سرُّ دفاع بوتين عن المهاجرين لبلاده!.. هكذا يستفيد الرئيس الروسي من العمال المسلمين

تم النشر: تم التحديث:
RWSYA
Alamy

في يومٍ شديدة البرودة من شهر فبراير/شباط 2017 ، تجول مئات العمال الأوزبكيين في الثلج والطين المنتشر بموقع بناء يبعد 10 أميال خارج موسكو، وحولهم سلسلة من المباني السكنية غير المكتملة المكونة من 18 طابقاً، والتي من المفترض أن تكون سكناً لضباط الجيش الروسي.

لكن العمل توقف نظراً لعدم حصول العمال على رواتبهم منذ أسابيع. ومع عدم وجود أي مكان يذهبون إليه، وقف العمال يدخنون ويتحدثون في موقع المشروع الضخم، الذي يُطلِق عليه السكان المحليين اسم "Samolyot"، والتي تعني "الطائرات" باللغة الروسية، لأن الموقع يقع بالقرب من نصبٍ تذكاري لطياري الحرب العالمية الثانية.
وفي الليل، يختبىء العمال في حيٍ فقير قريب في كابينات مصنوعة من الصلب المموج. في هذا الحي، لا يوجد دش استحمام، أو بالوعات، أو مراحيض. بدلاً من ذلك، هناك صفٌ من المراحيض المتنقلة زرقاء اللون، وكل مرحاض ممتلئ حتى نصفه بالرواسب الكلسية للبراز المتجمد، حسب موقع بلومبيرغ الأميركي.

وفي الصباح، يرتعد الرجال من البرد وهم يلتفون حول النار يطهون عصيدة الجزر، ويذيبون الجليد من مجرى مائي قريب لشرب الماء. معظم العمال يرتدون ملابس سيئة لا تصلح لجوٍ حرارته 10 درجات فهرنهايت (نحو 12 درجة تحت الصفر)، ويخرج أحدهم في هذا الجو البارد وهو لا يرتدي في قدميه سوى خف وجورب من الصوف.

11 مليون أجنبي

sss

مواقع العمل المليئة بالعمال المهاجرين ليست ظاهرة جديدة، ولا سيما في البلدان المتقدمة، وروسيا ليست استثناءً.
فوفقاً للأمم المتحدة، هناك 11 مليون أجنبي في روسيا، معظمهم بدون تأشيرات، والكثير منهم من دول آسيا الوسطى ذات الأغلبية المسلمة. ولكن رغم استمرار أزمة اللاجئين في أوروبا في تغذية الاتجاه العالمي لظاهرة الانعزال وكراهية الأجانب، فإنَّه في روسيا، التي تُعَد ثالث أكبر مقصد للمهاجرين في العالم، الوضع مختلف قليلاً.

إذ نشرت صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية مؤخراً مقالاً افتتاحياً بعنوان: "ترامب ولوبان يشبهان المعارضة في روسيا". وتقول الصحيفة إنَّه في عهد الرئيس فلاديمير بوتين، مناهضة الهجرة تمثل مناهضةً لمؤسسات الدولة. وكتب محررو الصحيفة قائلين: "التلفزيون المحلي ينتقد بشدة أوروبا بسبب التعددية الثقافية، واستقبال اللاجئين من الشرق الأوسط وأفريقيا، والتسامح مع المهاجرين". لكن في روسيا، تصف السلطات الروسية المواقف المعادية للمهاجرين في بعض الأحيان "باعتبارها شكلاً غير مقبول من القومية".

الواقع في روسيا هو أن الاقتصاد المعتمد على المهاجرين يمثل جزءاً لا يتجزأ من تعافي البلاد الاقتصادي من الركود طويل المدى. والحكومة تعرف ذلك.

ويوضح أندريه موفتشان، مدير برنامج السياسة الاقتصادية في مركز كارنيغي في موسكو: "روسيا تشهد عجزاً كبيراً في القوى العاملة، ونحن في حاجة ماسة إلى العمالة الرخيصة التي لا يمكن العثور عليها داخل البلاد". المهاجرون في روسيا هم من ينظفون شوارع المدينة، ويقومون بصيانة المباني السكنية الضخمة التي تنتشر في الآفاق، ويلعبون دوراً رئيسياً في التصنيع، وتجارة التجزئة، وقطاع الخدمات أيضاً. وفي صناعة المطاعم، تأتي عمالة المطابخ من دول مثل قرغيزستان، وطاجيكستان، وجورجيا، ويظلون لسنواتٍ طويلة، ويرسلون أكثر أموالهم إلى بلادهم الأصلية.

ويقول موفتشان، محذراً من أن ارتفاع الأجور اللازمة لجذب العمال الروس لمثل هذه الوظائف من شأنه أن يرفع الأسعار ويضر الانتعاش الاقتصادي: "إذا طردت العمال المهاجرين، والذين يشكلون 15% من القوى العاملة الروسية، سيكون من المستحيل إيجاد عمالة تحل محلهم".

أدى الانخفاض الحاد في أسعار النفط، نتيجة العقوبات الغربية المفروضة على روسيا جراء غزوها لأوكرانيا عام 2014، إلى تضاؤل الهجرة. فقد انخفض عدد المواطنين الأوزبكيين الذين عبروا الحدود بنسبة 21%، في حين انخفضت أعداد الطاجيك بنسبة 11%، وبلغت النسبة 5% بالنسبة لقيرغيزستان.

لكن الهجرة انتعشت بعد ذلك. ففي عام 2015، أتى 161 ألف أجنبي إلى روسيا وأقاموا فيها. وفي عام 2016، ارتفع هذا العدد إلى 196 ألفاً، وفقاً للأكاديمية الروسية للتجارة الخارجية ومعهد "غايدار".

كما ارتفعت مبيعات تصاريح العمل في موسكو بنسبة 10% في العام الماضي 2016 أيضاً. ومع قدوم معظم المهاجرين من دول الاتحاد السوفيتي السابقة، مثل طاجيكستان وقيرغيزستان، أثبتت الهجرة فائدتها لجميع الأطراف المعنية: فهاتان الدولتان تتصدران قائمة الاقتصادات العالمية التي تعتمد على التحويلات المالية وفقاً للبنك الدولي.

الخوف من الإرهاب

sss

الجدير بالذكر أن سياسات تقييد الهجرة في أوروبا وأميركا لا تعوِّل فقط على الخوف من النزوح الاقتصادي، لكن أيضاً الخوف من الإرهاب. وفي روسيا، هناك مخاوف مماثلة، لكن صداها ليس عالياً.

وقال بوتين في شهر فبراير/شباط 2017 إنَّ ما يصل إلى 5000 شخص من المنتمين للاتحاد السوفيتي السابق انضموا للدولة الإسلامية "داعش" في سوريا، وفي عام 2016، اعتقل رجال الأمن في روسيا مجموعتين على الأقل من المهاجرين المشتبه بتخطيطهم لشن هجماتٍ على الأراضي الروسية. ومع ذلك، أعلنت الحكومة الروسية في فبراير/شباط 2017 أنَّها ستسمح بعودة 200 ألف من الطاجيك الذين سبق ترحيلهم.

ولطالما كان بوتين حذراً عندما يتعلق الأمر بمعالجة "التطرف الإسلامي"، فروسيا هي موطن لما يُقدَّر بـ9.4 مليون مسلم، يشكلون 6.5% من السكان، كما أن الإسلام هو إحدى الديانات الأربعة للسكان الأصليين في روسيا.

ترحيل مسرحي

ss

ومع ذلك، يقول موفتشان إنَّ المشاعر الشعبوية المناهضة للمهاجرين شائعة، ومداهمات الشرطة لمواقع العمل أمر متكرر الحدوث. لكن الضرورات الاقتصادية لها دائماً التأثير الأكبر.
وأضاف: "السلطات ستقوم بعمليات الترحيل بشكلٍ مسرحي، وستتبنى القوانين الشعبوية، ولكن الوضع سيبقى دون تغيير".

وصحيحٌ أن الوضع لن يتغير، ولكنَّه كذلك وضع مريع للمهاجرين. ويصف العمال المهاجرين في مواقع مثل "Samolyot" الصراعات اليومية من أجل البقاء وسط تدني الأجور، وسوء المعاملة، والتمييز.
ويقول فخر الدين ياكوبوف، البالغ من العمر 31 عاماً، الوضع قائلاً: "كانت موسكو تمثل حلمي، وهي مدينة جميلة يوجد بها الكثير من المال، لكنِّي الآن أريد مغادرة البلاد".

بالمثل، فإنَّ المهاجر مراد يرمولاتوف، البالغ من العمر ستين عاماً، يائس من الوضع، فهو أبٌ لخمسة أطفال، وجاء إلى روسيا بوعدٍ للعمل في مدينة خيمكي. وكل شيء كان يسير بشكلٍ جيد لمدة شهرين، لكنَّه تعرض للفصل من العمل بعد ذلك. وبعد العمل بعدة وظائف، انتهى به الأمر إلى العمل في موقع "Samolyot"، حيث بدأت مشاكله في الظهورٍ بشكل فعلي.

لعدة أسابيع، كان مراد يحصل على راتبه، ثم توقف المال بعد ذلك. وواصل مراد العمل لمدة 10 ساعات في اليوم، لستة أيام في الأسبوع، على مدار ستة أشهر، ويقول إنَّه كان يتقاضى أجراً أقل من ثلث ما وُعِدَ به. وأعرب مراد عن أمله في إرسال المال لعائلته في منطقة سمرقند في أوزبكستان، لكنّه الآن لا يستطيع حتى جمع ما يكفي من المال للرحيل إلى وطنه.

واحداً تلو الآخر، يكرر العمال في الموقع نفس القصة. ويقول رسلان كالبرجينوف، البالغ من العمر 26 عاماً، والذي ينحدر من منطقة كاركالبكستان الأوزبكية: "لقد أرادوا خداعنا منذ البداية". ومثل كثيرين آخرين، يقول رسلان إنَّه جاء إلى الموقع بوعدٍ للحصول على إقامة قانونية، لكن هذه الوعود ما زالت حبراً على ورق.

ليس هناك أجور

sss

العمال تنتابهم حالة من السخط، لكن عندما يواجهون أليبيك غازيماجوميدوف، الذي يقدم نفسه باعتباره أحد المساهمين في شركة البناء التي تملك الموقع الآن، يخيم عليهم الصمت. ويقول أليبيك إنَّه نظراً لأن هؤلاء العمال ليس لديهم عقود مكتوبة، فهو ليس مسؤولاً عن الديون المتراكمة من قِبَل المالك السابق.

ويسأل أليبيك العمال بصوتٍ عالٍ: "هل أنا مدينٌ لكم بأي شيء؟، فيهمهون بقول: "لا".

ويقول أليبيك إنَّ الشركة دفعت مستحقات العمال الذين وقعوا عقوداً بالكامل، مضيفاً أنَّ الإدارة الحالية لا تتحمل مسؤولية أولئك الذين لديهم اتفاقاتٌ غير رسمية مع المالك السابق.
وعلى الجانب الآخر، يقول باخروم خامرويف، الناشط في مجال حقوق الإنسان من أوزبكستان، والذي يعمل مع العمال المهاجرين مثل أولئك الموجودين في موقع البناء، إنَّ العمالة القادمة من آسيا الوسطى التي تفتقر إلى مهارات اللغة الروسية أو التعليم الرسمي يقعون ضحايا في كثيرٍ من الأحيان.

بقدر ما تحتاج روسيا إلى العمالة الوافدة، لا تزال هناك أيضاً قواعد روتينية رسمية مملة.
ففي عام 2010، بدأ إصدار تصاريح العمل استجابةً للزيادة في الهجرة. وحالياً، يتطلب تصريح العمل الشهري اجتياز اختبار لغة تصل تكلفته إلى 70 دولاراً، أي أكثر من 4000 روبل، وهو مبلغ كبير بالنسبة للعمال المهاجرين الذين يتقاضون في المتوسط 400 دولار في الشهر. وصدر حوالي 1.73 مليون تصريح عمل في عام 2015 وفقاً للحكومة الروسية.

ورغم ذلك، لا يحتاج كل المهاجرين إلى تصريح عمل، فالعمال من قرغيزستان، وكازاخستان، وأرمينيا حصلوا على إعفاءٍ من ذلك منذ انضمام تلك البلدان للاتحاد الجمركي الذي شكلته روسيا عام 2010.

ويتعامل النائب الشيوعي فاليري راشكين، بصفته نائباً لرئيس لجنة القضايا العرقية بمجلس النواب الروسي (الدوما)، مع تشريعات الهجرة.
ويقول فاليري إنَّ روسيا "قد غمرتها العمالة المهاجرة غير المؤهلة"، التي تسرق الوظائف من المواطنين الروس. (البطالة في روسيا تصل إلى 5.6%). وباعتباره من دعاة وضع نظام تأشيرات صارم لبلدان آسيا الوسطى، يبقى موقف فاليري أكثر تشدداً بشكلٍ ملحوظ من الكرملين.

ويرفض إلدر غيلموتدينوف، الذي يمثل حزب بوتين الحاكم "روسيا الموحدة"، المخاوف من أنَّ ضوابط الهجرة الفضفاضة يمكن أن تؤدي إلى تزايد التهديدات الإرهابية.
ويقول إلدر، وهو رئيس لجنة القضايا العرقية بمجلس الدوما: "نظام التأشيرات الحالي وقواعد الدخول تضمن درجة عالية نسبياً من الأمن، ونظام التأشيرة الحرة مع بلدان الاتحاد السوفياتي السابق هو خيار استراتيجي لروسيا".

وتجدر الإشارة إلى أنَّ ما يقرب من نصف الروس الذين شملهم استطلاعٌ أجراه مركز ليفادا قبل حرب أوكرانيا أرادوا تقييد دخول المهاجرين من القوقاز وآسيا الوسطى. في حين يؤيد 66٪ اليوم الضوابط المشددة على الهجرة.
واستغل معارضو بوتين هذا الانفصال بين الحكومة والشعب، لا سيما أليكسي نافالني، وهو سياسي طرح تقديم التأشيرات كجزءٍ رئيسي من برنامجه الانتخابي.

في العالم المضطرب للسياسة الروسية، يشكل الليبراليون ذوو التوجهات القومية مثل نافالني، وكذلك القوميون المتشددون، الكتلة الرئيسية في التحريض ضد بوتين.

القوميون الروس يحاربون ضد روسيا

sss

في البداية، انضم القوميون إلى المحتجين ضد الحكومة في عام 2012، وكثيرٌ منهم أيدوا في وقتٍ لاحق أوكرانيا في الفترة التي سبقت الغزو. وتبعت ذلك حملةٌ من الاعتقالات والمحاكمات.

ويقول ألكسندر فيركوفسكي من مركز "سوفا" للتحليلات، والذي يرصد الهجمات العنصرية في روسيا، إنَّ العديد من القوميين المتطرفين هربوا إلى أوكرانيا، حيث قاتل بعضهم ضد الجنود الروس والأوكرانيين الموالين لروسيا في الشرق.

وأضاف: "السلطات تخشى أن يتحول القوميون، جراء كثرة تعرضهم للعنف، إلى قوةٍ مادية مهمة في الاحتجاجات المتطرفة المحتملة".

لا شيء من هذا يعني أنَّ المهاجرين، الذين وجدوا أنفسهم وسط هذا الخلاف، يتلقون الحماية من الدولة، أو أن ظروف عملهم أكثر إنسانية. وفي موقع بناء "Samolyot"، استؤنف البناء رغم قلة عدد العمال، ويقول باخروم إنَّ بعض الرجال الذين احتجوا على عدم حصولهم على الأجور أُمِروا بالمغادرة.

- هذا الموضوع مترجم عن موقع Bloomberg الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.