، من مهمة تشكيل الحكومة؛ إثر فشله في ذلك خلال مدة قاربت الـ5 أشهر منذ إجراء الانتخابات التشريعية التي فاز بها الحزب.

وفي هذا الإطار، عقد الحزب ذو التوجهات الإسلامية، الخميس 16 مارس/آذار، اجتماعاً استثنائياً لأمانته العامة.


بنكيران.. انتهى الكلام


وأكد عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة الذي تم إعفاؤه من مهمته، أن هذا القرار بُلِّغ إياه من قِبل مستشاري الملك محمد السادس، وليس بشكل مباشر من الملك.

وأضاف في تصريح لوسائل الإعلام، الخميس 16 مارس 2017، قبيل انطلاق اجتماع الأمانة العامة لحزبه، وهو يرفض التعليق على القرار بالقول: "هذا قرار جلالة الملك، فهل نحن عادةً نعلق على قرارات جلالة الملك؟".

بنكيران رئيس الحكومة في الولاية السابقة، بعد أن أكد أن العاهل المغربي مارس صلاحياته المنصوص عليها في الدستور، أشار إلى أن "الحكومة بالنسبة لبنكيران انتهت، وانتهى الكلام".

وقال بيان للأمانة العامة للحزب، الذي صدر في وقت متأخر من ليل الخميس 16 مارس/آذار 2017، إن بنكيران "لا يتحمل، بأي وجه من الأوجه، مسؤولية التأخر في تشكيل الحكومة".

وذكر البيان إن استمرار أحزاب "التحالف الحكومي المنتهية ولايته"، التي يفترض أن تتحالف معه لتشكيل الحكومة المقبلة، في التمسك بالاشتراطات نفسها التي طرحتها على الأمين العام للحزب، عبد الإله بنكيران، طيلة الـ5 أشهر الماضية، ستجعل تشكيل الحكومة "متعذراً أياً كان رئيس الحكومة المعين".

ورفض الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، الذي تصدّر الانتخابات الأخيرة بفوزه بـ125 مقعداً بالبرلمان، الكشف عن هوية الشخص الذي سيتم اقتراحه من قِبل الحزب لتولي منصب رئيس الحكومة؛ إذ اكتفى بالقول: "البديل يعلمه الله، وأنا لا أعلم الغيب".


فرح أسرة بنكيران


تلقى عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة المكلف من طرف الملك، قرار إعفائه من هذه المهمة؛ بسبب فشله في تشكيل أغلبيته البرلمانية، ليعود وعلامات الصدمة بادية على محياه، ما دفعه لطلب حضور عدد من قيادات الحزب، خاصةً المقربة منه إلى بيته.

محمد يتيم، القيادي البارز في حزب العدالة والتنمية، وأحد المقربين من بنكيران، أكد في تدوينة له على صفحته الرسمية بفيسبوك، أن الأمين العام للحزب هاتفه يطلب منه اللحاق به في منزله ليلاً.

وأوضح يتيم: "كنت أشعر بأن تطورات كبيرة قد حدثت؛ لعلمي بعدد من المعطيات الأخيرة ومنها كونه كان قد طلب التحدث إلى جلالة الملك مساء يوم الثلاثاء 14 مارس 2017. دخلت الصالة ووجدت بعض الإخوان قد سبقوني والتحق الآخرون بعد دقائق".

وذكر القيادي بحزب العدالة، أن أسرة بنكيران ابتهجت بالقرار الملكي، حيث كتب قائلاً: "هنّأته على الإعفاء من هذه المسؤولية وابتهج لتهنئته بهذه الطريقة، وقال لي: هذا هو الأصل في مثل هذه المواقف".

وتابع قائلاً: "أخبرني بنكيران بقدر الابتهاج والحبور الذي تلقت به زوجته، نبيلة، الخبر. وحمدت الله له بخروجه مرفوع الرأس، وبعد حين دخل ابنه أسامة وسلم عليه وبدا عليه هو الآخر الابتهاج وهنأه بالإعفاء".


الرميد الأقرب ليكون رئيساً


رغم رفض بنكيران الحديث عن الاسم الذي قد يتم اقتراحه على الملك لتعيينه رئيساً للحكومة ممثّلاً لحزب العدالة والتنمية الفائز في الانتخابات التشريعية الأخيرة، فإن الأنظار تتجه إلى وزير العدل والحريات، مصطفى الرميد، الذي يعد أبرز الأسماء المرشحة لخلافته في هذا المنصب.

ويحظى وزير العدل والحريات، بحسب مصادر من داخل حزب العدالة والتنمية، بالاحترام والتقدير لدى قيادات الحزب، على رأسها عبد الإله بنكيران، الذي جعل منه واحداً من العارفين بأسراره بعد وفاة عبد الله باها الذي كان يُوصف بأنه صندوقه الأسود.

وتشير المصادر نفسها لـ"هافينغتون بوست عربي"، إلى أن مصطفى الرميد سيحظى بالإجماع من قِبل أعضاء الحزب، خاصة أنه يحظى أيضاً بالقبول لدى صناع القرار بالمملكة؛ إذ سبق ترشيحه من طرف الملك، فضلاً عن كون بنكيران خلال أحد اللقاءات، تحدث بإيجاب عنه، حيث قال: "إذا عينني جلالة الملك رئيساً للحكومة، فسأطلب منه أن يكون الرميد وزيراً للعدل مرة ثانية".

وأوضحت المصادر أن علاقة وزير العدل والحريات، المحامي الشهير في العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، والذي سبق له الخروج في احتجاجات "حركة 20 فبراير/شباط" خلال الربيع العربي مطالِباً بملكية برلمانية (ملكية بسلطات رمزية)، وطيدة بالقصر الملكي؛ إذ جرى منحه الفرصة لذبح كبش عقيقة مولود الأمير مولاي رشيد شقيق العاهل المغربي.

كما يروَّج لبعض الأسماء الأخرى داخل حزب العدالة والتنمية، من بينها وزير الخارجية المغربي السابق سعد الدين العثماني، غير أن إعفاءه من مهمة وزير في الحكومة السابقة قد يعرقل وصوله لمنصب رئاسة الحكومة، كما يتم تداول اسم وزير التجهيز والنقل السابق، عزيز رباح المسنود، من طرف بعض الشباب داخل الأمانة العامة للحزب والمعارضين لبنكيران.


سيناريوهات ما بعد بنكيران


واعتبر الدكتور رشيد لزرق المتخصص في القانون الدستوري، أن هناك جملة من الصعوبات سترافق اختيار شخصية جديدة من حزب العدالة والتنمية لتكليفها مهمة تشكيل الحكومة بعد فشل عبد الإله بنكيران، مشيراً في هذا الصدد إلى أن "اختيار عزيز رباح لهذه المهمة، سيكون له تداعيات على الجبهة الداخلية للحزب، كما أن مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات، سبق له أن أكد أنه لن يتولى هذا المنصب".

وأوضح لزرق في تصريح لـ"هافينغتون بوست عربي"، أنه من بين الاختيارات التي لدى الملك بموجب الدستور، في حال فشل الرئيس المكلف من "العدالة والتنمية" تشكيل حكومته، أنه "يتم اختيار شخصية لرئاسة الحكومة من الحزب الثاني لتشكيل الأغلبية"، مبرراً ذلك بأنه "رغم كون ذلك غير منصوص عليه في الدستور، فإن صمت بنود الدستور عنه، يمكن أن يفسَّر في القانون بكونه إباحة للشيء، فضلاً عن أن العرف الدولي والتجارب التي تتبع نمط الاقتراع نفسه تلجأ إلى هذه الخطوة".

وتابع الباحث الجامعي أن الملك يمكن أن يلجأ أيضاً إلى "التحكيم الملكي"، وذلك عبر دفع بعض الأحزاب التي ترغب في المشاركة بالحكومة على غرار حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (يساري معارض) للتنازل؛ من أجل تسهيل تشكيل الحكومة".

واستحضر الباحث لزرق الظروف الدولية الإقليمية، خاصة ما تعيشه الجزائر في ظل الحديث عن احتضار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة؛ إذ أوضح أن الملك قد يعلن حالة استثناء تفادياً لتأثير الوضع الجزائري على المغرب؛ إذ يمكنه في هذه الحالة أن يعمد إلى تشكيل حكومة من التكنوقراط (غير المتحزبين) من الكفاءات لتدبير الشأن العام إلى حين إجراء انتخابات تشريعية أخرى.


فوز مجمَّد


وكان حزب العدالة والتنمية، ذو التوجهات الإسلامية الحاكم في المغرب، قد فاز في الانتخابات البرلمانية التي أُجريت في أكتوبر 2016، حيث حصل 125 مقعداً مقابل 102 من المقاعد لمنافسه حزب الأصالة والمعاصرة العلماني الذي حشد في حملته الانتخابية ضد "أسلمة" المجتمع المغربي.

وجاء حزب الاستقلال المحافظ بالمرتبة الثالثة بحصوله على 46 مقعداً.

وقال حزب العدالة والتنمية آنذاك إن فوزه بدورة ثانية سيسمح له بالمضي قدماً في تنفيذ ما وصفه بإصلاحاته الاجتماعية والاقتصادية.

وتعد تلك الانتخابات البرلمانية الثانية من نوعها منذ تبنّي المغرب إصلاحات دستورية في عام 2011.

وتوزع ما تبقى من مقاعد البرلمان الـ305 على الأحزاب الأخرى، فضلاً عن حصة 90 مقعداً إضافية تشكل ما يسمى الدائرة الوطنية، التي يُخصص ثلثاها للنساء والثلث الباقي لمرشحين آخرين من الرجال دون سن الأربعين سنة.

ووفقاً للنظام الانتخابي في المغرب، لا يمكن لحزب واحد الفوز بأغلبية مطلقة، الأمر الذي يجبر الفائزين على الدخول في مفاوضات لتشكيل حكومات ائتلافية، ما يحد من النفوذ السياسي للأحزاب.

وأخفق بنكيران، منذ ذلك الوقت، في تشكيل الحكومة، إلى أن قرر بداية عام 2017 وقف المفاوضات مع عزيز أخنوش، رئيس التجمع الوطني و للأحرار، الذي يوصف بأنه صديق الملك، وحلفائه؛ بسبب خلافات تتعلق بالأحزاب التي ستشارك في الحكومة.

وكانت كل السلطات التنفيذية في يد الملك حتى عام 2011، عندما وافق الملك محمد السادس على تحويل الحكم في البلاد إلى ملكي دستوري في غمرة انطلاق حركات المظاهرات والاحتجاجات بالمنطقة فيما عُرف بالربيع العربي.

وعلى الرغم من تخلي الملك عن بعض سلطاته كجزء من الإصلاحات الدستورية، فإنه ما زال أقوى شخصية في البلاد وهو الذي يختار رئيس الوزراء من الحزب الفائز بالانتخابات.