كلمة خاطئة قد تبقي إنساناً بأسوأ سجون العالم؟.. هكذا وقع عشرات المعتقلين في غوانتانامو ضحية للترجمة غير الدقيقة

تم النشر: تم التحديث:
GUANTANAMO PRISON
Handout . / Reuters

في فبراير/شباط 2016، أرسلت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، مذكرة إلى الكونغرس (البرلمان) تطالب فيها مجدداً بضرورة الإغلاق الكامل لمعتقل غوانتانامو جنوبي شرقي كوبا، رغبةً في تعزيز الأمن، وتفادي أي مشكلات مع الحلفاء والشركاء، إضافة إلى الحفاظ على موارد وزارة الدفاع (البنتاغون).

وعند بداية العمل في معتقل القاعدة البحرية الأميركية المستأجرة من كوبا بخليج غوانتانامو، عام 2002، كان يوجد قرابة 780 معتقلاً، معظمهم متهمون في قضايا إرهاب، وفق مذكرة إدارة أوباما، التي حملت عنوان "خطة الإغلاق".

واليوم، لا يزال المعتقل "سيئ السمعة"، وفق مسؤولين وحقوقيين، موجوداً، ويضم بين قضبانه 41 معتقلاً، بينما رحل أوباما عن البيت الأبيض (2009-2017)، وهو الذي أراد بإغلاق غوانتانامو "إنهاء هذا الفصل من التاريخ الأميركي"، سواء بالإفراج التام عن المعتقلين أو نقلهم إلى سجون في دول أخرى تقبل استقالبهم.

هؤلاء المعتقلون قد يزداد عددهم في الفترة المقبلة، وفق تقارير صحفية أميركية؛ بسبب توجهات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي تولى السلطة في 20 يناير/كانون الثاني الماضي، إزاء المسلمين، وانتقاده الدائم لخطة أوباما الخاصة بإغلاق المعتقل، الذي اعتبرته منظمة العفو الدولية "يمثل همجية هذا العصر".


هل تعرف "القاعدة"؟


بقاء الـ41 معتقلاً في غوانتانامو، يعود إلى عجز إدارة أوباما (ديمقراطي) عن الإفراج عنهم أو نقلهم إلى سجون في دول أخرى قبل انقضاء مدة عقوباتهم؛ جراء عرقلة الجمهوريين في الكونغرس جهود إغلاق معتقل القاعدة البحرية الأميركية، البالغ مساحتها 45 ميلاً، والتي تستأجرها واشنطن من هافانا منذ عام 1903 مقابل 4085 دولاراً سنوياً، بموجب اتفاقية لا يمكن فسخها سوى باتفاق الطرفين.

كما اضطر أوباما إلى الخضوع لتسويات مع الجمهوريين، بينها مشروع قانون الاعتماد الدفاعي لعام 2011، الذي يحظر عملياً نقل المشتبه فيهم المحتجزين في غوانتانامو إلى الولايات المتحدة الأميركية لمحاكمتهم جنائياً.


أخطاء ثمنها فادح


ومن بين هؤلاء العالقين في غوانتانامو، 31 معتقلاً تسببت أخطاء في ترجمة أقوالهم في مكوثهم قيد الاعتقال.

ووفق صحيفة "لودوفوار" الكندية، لا يمكن تصنيف المعتقلين الـ41 على أنهم "معتقلو حرب"، استناداً إلى اتفاقية جنيف (لعام 1949 الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب)، كما أن 31 معتقلاً منهم لا يزالون قيد المثول أمام القضاء؛ لأنه تم احتجازهم دون إدانتهم بتهم.

وخلال حكم بوش الابن، قالت واشنطن إن القاعدة العسكرية تقع خارج الأراضي الأميركية، ما يعني أن المعتقلين فيها غير مكفولين بالدستور الأميركي، كما أن إطلاق صفة "عدو مقاتل" عليهم، أدى إلى حرمانهم من بعض الحقوق القانونية.

الصحيفة الكندية نقلت عن المحامية الحقوقية الأميركية ألكا برادهان، أن أغلب العالقين داخل غوانتانامو حالياً محتجزون بسبب أخطاء في ترجمة أقوالهم في أثناء التحقيقات أو بسبب المترجم الذي رافقهم خلال التحقيق.

وبحسب برادهان، فإن "أخطاء الترجمة ظهرت، على سبيل المثال، عندما تم سؤال بعض المتهمين ما إذا كانوا يعرفون (القاعدة)؟ فأجابوا بـ(نعم)، وهم كانوا آنذاك يقصدون مدينة القاعدة، إحدى مدن (محافظة إب في جنوب) اليمن".

المحامية الأميركية، وهي أحد أفراد فريق الدفاع عن المعتقل الكويتي عمار البلوشي، المحكوم عليه بالإعدام بتهمة اشتراكه في تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول 2001، لفتت إلى أن قرابة 24 معتقلاً حظوا بموافقة حكومات أخرى على استقبالهم، لكن لا تزال تلك الموافقات قيد التوقيع الرسمي عليها.


محاكمات عسكرية


وإضافة إلى المعتقلين الـ31 الخاضعين للمحاكمة، ينتظر المعتقلون العشرة المتبقون محاكماتهم المقرر عقدها أمام لجنة عسكرية، وفق المحامية الأميركية.

ومن بين هؤلاء العشرة، عمار البلوشي، الذي تترافع عنه برادهان، وكانت القوات الأميركية قد اعتقلته عام 2003، وتم إيداعه في سبتمبر 2006 بقاعدة غوانتانامو، التي استخدمتها إدارة بوش الابن معتقلاً لقيادات وأعضاء تنظيم القاعدة إبان ما سمتها "الحرب على الإرهاب" في أفغانستان.

ورداً على تلك الهجمات، التي أسقطت أكثر من 3 آلاف قتيل وتبناها تنظيم القاعدة، شن الرئيس الأميركي جورج بوش الابن (2001-2009) حربين على أفغانستان عام 2001؛ لوجود التنظيم بأراضيها، وعلى العراق في 2003؛ بزعم امتلاك الرئيس العراقي آنذاك، صدام حسين، أسلحة دمار شامل وارتباطه بصلات مع "القاعدة".

وخلال حكم أوباما، جرى الإفراج عن 166 معتقلاً من غوانتانامو، ونقل بعضهم إلى دول في الشرق الأوسط وإفريقيا وشبه الجزيرة العربية؛ بهدف الاندماج مع مجتمعاتهم الأصلية، في حين تم إرسال آخرين إلى دول في أوروبا وآسيا والأميركيتين بعد تعذر عودتهم إلى دولهم الأصلية، بينما أفرج بوش الابن عن 532 معتقلاً، بحسب إحصاءات لوزارة الدفاع الأميركية.


هجوم خاطئ لترامب


ووفق مذكرة صادرة عن الاستخبارات الوطنية الأميركية، في سبتمبر الماضي، فإن 9 ممن أفرجت عنهم إدارة أوباما، و113 ممن أفرجت عنهم إدارة سلفه بوش الابن تأكدت انخراطهم في "أنشطة إرهابية".

ومنتقداً خطة سلفه لإغلاق غوانتانامو، هاجم الجمهوري ترامب، على حسابه بموقع التدوينات القصيرة (تويتر)، أوباما، في 7 مارس/آذار الجاري، قائلا إن "122 سجيناً شريراً أطلقت إدارة أوباما سراحهم من معتقل غوانتانامو قد عادوا إلى ساحات القتال.. قرار فظيع آخر".

ويبدو أن ترامب نقل خطأً عن تغريدة صحيحة، في اليوم نفسه، لبرنامج "فوكس آند فريندس"، الذي تبثه شبكة "فوكس نيوز" الإخبارية الأميركية المحافظة، تعليقاً على مقتل معتقل سابق بغوانتانامو في اليمن.

وأرجعت تقديرات للمخابرات الأميركية انخفاض نسبة عودة المفرج عنهم في عهد أوباما إلى "الممارسات الإرهابية" إلى تخصيص الإدارة 6 وكالات أمنية، لبحث حالة كل معتقل وإيجاد المكان المناسب له عند نقله من غوانتانامو، بينما كانت إدارة بوش الابن تنقل المعتقلين بأعداد كبيرة إلى السعودية وأفغانستان، دون أي دراسة مسبقة لعمليات تأهيلهم وإعادة دمجهم بالمجتمع.

وجاء إفراج بوش الابن عن 532 معتقلاً من غوانتانامو ضمن خطة دعاية لتعزيز فرصه في الفوز بفترة رئاسية ثانية عام 2004، والتي انتهت بانتخابه لمدة 4 سنوات، إثر تغلبه على مرشح الحزب الديمقراطي جون كيري، حسبما كتب بوش الابن في مذكراته، الصادرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2010، بعنوان "قرارات حاسمة".

ويبقى مصير المعتقلين الـ41 العالقين في غوانتانامو غامضاً، مع اعتزام ترامب، وفق تصريحات له، إعادة العمل بالسجون السرية لوكالة المخابرات المركزية الأميركية خارج حدود الولايات المتحدة، فضلاً عن سحب القرارات التي وقعها سلفه أوباما، وقضت بضرورة إغلاق غوانتانامو، وهو ما ينذر أيضاً باحتمال ارتفاع عدد المعتقلين في هذا المعتقل "سيئ السمعة".